لا “طرطرة بعد اليوم”.. فـ “العسكر مثل الفريك .. لا يحب الشريك”.. شعاران يمثلان واقع الحالة المصرية منذ الانقلاب العسكري الغاشم على الرئيس محمد مرسي؛ أول رئيس مدني منتخب من الشعب بإرادة حرة نزيهة.
وقد تأكد هذان المثلان مع قرار عسكرة وزارة التموين بعد الإطاحة بوزير التموين خالد حنفي, وتعيين ضابط عسكري في المنصب.
ومن قبل استعان العسكر بعدلي منصور في الرئاسة ثم تخلوا عنه وأتوا بالسيسي ليحكم بصورة مباشرة, كما أطاح الانقلاب بوزراء حبهة الإنقاذ السبعة, في حكومة حازم الببلاوي ومعهم رئيس الحكومة بعد أداء المهمة الموكلة لهم من العسكر.
ولئن كانت معظم الوزارات يحكمها منذ الانقلاب مستشارون عسكريون؛ هم الحكام الحقيقيون فيها, مع وجود وزير مدني طرطور, إلا أن هذا الوضع لم يشبع نهم العسكر للسلطة, فأطاحوا بالطراطير.
اختيار اللواء محمد علي الشيخ، لتولي مسؤولية وزارة التموين والتجارة الداخلية خلفاً للوزير المستقيل، خالد حنفي، يتوافق مع معلومات لمصادر مطلعة في وزارة التموين ومجلس الوزراء، تؤكد أن استقالة حنفي جاءت على خلفية خلاف حاد، بينه وبين عدد من المسؤولين العسكريين، بسبب دفاعه عن المصالح التنافسية لرجال أعمال كبار في مواجهة رغبة الجيش في توسيع أنشطته الاقتصادية، في مجال استيراد القمح وإدارة منظومة إنتاج الخبز التمويني.
أما قصة إقامة الوزير المستقيل / المطاح به في فندق سميراميس ذي الخمسة، والتي تم الترويج لها باعتبارها شاهداً على فساده، فقد كانت من ثمار مخططٍ أداره عدد من المسؤولين العسكريين، والمخابراتيين نجح في الترويج لهذه القصة كدليل على فساد الوزير وعلاقاته خارج إطار العمل الرسمي عبر النائب البرلماني والصحافي المقرب من السلطة، مصطفى بكري, وكأن السلطة من (ساسها لراسها) لا تضم سوى الأخيار الأطهار الأبرار!.
الخلافات بدأت في شهر أبريل الماضي، عندما تقدم جهاز مشاريع الخدمة الوطنية من خلال وزير الدفاع، صدقي صبحي، إلى مجلس الوزراء بمقترح مفاده دخول الجهاز كمستورد ومخزن أساسي للقمح المستورد، واستغلال الصوامع الجديدة التي أنشأها الجيش في عدد من الموانئ لهذا الغرض، ووقف أنشطة رجال الأعمال في استيراد القمح جزئياً.
وبرر جهاز الخدمة الوطنية هذا المقترح بتلقي هيئة الرقابة الإدارية (التي شهد عهد السيسي اتساعاً مطرداً في صلاحياتها وسلطاتها) عدداً من الشكاوى حول وجود شبهات فساد في تعامل بعض رجال الأعمال في مجال القمح المستورد، مثل تقاضي أموال من الحكومة مقابل حصص من القمح، وعدم سدادها بالمواصفات المحددة، أو تقاضي مبالغ من وزارتي التموين والزراعة مقابل زراعة القمح في عدد من الأراضي، وزراعة منتجات أخرى أكثر ربحية.
جهاز الخدمة الوطنية يدرك أن دخوله هذا النشاط سيؤدي إلى الحد من المنافسة فيه، كما حدث في الأنشطة التي دخلها الجيش خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ومنها مقاولات الطرق والإنشاءات الحكومية، والطاقة، وإعلانات الطرق، واستيراد اللحوم رخيصة الثمن وغيرها.
لكن حنفي عارض المقترح العسكري مراعاةً لمصالح رجال الأعمال الناشطين في مجال استيراد القمح، والذين يدافع عن مصالحهم رجل الأعمال، أحمد الوكيل، رئيس اتحاد الغرف التجارية، والمعروف بعلاقته الوطيدة بحنفي, التي تعود إلى نحو 10 سنوات، عمل فيها حنفي مستشارًا للوكيل باعتباره أستاذًا في كلية التجارة. وخلال هذه الفترة توطدت العلاقة بينهما حتى أن اسم حنفي طُرح لأول مرة مرشحا للوزارة من قبل الوكيل المعروف بعلاقته الوطيدة أيضاً برئيس الوزراء السابق، إبراهيم محلب.
ولأن الوكيل يدافع عن مكاسب الفئة الاجتماعية، التي ينتمي إليها, فقد كان وراء تحريك عدد من الدعاوى القضائية ضد هيئات عسكرية مختلفة نتيجة الأضرار، التي لحقت برجال أعمال ومستثمرين محليين بسبب احتكار الجيش عدداً من الأنشطة الاقتصادية.
وكان الوكيل مؤيداً لحق شركات الدعاية والإعلان في التنافس مع الجيش على حقوق استغلال إعلانات الطرق، وهي المشكلة التي وصلت إلى القضاء، وصدرت فيها أحكام لصالح الشركات، مما اضطر الجيش إلى تسوية القضية ودياً خارج المسار القانوني.
كذلك، عارض الوكيل مقترح الجيش التدخل في مجال القمح، عندما عرضه عليه وزير التموين السابق، وأدى هذا إلى تشبث الوزير بموقفه المعارض أكثر، مما أثار حفيظة وزير الدفاع وقيادات جهاز الخدمة الوطنية.
وتقول المصادر إن وزير الإنتاج الحربي، اللواء محمد العصار، تدخل في المشكلة بذريعة البحث عن حل لها، يرضي الطرفين، وبما يسمح للجيش بالتدخل بحجة تأمين استيراد القمح، ويكفل استمرار المنافسة في الاستيراد.
وحاول حنفي إرضاء العصار من خلال طرح مشروع مشترك بينهما مع وزارة التخطيط لتنقية قواعد بيانات بطاقات التموين والخبز المدعم، بواقع 20 مليون بطاقة، يستفيد منها 80 مليون مواطن. ولكن على عكس المتوقع، لم يؤد هذا المشروع إلى تصفية الأجواء، بل إن العصار انتقل إلى صف وزارة الدفاع، وأعلن تأييده دخول جهاز الخدمة الوطنية مجال استيراد القمح, لا لمجرد أنه عضو في الحكومة من خلفية عسكرية، لكن باعتبار وضعه الجديد؛ المسؤول عن قاعدة بيانات بطاقات التموين والخبز المدعم.
وقال العصار في اجتماع لمجلس الوزراء – حسب المصادر- إن البيانات، التي أعدتها وزارة التموين بشأن القمح المستورد والخبز المدعم، كشفت عن ضياع مبالغ مالية كبيرة، داعياً إلى التحقق من الأمر وفحصه, الأمر الذي احتج عليه حنفي، وبعد أيام معدودة من الواقعة بدأ الصحافي، مصطفى بكري، عملية التشهير بحنفي, وتلقف الإعلام هذه المعلومات لتضخيمها بالتزامن مع بدء تحقيقات النيابة في وقائع فساد استيراد القمح.
وتبين المصادر أن إصرار حنفي على موقفه المساند لمصالح رجال الأعمال أدى إلى دفعه إلى الاستقالة، بعد اشتداد الهجوم عليه في مسألة الفندق، على الرغم من أنه لا توجد أية دلائل على ضلوعه أو استفادته من وقائع فساد استيراد القمح، التي تحقق فيها حالياً نيابة الأموال العامة العليا، وأخلت على ذمتها سبيل تسعة رجال أعمال، بعد سدادهم المبالغ محل الاستيلاء.
ومن المرجح أن يشهد عهد اللواء محمد علي الشيخ في وزارة التموين، توسيعاً مطرداً لنشاط الجيش في استيراد السلع التموينية والخامات التي تدخل في صناعة السلع المدعمة، وعلى رأسها القمح, وأن يتم تقريب المسافات بين الوزارة وجهاز الخدمة الوطنية في ما يتعلق بالتوريد والتسويق، حتى نصل لمرحلة إدخال منتجات للجيش على البطاقات التموينية بدلاً من الموردين المعتادين من المصانع المصرية.
تحكم الجيش في قطاع التموين سيؤدي على الأمد الطويل، إلى القضاء على مظاهر المنافسة الاقتصادية في مجال تصنيع وتوريد السلع الأساسية رخيصة الثمن.
نعود للحديث عن ظاهرة الطرطرة, والطراطير, فقد وصل الحكم العسكري إلى مرحلة من السفور تؤهله ليعلن بكل سفور أنه سيدير ويحكم وحده, ولم يعد يتورع أن يقال إن مصر قد تمت عسكرتها, من خلال الحكم المباشر للعسكر.
وسوف تشهد المرحلة المقبلة في الغالب المزيد من عسكرة مناصب الدولة وتهميش المدنيين الطراطير من المواقع الحيوية خاصة تلك التي تكون معنية بالمشروعات الضخمة والاستثمارات الكبيرة.
فالعسكر يضيقون بكل فاسد من حولهم ويسعون لاحتكار الفساد, وهم بذلك – من حيث يدرون أو لا يدرون- إنما يحتكرون الفشل أيضًا, فقد كان الفشل رفيقًا دائما لهم في أعمالهم.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات