في بلادي يعشق الناس كل شيء غير رسمي إلى درجة أن حياتهم اصطبغت بالازدواجية, وأصبح الجزائريون يشعرون بانفصام خطير بين الرسمي وغير الرسمي أو الموازي. فالحياة الرسمية والحياة غير الرسمية أصبحتا متداخلتين فيما بينهما، وهي حالة متعبة ومؤلمة للجزائريين، إذ لم يجعل الله لامرىء من قلبين في جوفه، وهي حالة مرضية تسمى في علم النفس الإكلينيكي الانفصام او الشيزوفرينيا.
كل شيء في الجزائر له نسختان: نسخة رسمية, ونسخة غير رسمية أو موازية.
تصدر النسخ الرسمية للعلن وينص عليها في القوانين, ولكن تبقى النسخ غير الرسمية هي الفاعلة والصانعة للقرار, والجالبة للاهتمام وصاحبة التأثير الأكبر في حياة الناس، ويميل الجزائريون كثيرا إلى الاهتمام بالنسخة غير الرسمية لأنهم يعلمون أنها واقعيا هي الرسمية.. هكذا تعودوا أو عُودوا, والأمثلة على ذلك كثيرة:
الدين:
هناك دين رسمي للدولة هو الاسلام كما ينص عليه الدستور في مادته رقم 2; “الإسلام دين الدولة”, وفي الواقع يمكن أن يتجرأ البعض على سبه ولا يتجرأ على سب البشر.
والدين الحاكم هو العلمانية التي تهيمن على عقول وذهنيات وسلوكات الحاكمين كما تهيمن على النصوص والقوانين في مصائر البلاد باسمها, وكل الوزارات تابعة لهذا الدين غير الرسمي ولا يتركون للدين الرسمي إلا وزارة واحدة هي وزارة الشؤون الدينية, وحتى هذه تشاركه فيها الأديان السماوية الأخرى كما هي موضحة في الاسم والصلاحيات, )الشؤون الدينية وليس الشؤون الإسلامية(.
والشعب من إدراكه لهذا الأمر يحاول أن يستقل بدينه ويحرص على إقامته، ويبني المساجد ويؤتي الزكاة في مساره المدني غير الحكومي, وبصفة عامة يتولى الشعب الجزائري كثيرا من الشعائر الدينية بنفسه وبتضامنه عوضا عن الحكومة.
اللغة:
هناك لغة رسمية هي اللغة العربية؛ لغة القرآن ولغة أهل الجنة ولغة الجزائريين ولغة أمة الإسلام, ولكن في الواقع هناك لغة غير رسمية بل أكثر من ذلك، هي لغة المحتل الذي احتل الجزائر قرنا وثلث قرن عاث فيها فساداً للأرض وهتكا للعرض وسفكا للدماء, ونهبا للثروات, واستعبادا للسكان, واستبعادا لثقافة البلاد, وتدميرا لحضارة الجزائر رغم ادعاءاته بأنه يحمل معه رسالة المدنية والحضارة, ولم يخرج إلا بعد ما اضطرته تضحيات الشعب الغالية للتخلي عن الاستيطان والخروج من الجزائر مدحورا مخذولا مهزوماً.
والمؤسف أن البعض من حكام الجزائر يعتبرون اللغة الفرنسية “غنيمة حرب” وهي في الحقيقة “غريمة حرب”؛ فالفرنسية اللغة الرسمية الفعلية الوحيدة في الدولة ومؤسساتها وإداراتها ووثائقها واجتماعاتها, وهي حبيبة المسؤولين ولا يحبون أن يشركوا بها غيرها؛ لا لغة الشعب والدولة (العربية( ولا لغة الأجداد )الامازيغية( ولا لغة العالم والعلم )الانجليزية(. وحتى عندما “دُسترت” مؤخرًا, في التعديل الدستوري في 2016 اللغة الامازيغية كلغة وطنية ورسمية فإن ذلك يصب واقعيا في خانة تدعيم وفرض اللغة الفرنسية, لغة مهيمنة على اللغتين الوطنيتين الرسميتين واختيارا ثالثا حكما بين لغتين وشعبين.
النظام:
هناك نظام سياسي رسمي كما في الدستور؛ نظام جمهوري ديموقراطي يتشكل من رئيس جمهورية وحكومة وبرلمان بغرفتين ومؤسسات رقابية وأخرى استشارية وجماعات محلية.. وهناك نظام حاكم غير منصوص عليه في الدستور وغير معرف به رسميا ولكنه, عرفا, النظام الحقيقي للبلاد ويسميه البعض النظام الفعلي أو “السيستام”, ويصل الأمر ببعض الجزائريين من كثرة الهوس بوجود نظامين في الجزائر أن يتخيل وجود رئيسين؛ رئيس “قاعد” ورئيس وراءه “واقف”, وحكومتين؛ حكومة في العلن وحكومة في الظل، يجري هذا على ألسنة الجزائريين كثيرا؛ يتساوى في هذا المسؤول الكبير والمسؤول الصغير والمتعلم والأمي والمسيس وغيرالمسيس. سؤال: من يحكم الجزائر؟ من يقرر؟ الظاهر أم الخفي؟ الرسمي أم غير الرسمي؟
الأحزاب:
هناك أحزاب سياسية معتمدة قانونا ومؤسسة وفقا لشروط دستورية وقانونية، معروفة للناس بأسمائها ومقراتها وقياداتها ومناضليها، بعضها تسمى أحزاب الموالاة أو الأحزاب الحاكمة, وبعضها يصنف في خانة الأحزاب المعارضة .. ولكن هناك حزب غير رسمي، غير معلومة قياداته، غير معروف عنوانه، غير واضحة آليات عمله، ولكنه هو صاحب القرار والكلمة الفصل هو: “حزب الإدارة” موجود في الحكومة والمؤسسات والإدارة والدبلوماسية، وهو من يوزع المقاعد الانتخابية على الأحزاب بعيدا عن الصندوق, وتزييفا لإرادة الشعب وأحيانا يعبر عنه “حزب الجزائر”، فكل مسؤول وإداري يقول لك إنه غير محزب وحزبه “الجزائر”, فاعلم أنه من حزب الإدارة لأن الجزائر بلد الجميع, ولايمكن لأحد أو جهة أو فئة أن تحتكرها. وهناك أيضا أحزاب أخرى من هذه الشاكلة غير رسمية ولاتحتاج إلى اعتماد, ولا تخضع للقانون ولكنها تملك نفوذا كبيرا وتأثيرا بالغا في المشهد الجزائري مثل: “حزب فرنسا” كما هو متعارف عليه, وهناك ما سميته منذ سنوات “حزب أمريكا” وقلت: “كما يصطلح الناس منذ سنوات على وجود حزب فرنسا في الجزائر فإن هناك أيضا حزب أمريكا الذي لا يتحدث عنه أحد, وقد لا يشعر به الكثيرون ولكنه موجود وفاعل ومنافس قوي لحزب فرنسا.. ظهر في 30 سنة الأخيرة.
الاقتصاد:
هناك الاقتصاد الرسمي من مؤسسات وبنوك ورجال أعمال تحكمه قوانين معروفة واتفاقيات مكتوبة وعهود موثقة ويخضع لنظام ضريبي معلوم ومنصوص عليه, وأحيانا قاس وغير عادل, وهناك اقتصاد موازٍ له رجاله ومؤسساته وشبكات تمويله وأعرافه وعهوده، لا يخضع للمساءلة ولا للمراقبة ولا للضريبة؛ إنما يخضع لرسم واحد هو )الرشوة(. ويقدر بعض العارفين به غير الرسميين أيضا أن حجم تعاملاته تقترب من 40% من حجم تعاملات الاقتصاد الرسمي. ونسمع كثيرا عن إعلان الحكومة الحرب عليه ولكنه دائما ينتصر عليها وعلى الاقتصاد الرسمي مما دفع الحكومة إلى إعلان الهدنة معه ومحاولة إجراء مصالحة قانونية معه.. ولكنها فشلت لعدم ثقته فيها وفي خطابها وعهودها.
الجنسية:
هناك جنسية رسمية هي الجنسية الجزائرية, وهناك جنسية وأحيانا جنسيات غير رسمية, ولكنها عند الكثيرين جنسية العزة والكرامة ووسيلة الافتخار والزهو والتعالي على أصحاب الجنسية الجزائرية. وعندما طُرح مؤخرا قانون يمنع عن الجزائريين مزدوجي الجنسية بعض المناصب في الدولة, قابلته بعض الأوساط بالرفض والتنديد والتهجم. وهو في الحقيقة ماجاء إلا للتغطية على هيمنة غير الرسمي على الرسمي وستر عورات النظام ومسؤوليه التي انكشفت كثيرا أمام الخارج والشعب في السنوات الأخيرة.
جواز السفر:
هناك جواز سفر رسمي أخضر اللون، مشكوك في صاحبه، ممنوع من السفر إلى كثير من مناطق العالم، محروم من كثير من التسهيلات, وهناك جواز سفر غير رسمي, أحمر اللون, يملك امتياز “دعه يمر”. والجزائري صاحب هذا الامتياز المحظوظ كثيرا ما يحملهما معا عندما يسافر من وإلى الجزائر ويقدم الأحمر لكي يفتح له الطريق وينال المعاملة الأكثر احتراما والأكثر تفضيلا.
وأصبح الجزائريون للأسف الشديد يختلقون الأعذار لكي يسمحوا لزوجاتهم بوضع المولود الجديد في البلدان الأوروبية أو الأمريكية لينال مولودها شرف الجنسية المشرفة, والجواز الأكثر قيمة, والأكثر إنسانية, والأكثر حقوقا, ولا فرق هنا بين الإسلامي والعلماني، ولا بين الوطني والقومي، ولا بين ابن شهيد وابن حركي, بل ولا فرق بين مجاهد وحركي, فالكل في هذا سواء.
العملة:
هناك عملة رسمية هي الدينار الجزائري كان في سنوات الاستقلال الأولى يقال إنه (بشلاغمو ) ويسمى عند البعض بالأمير؛ نسبة إلى الأمير عبد القادر؛ مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة الذي طُبعت صورته على الكثير من وحدات العملة قبل أن تُغير بصور الحيوانات والآثار التاريخية, وهناك العملة غير الرسمية ولكنها الفعلية والحاكمة.. ومما زاد المذلة للدينار الجزائري العملة الرسمية، أن له قيمتين: قيمة رسمية في البنك المركزي والبنوك التجارية, وقيمة غير رسمية في السوق الموازية عند سكان العاصمة تسمى ( السكوار), يقال إن حجمها يتجاوز سنويا 9 مليار دولار.. ولا تزال هذه الصورة سائدة إلى الآن, ولا تريد الحكومة على لسان وزير ماليتها تغييرهذه الصورة بأن تجعل للدينار قيمة واحدة, وترخص للصرافة الخاصة, وتمنع تدهور قيمة الدينار, وتحفظه من (الميزيرية) التي يعيشها في وطنه بعدما ازداد سقوطا وتهاوت قيمته أكثر وكثرت أصفاره.
الراية:
هناك راية جزائرية رسمية معروفة بألوانها الثلاثة؛ الأحمر والأبيض والأخضر، موشاة بالنجمة والهلال، ترفرف على أسطح الإدارات والمؤسسات الرسمية, ويقف لها الجنود والعساكر, كما يقف لها التلاميذ صباحا في المدارس، وهناك راية بألوان أخرى وأشكال أخرى يعتبرها بعض الجزائريين رايتهم ولا أحد يعاقبهم بمخالفتهم للدستور والقانون، وأما اذا دخلت ملاعب كرة القدم فإنك ترى في المدرجات رايات ورايات متعددة الألوان والأشكال، يصعب عليك معرفتها وتمييزها عن بعضها البعض, وقد رأيت ملاعبا ترفع رايات غير رسمية ولا ترى راية واحدة رسمية من بينها للأسف الشديد, وتبث الصور عبر التلفزيون الجزائري الرسمي دون حرج ولا خجل لأنه هو ذاته يعيش تحت وطأة قوانين غير رسمية هي مقدَمة عند المسؤولين الرسميين عن التلفزيون الرسمي.
صحيح أننا رأينا صورا جميلة صنعها الجزائريون بالعلم الجزائري في الملاعب عندما يلعب الفريق الوطني ويكون في أزهى أيامه, ولكنها صورة لا يمكن أن تلغي الصور الأخرى المتكررة باستمرار.
قد يقول قائل: الحمد لله أن لنا جيشا واحداً رسمياً لا جيشين. أقول نعم ولكن حتى هذا حاول البعض أن يصنعوا له نسخة غير رسمية وموازية ولكن الله الواحد الأحد سلّم, وقد سميت بعض الجماعات المسلحة في سنوات العنف والدم جيشاً.. ولعل البعض لا يزال يحتفظ بالصورة التي جمعت في وزارة الدفاع بين خالد نزار وزير الدفاع أنذاك بالبدلة المدنية والشيخ على بلحاج بالبدلة العسكرية عندما طلب المتظاهرون إرسالهم للجهاد في العراق في سنة 1990 في حرب الخليج الثانية.
ومن السلوكات الدخيلة على المجتمع الجزائري أن البعض من المواطنين، مسايرة للواقع المنفصم والمتصل بين الرسمي وغير الرسمي، اختار له زوجة رسمية معروفة هي أم الأولاد و”ربة الكوزينة”؛ تقدَم في العلن, وزوجة غير رسمية هي المتعة والراحة و”ربة السرير” لا يعرفها أحد.
لن تحل أزمتنا ولن تستقيم أوضاعنا ولن تتغير حياتنا نحو الأفضل ونحو التقدم والرفاه والنجاح, ولن تكون دولتنا قوية ومحترمة, وشعبنا عزيزا مكرما, إلا عندما ننجح في إزالة غير الرسمي والاكتفاء بالرسمي, بل النضال من أجل ذلك لتستبين حياتنا وتعز دولتنا وتقوى وحدتنا وتعلو رايتنا.
هذا مجرد احتجاج على الثنائية الخاطئة والحالة المرضية والانفصام النكد بين واقع وواقع, ليس مقصوداً به شخص بعينه أو جهة بعينها.
عبد المجيد مناصرة: رئيس جبهة التغيير الجزائرية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات