يحلو للبعض أن يطرح هذا السؤال .. في معرض الحديث عن ثورات الربيع العربي.
وللإجابة على هذا السؤال لابد من طرح سؤال آخر: على من قامت تلك الثورات؟ .. وسنجد الإجابة المباشرة أنها قامت على حكام أفسدوا الحياة، وحبسوا أنفاس شعوبهم، وحجزوا ضوء الحرية عنها، وقذفوا بكرامة الإنسان خلف اسوار السجون، وداسوا على إنسانية الإنسان, وسرقوا قوتهم، ثم ما لبثوا أن سفكوا دماءهم.
اذن أين محل مصطلح الفتنة من الإعراب في جملة ثورات الربيع العربي الاعتراضية؟
أرى أن إشاعة مصطلح الفتنة هنا ما هو إلا ضرب من العجز حينا، أو من النفاق أحيانا.
عجز الجبان .. الذي يؤثر السلامة حتى لو تحطمت كرامته تحت أقدام الطغاة، ورضي بلقيمات مغمسة بالذل، وقنع بأن تكون قيمة حياته هي قيمة تلك اللقيمات.
ونفاق المنافق .. الذي هانت عليه نفسه فألقاها في متاهات الضلال، وباعها في سوق النخاسة، وحسب أنه بيع رابح. تعس البيع، وتعس عباد الدرهم وعباد الخميصة والقطيفة.
الفتنة مصطلح مظلوم قذفته أفواه شيوخ السلطان كعربون نفاق للوالي حينا وبأمره أحيانا، وتلقفته رعاياه البائسة الذين ليست لديهم رفاهية الرد والنقد، والهدف هو أن تموت القضية وتدخل الأمة في غيابات الجب فتلعن الثورة وتعلن التغيير.
وربما تلاعب شيوخ السلطان بالقضية فتارة هي فتنة ظاهرة مثل شمس النهار، وتارة هي اختيار بين أخف الضررين؛ ضرر الاستبداد أو الاستعباد؛ ضرر الفوضى المزعومة أو الإرهاب المحتمل.
لا أيها العمائم الزائفة .. فالفتنة بعيدة عن الأمة عندما تنادي بحريتها، بعيدة عن الشعوب عندما تثأر لكرامتها، بعيدة عنها عندما تنادي بحقوقها.
ثار أحمد عرابي وخلفه الأحرار على خديوي كان الشعب؛ كل الشعب في نظره قطعا من عقار يورث، وعبيدا من عبيد إحسانه فقال له: لقد خلقنا الله أحرارا ولم يخلقنا تراثا أو عقارًا, فوالله الذي لا إله إلا هو لن نورث ولن نستعبد بعد اليوم .. فهل كان عرابي يشعل فتيل الفتنة، أم كان يطلب حقا ويغير منكرا؟!
وهل أصبح تغيير المنكر وقوعا في براثن الفتنة؟
فإن قيل: أين المنكر، نقول: المنكر ظاهر للعيان لا يحتاج إلا لمن له قلب يعي أو عين تبصر، فسرقة مقدرات الشعوب منكر، وتحكم فرد في مصير أمة منكر، ونهب ثروات البلاد من قبل قلة فاسدة منكر، وتزاوج السلطة والثروة منكر، وقمع الشعب وإذلاله منكر .. ألا تكفي هذه المنكرات وتستدعي من يقوم لها؟.
وإن قيل: الخروج على الحاكم منكر كبير، قلنا: وإهانة الشعوب منكر أكبر منه، وقلنا: إن ثورةً تصلح المعوج خير من سكوت على فساد يأتي على الأخضر واليابس، وإن كلفة الثورة أقل بكثير من كلفة الفساد.
فإن قيل: الثورة فيها دماء، قلنا: الدماء التي تسيل على الطرقات نتيجة إهمال الفاسد أكثر (قدرت أعداد قتلى الحوادث في مصر بأكثر من خمسة عشر ألفا في عام واحد).
فإن قيل: تزهق أرواح بريئة، قلنا: إن الأرواح التي تزهق نتيجة أمراض الفشل الكلوي والكبد والسرطان وغيرها أكثر براءة، وكلها ناتجة عن منظومة فساد وإهمال، وهذا قتل متعمد وإزهاق للأرواح أدهى وأمر.
وفي المقابل .. فإن تغيير المنكر واجب لم يختلف عليه الفقهاء، ولكنهم اختلفوا على درجته من حيث الاستطاعة؛ من نكران بالقلب إلى التغيير باللسان واليد، والثورات السلمية غالبا ما تكون تغييرًا للمنكر باللسان فهي هتاف جماعي ضد الظلم والطغيان والفساد، فهل أصبح هتاف: لا للظلم .. لا للقهر .. لا للفساد محرمًا إلى درجة أن يُغيّب أصحابه خلف أسوار السجون، أو تحت أستار القبور؟!
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات