لا شك أنّ ظاهرة “التكفير” مِن أخطر الأمور التي ابتُليت بها الأمة الإسلامية قديما وحديثا، وقد جرّت على الأمة كثيرا مِن البلايا والمصائب، وألحقت بالدعوة الإسلامية أضرارا فادحة في الداخل والخارج على السواء، كما أنّ الأمة لم تَجْنِ خيرا يُذكَر مِن وراء الفكر التكفيريّ وما ترتّب عليه من سلوك عمليٍّ.
ومن المسوِّغات التي اعتمد عليه مَن يخوضون في مستنقع التكفيرِ اعتقادُهم بأنّه لا يُعذر أحدٌ بجهله، ومِن ثم غالَوا وتساهلوا في تكفير المسلمين، وتوسيع دائرة الحكم على الأبرياء بالكفر.
والحقّ أنّ هذا فهم خاطئ، ومذهب مخالف تماما لهدْي الصادق المصدوق ﷺ؛ حيث إنّ عُذرَ الجاهل أمرٌ ثابتٌ، ونَهْجٌ بيِّنٌ في سُنّة المصطفى الهادي ﷺ.
وهناك أحاديثُ كثيرة، ومواقفُ عديدة في السنة النبوية المطهرة تدلل بجلاء على ضرورة مراعاة العذر بالجهل واعتباره، سواءٌ أكان الأمر المجهول مِن بيِّنات الشرع ومُحْكَماته الواضحات؛ أم مِن الأمور التي يمكن أنْ يخفى حُكمُها على بعض الناس، وسواءٌ أكان الأمرُ المجهولُ مِن أمور الإيمان؛ أم مِن قبيل الفروع.
وسوف نورد بعض الأحاديث النبوية حول هذا الأمر .. بلاغًا وإعذارًا .. وربُّنا المستعان.
الحديث الأول:
عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي ﷺ بَعث أبا جَهْم بنَ حذيفة مُصَدِّقا، فلاجَّه رَجلٌ ([1]) في صَدَقته، فضربَه أبو جهم، فَشَجَّه ([2])، فأتَوا ([3]) النبيَّ ﷺ، فقالوا: القَوَد ([4]) يا رسول الله، فقال النبيُّ ﷺ: «لكُم كذا وكذا» ([5]) فلم يَرْضُوا، فقال:
«لكُم كذا وكذا» فلم يَرْضُوا، فقال:
«لكُم كذا وكذا» فَرَضُوا، فقال النبيُّ ﷺ:
«إني خاطبٌ العشيّةَ على الناس ومُخْبرُهم برضاكم».
فقالوا: نعم، فخطب رسولُ الله ﷺ فقال:
«إنّ هؤلاء اللَّيْثِيّين أَتَوْني يريدون القوَد، فعرَضْتُ عليهم كذا وكذا فرضوا، أرضيتم؟» قالوا: لا، فهَمَّ المهاجرون بهم، فأَمَرَهم رسولُ الله ﷺ أنْ يَكُفّوا عنهم، فكَفُّوا.
ثم دعاهم فزادهم، فقال: «أرضيتم؟» فقالوا: نعم، قال:
«إني خاطبٌ على الناس ومُخْبرُهم برضاكم» قالوا: نعم، فخطب النبيُّ ﷺ، فقال: «أرضيتم؟» قالوا: نعم.
(رواه أبو داود والنسائيّ وابن ماجه وأحمد وابن حبان والبيهقيّ).
قال ابنُ حزمٍ في المُحلَّى:
وفي هذا الخبر عُذْرُ الجاهلِ؛ وأنه لا يَخْرُج مِن الإسلام بما لو فَعَله العالمُ الذي قامتْ عليه الحجةُ لكان كافرا، لأنّ هؤلاء الليثيين كذَّبوا النبيَّ ﷺ، وتكذيبُه كُفْر مجَرَّد بلا خِلاف، لكنهم بجهلهم وأَعْرابيّتِهم عُذِروا بالجَهالة، فلَم يَكْفُروا.
الحديث الثاني:
عن عبد الرحمن بنِ وَعْلة – رَجُلٌ مِن أهْل مِصْر -، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن بَيع الخمرِ، فقال: كان لرسول اللهِ ﷺ صَديقٌ مِن ثقيف – أو مِن دَوْس – فلقِيَه بمكةِ عامَ الفتحِ براويةِ خمرٍ([6]) يُهْديها إليه.
فقال رسولُ الله ﷺ: «يا أبا فلان، أمَا علمتَ أنّ الله قد حَرّمها؟» قال: لا واللهِ، قال: «فإن الله قد حَرَّمها».
فأقبلَ الرجلُ على غلامه، فقال: اذهبْ فبِعْها.
فقال رسولُ الله ﷺ: «يا أبا فلان، بماذا أمَرْتَه؟ » قال: أمَرْتُه أنْ يبيعَها.
قال ﷺ: «إن الذي حَرّم شُرْبَها، حَرّم بيعَها».
فأَمَر بها فأُفرِغتْ في البَطْحاء.
(رواه مسلمٌ وأحمدُ والنسائيُّ ومالكٌ والدارميُّ وأبو يعلى وابنُ حبانَ والبيهقيّ).
وفي الحديث فوائدُ يَجْدُر بنا أنْ نقف عندها، منها:
1ـ أنّ الذي جَهِلَه الرجلُ مِن أمور الدين هو مِن الأحكام المعلومة التي استفاض العلمُ بها، واشتُهِر بين الناس حُكمُها.
وهل يُتصوَّر أنْ يَخْفى حُكْم الخمرِ بين المسلمين في المجتمع الإسلاميّ حتى عامِ الفتحِ ؟!
ومع هذا عَذَره النبيُّ ﷺ بجَهْله.
2ـ أنّ في هذا الحديث دليلا على فساد مقولةِ: “لا عُذْر بالجهل في ديار الإسلام”.
3ـ أنّ في الحديث إرشادًا إلى وجوب تغليبِ حُسنِ الظنِّ فيما يبدو مِن تصرفات المسلم، وأنْ يَحمِل كلٌّ مِنّا أمْرَ أخيه على أحسنه.
الحديث الثالث:
عن حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله ﷺ: «يَدْرُس الإسلام ([7]) كما يَدْرُس وَشْيُ الثوب ([8]) حتى لا يُدرَى ما صيامٌ ولا صلاةٌ، ولا نُسُكٌ, ولا صدقةٌ، ولَيُسْرَى ([9]) على كتاب الله في ليلةٍ فلا يَبقَى في الأرض منه آية، وتَبقَى طوائفُ مِن الناس؛ الشيخُ الكبيرُ والعجوزُ، يقولون: أدرَكْنا آباءَنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها».
فقال صِلَة [أحدُ التابعين] لحذيفة: ما تُغْنِي عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يَدرون ما صلاةٌ، ولا صيامٌ، ولا نُسُك، ولا صدقة؟
فقال حذيفة: يا صِلة «تُنَجّيهم من النار، تُنَجّيهم مِن النار، تُنَجّيهم مِن النار».
(رواه ابن ماجه في السنن، والبيهقيّ في شعب الإيمان، والحاكم في المستدرَك، وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبيّ)
قال ابن تيمية في الفتاوى:
وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة التي يندرس فيها كثير من علوم النبوات حتى لا يبقى مَن يُبلِّغ ما بَعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يَعلم كثيرا مما يبعث اللهُ به رسولَه ولا يكون هناك من يُبلِّغه ذلك، ومثل هذا لا يَكْفُر.
ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان وكان حديثَ العهد بالإسلام فأنكر شيئا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يُحكَم بكفره حتى يَعرِف ما جاء به الرسول.
وقال:
وفي أوقات الفترات وأمكنة الفترات: يثاب الرجل على ما معه مِن الإيمان القليل، ويَغفِر الله فيه لمن لم تَقُم الحجةُ عليه ما لا يَغفِر به لمن قامت الحجة عليه.
الحديث الرابع:
عن عائشة رضي الله عنها ـ مِن حديث طويل، في قصة خروج النبي ﷺ لزيارة أهلِ البقيع، وخروجِها على أثَرِه ﷺ، مِن شدة غَيْرتِها عليه ﷺ لِتنظُرَ أين ذَهب ﷺ ـ قالتْ:
ألا أُحَدِّثكم عنِّي وعن رسول الله ﷺ ؟
لَمّا كانت ليلتي التي فيها النبيُّ ﷺ عندي … إلى أنْ قالت:
وقال [ﷺ]: «أَظنَنْتِ أنْ يَحيف عليكِ اللهُ ورسولُه؟»
قالت: مهما يَكْتمِ الناسُ يَعْلمْه اللهُ؟
قال [ﷺ]: «نعم».
(رواه مسلم، والنسائيّ وأحمد والطبرانيّ في الدعاء ـ وهذا لفظ أحمد ـ).
ومعنى كلام “عائشة”: هل يَعْلم اللهُ ـ تعالى ـ جميعَ ما يُخفيه الناسُ في صدروهم، ويُضمرونه في نفوسهم؟
والشاهدُ في هذا الحديث: أنّ عائشة ـ رضي الله عنها ـ سألتْ عن أمْرٍ مِن أصول الدين يَجْدُر أنْ يكون يقينًا راسخًا وعقيدةً واضحةً في نفس المؤمن، ولا يتطرّق إليه أدنى شك، وما ينبغي لمؤمنٍ السؤالُ عنه، ومع هذا لم يوجِّه إليها النبيُّ ﷺ أيَّ عقابٍ، أو لوم، بل أجابها بكل بساطة.
هذا؛ وظاهر الحديث أنّ عائشة كانت تجهل هذا الأمر ـ كما قرر هذا ابنُ تيمية وغيرُه ـ .
والذي تميل إليه النفسُ أنّ حَمْل سؤال أمِّ المؤمنين على الجهل أمرٌ بعيد؛ والأولى حملُ السؤال على وجهٍ آخر كالخطأ ـ مثلا ـ، أي أنْ تكون قالت هذا في حال دهشتها وتوتّرها؛ حيث إنّ تفاصيل القصة تشير إلى حال شعورية ونفسية غيرِ طبيعية اعترتْها.
وسواءٌ أكان السؤال على ظاهره (أي: ناشئا عن جهلٍ)، أم كان مؤوَّلا على معنى آخر؛ يبقى وجهُ الاستدلال هو أن النبيّ ﷺ قد عذَرها؛ ورفَع اللَّومَ والإثمَ عنها، ولم يؤاخذْها.
قال ابنُ تيمية في الفتاوى:
فهذه عائشة أم المؤمنين سألَتِ النبيَّ ﷺ: هل يعلمُ اللهُ كلَّ ما يَكتُم الناسُ؟ فقال لها النبيّ ﷺ: «نعم».
وهذا يدل على أنها لم تكن تعلم ذلك، ولم تكن قبل معرفتِها بأنّ الله عالمٌ بكلّ شيء يكتمه الناس كافرةً، وإن كان الإقرار بذلك بعد قيام الحجة من أصول الإيمان، وإنكارُ علمِه بكل شيء كإنكار قدرتِه على كل شيء، هذا مع أنها كانت ممن يستحق اللومَ على الذنْب.
الحديث الخامس:
روت كتبُ السُّنةِ بأسانيدَ صحيحةٍ أنّ “ماعزَ بنَ مالكٍ” ـ رَضيَ الله عنه ـ جاء إلى رسول الله ﷺ معترِفا بمقارفة الزنا، وطلبَ مِن النبي ﷺ أنْ يُطهِّره بإقامة الحدِّ عليه.
وعند جمْع الروايات إلى بعضها والنظرِ فيها؛ يتبين حِرْصُ النبيِّ ﷺ على التأكِّد مِن انتفاء الجهلِ لدى “ماعز”؛ حيث تكرر سؤالُه ﷺ له عن كونه يعرِف حقيقة الزنا الموجب للحدّ.
ومِن ذلك: ما رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: إنّ رجلا، أتى نبيَّ اللهِ ﷺ فقال: يا نبيَّ الله إني زنيتُ.
قال ﷺ: «أي ويحك !! وهل تدري ما الزنا؟».
قال: نعم؛ يصيب الرجلُ مِن المرأة التي لا تَحِلّ له كما يصيب مِن أهله … الحديث. (رواه النسائي في السنن الكبرى).
بل قد ثبت في الروايات الصحية ـ كما عند البخاريّ ـ أنّ النبيّ ﷺ سأله باللفظة الصريحةِ الدالّةِ على المعاشرة الجنسية، مِن غير كِنايةٍ؛ أي بدون أنْ يستخدمَ مكانَها لفظا آخر يشير إلى المعنى المراد، مع أنه ﷺ كان «أشَدَّ حَياءً مِن العَذْراء في خِدْرِها».
وقد أكّد ابنُ عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنّ النبي ﷺ كان مما قصدَه بهذا هو أنْ يتحقق مِن انتفاءِ الجهل لدى “ماعز”.
عن ابن عباسٍ أنّ رسول الله ﷺ قال لماعز ـ حين قال: زنيتُ ـ: «لعلك غَمزْتَ، أو قَبّلْتَ، أو نَظَرْتَ إليها؟».
قال [أي: ابنُ عباس]: “كأنه يخاف أن لا يدري ما الزنا”.
(رواه أحمد في مسنده، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري).
وهذا كلُّه يؤكِّد بما لا يدَع مجالا للشك على أنّ الجهْلَ عُذرٌ معتبَر في كلّ الأحوال.
الحديث السادس:
عن عبد الله بنِ أبي أَوفَى – رضي الله عنه – قال: لما قَدِم معاذٌ – رضي الله عنه – مِن الشام سَجَدَ للنبيّ ﷺ فقال: «ما هذا يا معاذ؟», فقال: أتيتُ الشامَ, فوافقْتُهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتِهم, فودِدْت في نفسي أنْ نَفعل ذلك بك، فإنك أحقُّ أنْ تُعَظَّم.
فقال رسول الله ﷺ: «فلا تفعلوا؛ فإنِّي لو كنتُ آمِرًا أحدًا أنْ يَسجد لغير الله لأمَرْتُ المرأةَ أنْ تسجد لزوجها …».
(رواه ابنُ ماجه وأحمد وابن حبان).
الحديث السابع:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «والذي نفسُ محمدٍ بيده، لا يَسمع بي أحدٌ مِن هذه الأمة؛ يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسِلتُ به، إلا كان من أصحاب النار» (رواه مسلم وأحمد).
ففي قوله ﷺ «يسمع بي» إشارة إلى العلم الذي به ينتفي الجهل، أي لا يعلم بي وبما جئتُ به أحد، “ويقال: فلان سمِع بفلان إذا بَلَغ إليه خبرُه، فالمعنى: ما أُخبِر برسالتي أو ببعثتي أحدٌ ولم يؤمن؛ إلا كان من أصحاب النار” ([10]).
وقال العراقي: “ومفهومه أنّ مَن لم يسمع بالنبي ﷺ، ولم تَبْلغه دعوةُ الإسلام فهو معذور، على ما تقرر في الأصول: أنه لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح”([11]).
فهذا الحديث يؤكِّد ـ بجلاء ـ على أن حصول العلم بالتكليف شرط للحوق الإثم بترك العمل به، ووقوع الجزاء المترتب عليه.
هل انتهى العذر بالجهل في زماننا؟
هذا؛ وقد ذهب البعض إلى أنّ “العذر بالجهل الآن لا وجود له؛ لكثرة الوسائل وانتشارها بين الناس من أشرطة وكتب وقنوات وإنترنت ومراكز، وغيرها كثير”.
لكن هذا فيه نظر؛ فإن الأحاديث التي أوردناها ونحوَها باقية على عمومها، فتشمل العذر بالجهل في أي زمان ومكان.
ثم إن القول بأن وسائل الاتصال الحديثة قد صارت في كل مكان قولٌ غير دقيق؛ حيث إنّه لا تزال توجد بلدان كثيرة، ومساحات شاسعة مِن عالمنا لا تعرف شيئا عن تلك الوسائل، ولم تصل إليها، وأكثرها ـ مع الأسف ـ في العالم الإسلامي.
ولو سلمنا بما قيل مِن كثرة الوسائل المشار إليها فإنها ـ في الجملة ـ لم تكن لصالح الحق والدعوة الإسلامية؛ بل قد عملت ـ في كثير من البلدان ـ على نشر الانحرافات، وأسهمت في جهل الناس، وبُعدِهم عن معين الدين الصافي، فعمّت الفترة، وفَشَت الجهالة، وشاعت مفاهيم الجاهلية وأحكامها وأخلاقها، وساعَد على هذا أنظمةُ حكم شيوعيةٌ وعلمانيةٌ ونحوُها نذرت نفسها لحرب الدين، وهدم تعاليمه في نفوس الناس وواقعهم.
وعلى هذا فإن عذْر الجاهل أمرٌ مقرَّر ومعتبَر، أكدتْه سنة الرسول ﷺ القولية والعملية، ولا يسوغ إنكاره، أو تعطيل العمل به.
والله الهادي والموفق إلى سواء السبيل.
([1]) أيْ: نازَعَه وخاصَمَه مِن اللَّجَاج.
([2]) الشَّجّ: ضَرْب الرَّأس خاصَّة وجَرْحه وشَقّه.
([4]) أي: نحن نُريد القِصاص ونَطْلبه.
([5]) أي: اترُكوا القِصاصَ واعْفُوا عنه، وخُذوا في عِوضِه كذا وكذا من المال.
([6]) أي قِرْبةٍ ممتلئةٍ خَمْرا.
([7]) مِن دَرَس الثوبُ دَرْسا: إذا صار عتيقا.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات