التمدد الإيراني في إفريقيا (1)

جذور الخراب

كان مؤتمر برلين الذي انعقد عام 1885م نقطة فارقة في تاريخ القارة الإفريقية حيثُ كرَّس فكرة (التغول) على سيادة الكيانات السياسية الإفريقية التي جرى تقسيمها بينَ القوى الأوربية العظمى في ذلك الزمان في إطار التكالب الأوربي على القارة الإفريقية، واستمرّ ذلك إلى الحرب العالمية الثانية.

وإبَّان الحربِ الباردةِ  كانتْ إيرانُ محسوبةً على المعسكر الغربيّ بقيادة الولايات المتحدة, إلا أنه مع قيام الثورة في إيران (1979) وبروز مشروع الخميني الداعي لتصدير الثورة، توجهتْ أنظارُ الإيرانيين إلى إفريقيا، باعتبارها مجالا لنشر الأفكار، ومقارعة الخصم السُّنيِّ.

لماذا إفريقيا؟

تعتبرُ القارةُ السمراءُ أرضاً خصبةً لكافّة الأنشطة الفكرية والدينية، نظرًا للطبيعة الجغرافية، وتركيبة الشخصية الإفريقية السهلة المنفتحة مما يجعلها فريسة سهلة لفخ التشيع وغيره.

وتمثّل منطقة غرب إفريقيا ثقلًا سكانيًّا كبيرًا يزيد على 300 مليون نسمة، يمثل أكبر كتلة إسلامية في القارة الإفريقية، وهذا ما أغرى إيران على التمدّد على حساب النسيج السنيّ المتسامح .

وقد سعت إيران إلى بسط نفوذها في القارة إدراكًا منها لأهميتها بالنسبة للجوار العربي من جهة, ومن جهة أخرى للدور المهم المتوقع أن تلعبه فيما يخص الطاقة في المستقبل .

ويعتبر التمدّد في القرن الإفريقي الضامن الاستراتيجي للمشروع الإيراني في تطويق دول الخليج من الضفة الأخرى للبحر الأحمر، وخطوط إمداد الأذرع الإيرانية من الحوثيين، وحزب الله، وكانتْ حرب ضد القرصنة التي تداعت لها دول كثيرة تحت ذريعة حماية مصالحها في نهاية العقد الماضي من هذا القرن السبب المعلن لوجود إيران البحري في المنطقة وسرعان ما توّج بإقامة القاعدة المتعددة المهام في ميناء (مصوع) الإريتري على باب المندب، وتؤكد المعلومات المتناقلة عنها أنها قاعدة عسكرية متكاملة فيها سفن حربية وغواصات، وطائرات بلا طيار، وعدد من جنود الحرس الثوري حيثُ تؤكدُ مصادرٌ غربيةٌ وإسرائيلية، أنّ طهرانَ نقلتْ إلى القاعدة بواسطة السفن والغوّاصات، جنوداً ومعدات عسكرية، وصواريخ باليستية بعيدة المدى، مشيرة إلى أن الإيرانيين يستخدمون طائرات صغيرة من دون طيار، لحماية القاعدة.

واعترفت إيران بالسعي للسيطرة على مداخل البحر الأحمر عند مضيق عدن قبالة السواحل اليمنية .

كما يرى صانعو السياسة الإيرانية أن البحث عن أماكن جديدة للتوسع، تكون بعيدة عن منطقة الصراع أمر في غاية الحيوية، مستفيدين من التجربة الفرنسية حين سقطت باريس، وبقت حكومة ( فيشي) في الجزائر، وتدخل إستراتيجية تصدير الثورة في إطار إيجاد “الوطن البديل” للثورة إذا تعرضت إيران لتهديد وجودي، كما حدث في عهد الدولة العبيدية .

إستراتيجية التوسع في إفريقيا

تعتمد الإستراتيجية الجديدة لطهران تجاه إفريقيا على بناء النفوذ المدني والسياسي قبل تحويل ذلك النفوذ لقوة عسكرية تدور في فلك المصالح العليا الإيرانية، لكن السقوف المسموح بها من الدول الاستعمارية القديمة، والتي تعتبر إفريقيا مجال نفوذها، لا يسمح لإيران بوجود في حجم وجود الدول ذات الجيوش؛ لذلك فهي تكتفي بالتكتيك المليشياتي ابتداءً بتشكيل خلايا متمردة يتمّ ترقيتها لعصابات، ثم لمليشيات، ثم تدمج هذه المليشيات كواقع على الأرض في تركيبة الجيش النظامي. كما حدث مع (حزب الله) في لبنان، أو الحشد الشعبي في العراق، والحوثي في اليمن .

30 دولة إفريقية مستهدفة

في مؤتمر تحت شعار «الأطروحة المهدَوية، وواقع أتباع أهل البيت- عليهم السلام – في إفريقيا”، جمعت إيران في 12 مايو /أيار 2016 طلابًا من 30 دولة.

ومن المبادرات الجديدة في هذا الصدد تأسيس «رابطة عموم إفريقيا لآل البيت» يوم 10 أغسطس /آب 2016؛ وإعلان زعماء الحوزات الشيعية في إفريقيا بدء نشاطها بعد خمسة أيام من التأسيس في ندوة صحفية في العاصمة السنغالية داكار التي تعتبر مقرًا للرابطة، وقد أكد (أبو جعفر)، الأمين العام للرابطة، للصحافة أن «الرابطة أصبحت الإطار الجامع للشيعة الأفارقة، وأن الرابطة انتخبت مكتبًا مؤقتًا سيدير نشاطها إلى أن ينعقد المؤتمر العام للشيعة الأفارقة قريبًا لانتخاب قيادة دائمةٍ.

الدعاية الشيعية

تحاول إيران استثمار الأسلوب الحالي في تهويل التمدّد الشيعي بالمزيد من النفخ في الأرقام والإحصاءات التي تنشرها أطراف سنية معتمدة على ذات المصادر لإثبات وجودها, موهمة أن هذه الأرقام صحيحة؛ لأنها من فم العدو، إضافة إلى الروابط والمكاتب التي تكثف فتحها في بلدان عدة؛ لتثبت حضورها، وبتغطية قنواتها الفضائية التي فاقت الثمانين قناة كلها بتمويل حكومي ونفقات ضخمة .

وقد زعم أحد قادة “المبشّرين”  الشيعة، وهو محمد دار الحكمة، أن «التوجه نحو الانسلاخ عن مذهب أهل السنة والجماعة، واعتماد المذهب الشيعي في تنام مطّرد بدول غرب إفريقيا، وفي نفس منحى «البروباجاندا» الإيرانية ادّعى أن «التشيّع يسير بخطى ثابتة، وأن هذا السير سيمكن من إعلان دولة ساحل العاج للمذهب الجعفري مذهباً رسمياً في أفق السنوات العشر المقبلة».

كما تروّج بعض الإحصاءات أن عدد الشيعة في غرب إفريقيا يقدر بنحو 7  ملايين شخص. لكن هذا الزعم الذي تروّج له أساساً المؤسسات الشيعية الإيرانية خاصة المجمع العالمي لآل البيت لم يوضح كيفية الإحصاء والأجهزة القائمة عليه، وليس مدعومًا من أي جهة رسمية.

وبهذا يمكن القول إن (البروباجاندا) الإيرانية قائمة على مبدأ الإغراق بالمعلومات المضخمة، وليس مهماً تصديقها، أو تكذيبها، المهم أنها أرقام صدرت من مكاتب في إفريقيا يمكن بها الترويج للتمدّد الشيعي.

ويبقى موضوع التشيع بإفريقيا محل كثير من الإشاعات التي تروّجها إيران وبعض المؤسسات التابعة لأجندتها، خصوصا ما يتعلق بعدد المتشيّعين، وانتشار المذهب ومؤسساته. غير أن هذا لا ينفي الخطورة التي أخذ يكتسبها الاختراق الإيراني الطائفي للنسيج الاجتماعي السني بغرب أفريقيا.

__________________________________________

مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية

 

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …