من قال إن الإستعمار والاحتلال العسكري قد فارق أرضنا العربية؟!
من يزعم ذلك عليه أن يقرأ أو يشاهد هذه الأيام ما تطالعنا به الفضائيات والصحف العربية من آراء وتحليلات لمجموعة من “مثقفي الردة العرب” الذين أتقنوا فن التسويغ والتبرير وكيل التهم جزافـًا للفلسطينيين، وقاموا بدور ” المحلل ” الذي يعجز العدو الإسرائيلي وعملاؤه عن أدائه، وكانت وسائل الإعلام العربية وسيلتهم التي قدموا عليها عروضهم المثيرة!
هؤلاء المثقفون وأشباه المثقفين الذين أطلقوا على أنفسهم ” ضمير الأمة “، جعلوا من القضية الفلسطينية مشجبًا يعلقون عليه فشلهم في إقناع شعوبهم بتقصير حكوماتهم في حل قضاياهم، في ظاهرة غريبة لبعض هؤلاء الكتاب والمثقفين نستطيع أن نطلق عليها ظاهرة ” العداء للفلسطينيين”, إن لم نقل العداء لكل ما هو عربي ومسلم، وحتى لو أوصلهم هذا العداء إلى الالتقاء مع العدو الصهيوني سياسيـًا وثقافيـًا وفكريًا.
وليكتشف المواطن العربي في كل مكان أن إسرائيل لم تعد بحاجة لإرسال جيوشها وآلاتها العسكرية لإحتلال الأراضي العربية، حيث برز المثقفون وأشباه المثقفين العرب الذين يحاولون من خلال لعبة الإعلام التي وجدوا أنفسهم على قمة الهرم فيها، تقديم الأعذار والمبررات للعدو الإسرائيلي وللمجازر التي يقوم بها، وكيل التهم بالعمالة والخيانة لكل من يتصدى للاحتلال! (ألم تصدر مما يسمون أنفسهم بمجموعة كوبنهاجن للسلام وثيقة تعلن أن كل من يقاوم الاحتلال الإسرائيلي ويرفض التطبيع مع إسرائيل فهو متخلف عقليًا!) .
لقد دأب بعض الكتاب والمثقفين ــ الذين ينتمون للأسف الشديد إلى لغة الضاد ــ في الآونة الأخيرة على اختلاق الأكاذيب واختراعها بأساليب متعددة يندى لها الجبين، وتعف عنها رسالة الإعلام الشريف، في حملة مسعورة ضد أبناء الشعب الفلسطيني وفصائله المقاومة في محاولة لدق إسفين بين أبناء الشعب الواحد، وخلط الأوراق للوصول بهذا الشعب إلى ضبابية كثيفة لم يعد معها يستطيع التفريق بين الوسائل الحقيقية للوصول بالسفينة الفلسطينية إلى الهدف المنشود.
لقد وصلت الجرأة بمثقفي الردة وكتبة المارينز حد تبني مقولة الإعلام الإسرائيلي بأن الأمهات الفلسطينيات يُخرجن أطفالهن من المدارس، ويدفعن بهم إلى الحواجز الإسرائيلية وإرغامهم على إلقاء الحجارة وطعن جنود الاحتلال للخلاص من مصاريفهم اليومية!
ولا تخلو مقالاتهم ومناظراتهم التلفزيونية من الحديث عن فشل الإنتفاضة!
لا نعرف بالضبط الأدلة والمعطيات الموجودة عندهم التي يؤكدون من خلالها فشل الإنتفاضة التي سجلت أروع صفحات النضال والتضحية ضد عدو مدجج بأحدث الأسلحة، وجسدت على الأرض المعنى الحقيقي للملحمة الفلسطينية النادرة في عصر لم يعد يعرف الملاحم، وإن سلام المذابح والقبور المفتوحة الذي فرضه العدو الإسرائيلي على شعبنا الفلسطيني منذ توقيع إتفاق أوسلو قد ولى إلى غير رجعة .
وفي مثال واضح على سقوط هؤلاء المثقفين؛ الإعلامي جهاد الخازن الذي دأب منذ انتهاء حرب الخليج الثانية عام 1991 م على التشكيك بكل ما هو فلسطيني، على اعتبار أن الفلسطينيين قد هزموا في هذه الحرب! فيما يعرف الجميع أن الفلسطينيين لا ناقة لهم فيها ولا جمل!
وكما قال تشرشل في مذكراته: ” في فترة الحرب تصبح الحقيقة عزيزة إلى درجة يجب إحاطتها بسلسلة من الأكاذيب” ، فقد اعتقد الخازن أن الحرب على الفلسطينيين بأشكالها المختلفة لم تتوقف، لذلك لم يوقف الأكاذيب!
بعد أشهر قليلة من انتهاء حرب الخليج الثانية أتحفنا الخازن في زاويته اليومية في جريدة الحياة يوم 16 / 7 / 1991م بمقال يخبرنا فيه عن أوضاع الأراضي المحتلة التي لا يختلف معه فيها أحد كونها أوضاع سيئة وتزداد سوء يومـًا بعد يوم .
أصابت الفلسطينيين الدهشة إزاء ما كتبه الخازن في معرض تدليله على مدى السوء الذي وصلت إليه أحوال أهل الأرض المحتلة، فقال ( أن الصغار بدون مدارس والنساء والشيوخ مرضى) وهاتان النقطتان نتفق معه فيهما حيث كان للممارسات الإسرائيلية في القضاء على الإنتفاضة الأولى دور بارز في هذا الوضع، وزاد بالقول ( والفتيات يعرضن أنفسهن على السياح)!
لا أعتقد أن الخازن جاهل في أوضاع الأرض المحتلة، أو تنقصه المعلومات لتقديم المظاهر الواضحة والكافية للتدليل على مدى السوء الذي وصلت إليه حالة أهل الأرض المحتلة، ولعله لم يصل إلى علمه أن شعب فلسطين صاحب الشعار المشهور والتاريخي (الأرض ولا العرض ) والذي سهل للعصابات الصهيونية سنتي 1947 و 1948م عملية تشريد الكثير من أبناء فلسطين وتحويلهم إلى مهاجرين لخوفهم على أعراضهم، وقد آلت أحوال عرب فلسطين في نهاية الأربعينات وبدايات الخمسينات إلى أوضاع أكثر سوءً، سواء في فلسطين أو خارجها في المنافي، بشكل لا تقارن معه الآن أحوال أهل الأرض المحتلة على الإطلاق، ومع ذلك لم يُسمع أن فتيات فلسطين قد عرضن أنفسهن على السياح لا داخل فلسطين ولا خارجها.
الخازن الذي يعرف هذه الحقيقة جيدًا لم يهدف بزاويته سوى الإعلان عن تلك الجملة التي لم يكشف بها واقعـًا بقدر ما تفرد فيها بين جملة الكتاب الموهوبين” ضمائر الأمة المستترة ” في شن شكل جديد من أشكال الهجوم على فلسطين ( الأرض والشعب).
والغريب أنه استمر طوال سنوات في الهجوم على الفلسطينيين، والتحريض ضدهم، إلى أن جاءت انتفاضة الأقصى المباركة في 28 / 9 / 2000م التي وجد فيها ـــ ومن خلالها ــ فرصة ذهبية للتشكيك بنضال وجهاد الشعب الفلسطيني من خلال تقديم معلومات مغلوطة عن الوضع الفلسطيني، محاولا التشكيك تارة في السلطة الفلسطينية، وتارة فصائل المقاومة الوطنية والإسلامية، بحجة أن قادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية أصدقاء له!
في اليوم التالي لتهديد محمود عباس لقطاع غزة بالويل والثبور، وخروج الغربان الناعقين باسم ” فـتح عـباس ” في وصلات من التهديد بحرق غزة, طالب الخازن في مقاله الخميس الماضي السلطات المصرية بدخول قطاع غزة من جديد، بموافقة الولايات المتحدة، ليعود تحت إدارة السلطة الوطنية، مشيراً إلى أن هذا الحل يفيد إسرائيل لأنه يمنع إطلاق الصواريخ عليها من القطاع ويمنع حفر الأنفاق!
كنا نتمنى على الخازن ـــ و هو بالمناسبة فلسطيني الأصل ـــ أن يطلب من السلطات المصرية فتح معبر رفح للتخفيف من الحصار المفروض على القطاع الذي يعاني من أزمات إنسانية خطيرة، ومعدلات بطالة مرتفعة، وأزمة كهرباء مستمرة، وانعدام الأمن الغذائي، ونقص حاد في مياة الشرب، وعجز في الأدوية والمستهلكات الطبية مع وجود 44 ألف حالة من ذوي الأعاقة بسبب الحروب الإسرائيلية.
لقد سقط جهاد الخازن حينما تخلى عن دوره في الكشف عن مأساة شعبه، وسقط حينما احترف مهنة الانتهازي الذي باع مبادئه وقيمه وأخلاقياته.
المطلوب من الشعب الفلسطيني وكافة شرائحه الوقوف بحزم في وجه هذه الحملة التي يقودها مثقفو الردة؛ ” أعداء الفلسطينيين ” وفضح أساليبهم الإعلامية التي لا تخدم سوى الأعداء، ولا تنم إلا عن إمتهان أصحابها للابتزاز والارتزاق وحب الشهرة على حساب شلال الدم الفلسطيني .
.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات