عزة مختار تكتب: وسقط العالم على أعتاب حلب

” قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ” (آل عمران 26)

من المفارقات العجيبة أن يكرر التاريخ نفسه بصورة مذهلة حد التطابق في بعض أحداثه، فها نحن في  سنة 656هـ/ 1258م حين سقطت بغداد عاصمة الخلافة العباسية كاملة في يد التتار وذبحوا فيها أكثر من مليون مسلم, وظلت جثامينهم في الشوارع والأسطح والبيوت دون أن تجد من يدفنها، ثم تأتي المجزرة التي لا تقل بشاعة عن قتل مليون نفس، وهي تدمير مكتبة بغداد تلك التي كانت تمثل أعظم مكتبة في زمانها حملت فكر الحضارة الإسلامية في ستة قرون ماضية بما تحويه من كتب في كافة العلوم وألقوا بها في نهر دجلة لتصير معبرا لمن يريد عبور النهر ماشيا على قدميه لتضيع على الإنسانية كلها الحق في ذلك الكم من العلوم، وتُتخذ بغداد بعد ذلك منطلقا لغزو الشام ( سوريا ) بعد تولية الوزير الشيعي الخائن, وهو الوزير مؤيد الدين العلقمي بعد أن باع الخليفة وغرر به بتخفيض عدد جنود الجيش حتى يثبت للتتار أنه رجل “سلام” لا رجل حرب فلا يستفزهم بالدخول معه في حرب، واستجاب الخليفة الضعيف له حتى انتبه بعد فوات الأوان فلم يجد جيشا يقاوم به بعد أن شغل جيش الخلافة في أعمال الزراعة والتجارة، ودخل في حرب سريعة سقط على إثرها واقتيد هو وأهله بالسلاسل ليقتلوا جميعا وتسبى النساء جميعهن، لتستسلم المدن واحدة بعد الأخرى طواعية، وتبقى حلب وحدها في حالة من الصمود الأسطوري بعد أن قرر أهلها عدم التسليم وأغلقوا أبوابها  لكن بعد حصار طويل سقطت حلب وفُتحت الأبواب بعد وعدٍ من هولاكو؛ قائد التتار بالأمان إن هم استسلموا, ليبيدهم بعد ذلك عن بكرة أبيهم وتصير حلب مدينة أشباح.

بعد سقوط حلب استسلمت بقية مدن الشام  ثم تنطلق منها الحملة التترية لتحتل أجزاء من تركيا ثم فلسطين غير أنها لم تتعرض للمناطق التابعة للحكم الصليبي في الأراضي الفلسطينية المقدسة فاحتلوا نابلس وغزة ولبنان وأذاقوا المسلمين فيها الويلات وأبادوا مدنا كاملة فلم يبقَ فيها ثمة أحياء, وأثاروا الذعر واليأس في قلوب المسلمين حتى صارت إمبراطورية هولاكو وحدها تمتد من أقاليم خوارزم التي تضم كازاخستان وتركمانستان وأوزبكستان وأفغانستان وباكستان، مرورًا بإقليم فارس (إيران) وأذربيجان، وانتهاءً بأرض العراق وتركيا والشام وتنتهي بلبنان وفلسطين وتقف علي حدود مصر بمسافة خمسة وثلاثين كيلو متر فقط, حتى ألقي في قلوب المسلمين أن التتار لا يمكن هزيمتهم وأنه ما عليهم إلا الاستسلام حتي يضمنوا الحياة.

تمزقت الخلافة العباسية ، وولي أمر بعض المدن حكام خونة كانوا من أعوان التتار علي بلادهم.

أما الحال في مصر فلم يكن يختلف كثيرا عن الوضع في بلاد العرب المحتلة، حيث كان الصراع بين المماليك على إرث أميرهم عز الدين أيبك الذي يعتلي ابنه الطفل الصغير إمارة مصر بعد مقتل أبيه ومقتل شجرة الدر، فتضعف البلاد وينقسم الجيش وتتواتر أنباء اجتياح التتار وأفعالهم للمسلمين في مدنهم فيقوم قطز بخلع الأمير الصغير الذي كان قائما على شأنه محاولا استعادة وتوحيد الجيش وتوحيد كلمة المماليك الذين هَزموا منذ ما يقرب من العشر سنوات الحملة الصليبية بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا وأسروه في المنصورة, ليؤول الأمر في النهاية لسيف الدين قطز.

تتواتر أنباء التتار، وتنتشر حكايات الرعب في قلوب المصريين من الفارين إلى البلاد ويعرفوا الأهوال التي تعرضت لها بلاد المسلمين وما فعله التتار في البلاد التي احتلوها وهي أفعال تفوق في بشاعتها أي خيال إجرامي، ليستسلم الناس لليأس ويصاب الجميع بالهزيمة النفسية, ويطالب الأمراءُ قطز بإرسال وفد لهولاكو لإعلان استسلام مصر، وأنهم لا يريدون إلا السلام وليس في نيتهم الحرب أو المقاومة، غير صوت واحد فقط هو من خرج من وسط هذا الركام، هو صوت شيخ العلماء “العز بن عبد السلام”, الذي رفض الاستسلام وحث قطز على الجهاد وألهب في الناس الحماسة.

 في هذا الوقت يرسل هولاكو أربعة من الرسل برسالة استعلاء مهينة يطلب فيها من المصريين الاستسلام التام دون شرط, فيقرر قطز بعد استشارة مجلسه أن يقوم برد قاسٍ على تلك الرسالة, وذلك بذبح الرسل الأربعة وتعليق رقابهم على أبواب القاهرة لبث الأمل والشجاعة في قلوب الناس.

صارت الأمة تملك روحا جديدة تسري فيها، روح شيخ وقائد؛ شيخ لا يخشى في الله لومة لائم ولا يقف على باب حاكم ولا يملك شيئا من متاع الدنيا يكبله، وقائد يستعصم بكتاب الله ثم بالحنكة والذكاء الخارق والعقيدة الخالصة التي تزلزل الجبال والتي لا تكتفي بتطهير بلاده من الفسدة والمفسدين وإنما تأمينها بالقوة اللازمة لتحقيق الإصلاح الذي يريد.

الرغبة في الإصلاح وحدها لا تبني أمة، إنما الأخذ على يد المستبد والفاسد والخائن ثم العدالة التي ترقق قلوب البسطاء فتدفعهم لبذل النفوس رخيصة في سبيل عزة الدين وتحرير الإنسان. العدالة التي انتهجها قطز برعاية شيخ العزة أن يبيع الأمراءُ كلَ ما يملكون لحاجة البلاد لتجهيز جيش المسلمين دون فرض ضرائب جديدة على الفقراء الذين أثقلتهم الأنظمة المتتالية فأحنت ظهورهم فقرا وحاجة وكراهية للحكام، وبدأ القائد الرباني بنفسه فقام ببيع كل ممتلكاته وكذلك فعل الأمراء من بعده وتم تجهيز جيش المسلمين ليبدأ الزحف بخطة حربية ذكية, وجعل في مقدمة الجيش تلك الفئة القوية التي قاتلت الصليبيين فاكتسبت الخبرة الكافية لاجتياز المعركة الفاصلة بقيادة قطز الذي قاتل بنفسه وسط جنوده رافعا الشعار الذي ألهب الحماسة في نفوس الجنود “وا إسلاماه “.

وفي عين جالوت بفلسطين ينكسر الجيش الذي لا يُهزم ويُقتل هولاكو فيلوذ ما تبقي من الجيش المهزوم بالفرار غير أن المسلمين يطاردونهم حتي فناءهم عن آخرهم وكان هذا في يوم الرابع والعشرين من رمضان سنة 658هـ/ 1260م

إنها العقيدة الحية المحركة لقلوب الناس حين تحميها القوة اللازمة للمؤمن كي يحمي نفسه ويحمي غيره “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون بها عدو الله وعدوكم”، فلن تنتصر دون إعداد وقوة إيمانية ومادية ولو قضيت العمر في المساجد ساجدا باكيا عابدا، إنها سنن الله التي لا تحابي أحدا.

وتتوحد مصر وفلسطين ثم تتطهر الشام ويتم مطاردة التتار في كل ربوع بلاد العرب حتى ينجلي التتار تماما وتنقشع الغمة عن بلادنا ويستعيد المسلمون مجدهم من جديد وذلك في فترة لا تتجاوز سنتين من بداية الاجتياح التتري.

 

وها هو العام ألفين وستة عشر، نفس المنطقة، نفس الاجتياح التتري، بنفس الصورة الآثمة، يجتاح بغداد وحلب وفلسطين واليمن ويريد القاهرة ويمهد لذلك بإشغال جيشها في التجارة والصناعة وترك الساحة خالية في سيناء لينبت فيها اليأس والإخفاق والاستسلام، وها هي الممالك الصليبية تتحد مع الشيعة وتتفق مآربهم في دولة الإسلام، وها هم حكام الضعف يرفعون الرايات ويسلمون مفاتيح المدن مختارين, مؤثرين السلامة والكراسي علي دماء شعوبهم، ها هو نفس المشهد يتكرر بغير تغيير يذكر, وتأتي ليلة سقوط أخرى للعالم المحاصر لحلب انتقاما من صمودها, لتفتح الأبواب عنوة بالقصف الجوي وبصمت مريب من العالم، بل بدعم مقنن منه، ليذبح الرجال والأطفال وتسبى النساء وتقتل شر قتلة بعد تعذيب بشع تشيب له الرؤوس، وها هو اليأس يدب في ربوع المسلمين ويجأر الناس بالدعاء وما من إجابة، فالأسباب والسنن الإلهية لا بد من أن تعمل، والقائد المظفر يجب أن يولد، والشيخ الملهم يجب أن يصدح بكلمته في الآفاق والإعداد الكامل، عالم يفتي بتسليح المسلمين وتوحيد الجيوش ومن قبلها تغيير عقيدتها التي بُدلت بدلا من إفتاء النساء بقتل أنفسهن اتقاءًا للقتل والاغتصاب.

إن العالم الذي يفتي امرأة بقتل نفسها أو يفتي رجلاً بقتل زوجته وابنته لا تصح فتواه، إنما يصح أن يفتي الأمة كلها بالإعداد الكامل، الإعداد اللازم، الإعداد قدر الاستطاعة.

إن النصر ليس مستحيلا، لكنا لم نسعى إليه ولم ندفع ثمنه، والعدو ليس قويا إنما نحن الضعفاء، وتلك ليست نهاية الأمة إنما هي جولة لنبدأ من جديد.

سقط الجميع على أبواب حلب حين التقت المصالح الصليبية مع خيانة الشيعة مع الإرادة الصهيونية التي لم تخسر رصاصة واحدة وحصلت على كل ما تريد من تمزيق للمسلمين وغرس الخونة على رؤوسهم كحكام لا يهمهم سوى المكوث على كراسي الحكم لأطول فترة ممكنة حتى لو كان الثمن إسقاط بلادهم وتسليم مفاتيحها دون شروط مسبقة.

والله أكبر والعزة للإسلام.

شاهد أيضاً

بن غفير يعترف بفشل إسرائيل في هزيمة حماس رغم حرب الإبادة

اعترف وزير الأمن القومي الإسرائيلي بعدم تمكن الاحتلال من هزيمة حماس رغم السيطرة على مساحات …