المغرب؛ كان البلد العربي الوحيد الذي شهد مسيرات مليونية تضامنا مع الشعب الفلسطيني أثناء العدوان على غزة، وأدان برلمانه حينها الهجمات الوحشية على القطاع، كما أدانتها الحكومة المغربية على لسان وزير خارجيتها، آنذاك، سعد الدين العثماني، كما أقام جسرا جويا نحو العريش لإيصال المساعدات، فهل هذا هو المغرب نفسه الذي يستقبل مجرمي الحرب الصهاينة، أم أن هناك مغربين؟
أمس الاثنين؛ قدم محامون مغاربة طلبا لدى النائب العام في محكمة الاستئناف في الرباط، من أجل احتجاز وزير الدفاع الإسرائيلي السابق؛ عمير بيريتز، بعد دخوله الأراضي المغربية ومشاركته في ملتقى دولي في مجلس المستشارين. طلب المحامين جاء بناءً على دعوى سابقة تقدموا بها في أغسطس 2012، بحكم أن الوزير من أصل مغربي.
وتقدم كل من النقيب عبد الرحمن بنعمر والنقيب عبد الرحيم الجامعي والنقيب عبد الرحيم بن بركة والمحامي خالد السفياني، وهم من هيئة الدفاع الخاصة بمجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين، والائتلاف المغربي من أجل فلسطين ومناهضة التطبيع المكون من 15 هيئة وشبكة حقوقية وطنية، بطلب لاعتقال الإرهابي عمير بيريتز والوفد الصهيوني المرافق له، نظرا لوجودهم حاليا داخل التراب الوطني بالعاصمة الرباط، وذلك بالموازاة مع وقفة رمزية أمام المحكمة ذاتها.
وجدد المحامون في طلبهم، ما ورد في الشكاية السابقة المقدمة ضد عمير بيرتز, وزير الحرب السابق في الكيان الصهيوني، التي تم تقديمها منذ سنة 2012 إبان العدوان الصهيوني على قطاع غزة، لارتكابه مجازر ضد الإنسانية، وعلى رأسها مجزرة ملجأ «قانا» التي سقط خلالها أكثر من 35 طفلا مع عشرات المدنيين تحت القصف الصهيوني في لبنان.
وذكر المحامون في مذكرتهم «النائب العام» لدى محكمة الاستئناف بدعواهم القضائية وعدم إخبارهم بالاجرءات التي اتخذها منذ ذلك التاريخ متسائلين عما وراء صمته خلافا لما يفرضه القانون من فتح البحث وإجراء التحريات من قبل الأجهزة الأمنية واتخاذ تدابير تستلزمها خطورة الأفعال وخطورة المجرم الذي ارتكبها.
وقال المحامون إنه ليس هناك من عائق ولا صعوبة ولا مانع لاتخاذ الاجراءات القانونية اللازمة وطالبوا بإعطاء تعليمات سريعة وعاجلة لإلقاء القبض على عمير بيرتز ومتابعته بناءً على قانون الإرهاب, والأمر بسحب جواز سفره وتحديد منطقة يحظر عليه مغادرتها.
حملة استنكار واسعة
وقد أثار حضور الوفد الصهيوني في الرباط للمشاركة في المناظرة الدولية التي ينظمها مجلس المستشارين والجمعية البرلمانية للبحر المتوسط بمشاركة مع المنظمة العالمية للتجارة استنكارا واسعا في الأوساط الحقوقية والسياسية المغربية، وأصدرت 3 فرق ومجموعات برلمانية بمجلس المستشارين بيانا استنكرت فيه هذا الحضور.
وأدى الحادث إلى ضجة بين مكونات المجلس حيث نفت رئاسة المجلس مسؤوليتها عن استضافة الصهاينة المذكورين، وقالت إن القرار تم اتخاذه من قبل مكتب مجلس المستشارين بإجماع مكوناته كافة، في حين اتهم نبيل شيخي، رئيس فريق حزب العدالة والتنمية بمجلس المستشارين، رئاسة المجلس بترويج المغالطات، واعتبر أن الموضوع «دُبر بليل واستفرد بتدبيره رئيس المجلس».
وتحاشى المنظمون رفع العلم الإسرائيلي في الرباط لعدم إعلام الدول المشاركة كما أن رئاسة مجلس المستشارين اختارت قاعة مجلس النواب لعقد المناظرة، في حين نفى حكيم بن شماس رئيس مجلس المستشارين مسؤوليته عن استضافة الوفد الصهيوني، وقال إنه لم يسبق أن وجه الدعوة للوفد ولا لغيره من الوفود الممثلة للدول الأعضاء في الجمعية البرلمانية للمتوسط والمنظمة العالمية للتجارة، اللتين نظمتا المناظرة، «على اعتبار أن اختصاص توجيه الدعوة يبقى حصريا لأجهزتها التقريرية»، وأن ما تم تداوله «معطيات مغلوطة من طرف بعض محترفي ازدواجية الخطاب والمواقف».
وأضاف بن شماس في بلاغ وزع مساء الأحد أن قرار احتضان هذا المؤتمر، «تم اتخاذه من قبل مكتب مجلس المستشارين بإجماع مكوناته جميعهم، كما يشهد على ذلك محضر مدون لاجتماع المكتب بتاريخ 10 يوليو 2017، بل واتفق أعضاء مكتب المجلس على احتضانه بمقر البرلمان، بعدما كان مقررا استضافته بمدينة الدار البيضاء» وأن «الإعداد لهذه المناظرة تم بشكل علني ومسؤول، وبعلم المكونات الممثلة داخل مجلس المستشارين جميعهم، حيث عمم المجلس بلاغا إخباريا حول احتضانه لهذه المناظرة الدولية، وتم نشره في الموقع الرسمي للمجلس، ومنابر إعلامية مختلفة، والحديث عن الإعداد لهذه التظاهرة الدولية في سرية، هو أمر عار من الصحة ».
وقال إنه «حينما يستضيف برلمان عضو, اجتماعا أو مؤتمرا لمنظمة دولية، كما هي حال الجمعية البرلمانية للبحر الأبيض المتوسط والمنظمة العالمية للتجارة، فإنه لا يحق لها بمقتضى القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية، الاعتراض أو استعمال الفيتو ضد هذا الوفد البرلماني أو ذاك، طالما أنه يتمتع بعضوية المنظمة، كالجمعية البرلمانية للبحر الأبيض المتوسط، التي تعد ملاحظا لدى منظمة الأمم المتحدة»، لافتا إلى أن مكان انعقاد مؤتمرات أو لقاءات من هذا النوع تعتبر بموجب القانون الدولي «أرضا دولية».
وانتقد رئيس مجلس المستشارين المنتمي لحزب الأصالة والمعاصرة (المعارض) حزب العدالة والتنمية، وقال إن المجلس «ممثل داخل الجمعية البرلمانية للبحر الأبيض المتوسط من خلال شعبة تضم في عضويتها ممثلا لفريق العدالة والتنمية، حيث دأب على الحضور في أنشطة هذه المنظمة التي اعتادت إسرائيل الحضور فيها باعتبارها عضوا فيها، ومد مكتب المجلس بتقارير حول مشاركته في أنشطتها».
وأدان عبد الإله الحلوطي, النائب الثاني لرئيس مجلس المستشارين، حضور الوفد الصهيوني وقال إنه «لا يشرف مجلس المستشارين استضافة هذا الوفد»، محملا المسؤولية بشكل ضمني إلى رئاسة المجلس حيث أن مكتب مجلس المستشارين تم إخباره بتنظيم المناظرة الدولية ولم يدرس ولم يصادق على برنامج ولائحة ضيوف هذا النشاط، موضحا أن هذه التفاصيل كانت ستناقش في اجتماع المكتب يوم الأربعاء الماضي «قبل أن تقرر رئاسة المجلس تأجيل اجتماع المكتب من دون أي توضيح» .
واتهم نبيل شيخي، رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس المستشارين، رئاسة المجلس بـ «ترويج المغالطات» بخصوص استضافة الوفد الصهيوني محملا المسؤولية كاملة لرئيس المجلس؛ حكيم بنشماس.
ونقل موقع العمق المغربي عن شيخي أن قرار مشاركة الصهيوني ومجرم الحرب بيريتز في المناظرة، لم يتخذ داخل هياكل ومؤسسات المجلس وقال: «نتحدى رئاسة المجلس التي تروج المغالطات، أن تقدم التوضيحات الكافية فيما يتعلق بإلغاء اجتماع مكتب المجلس، الذي كان مبرمجا الأسبوع الماضي، حيث كان من المفروض أن يتم فيه تقديم برنامج المناظرة ولوائح المشاركين التي نجهلها كفريق، وتجهلها الفرق جميعها».
قرار دُبر بليل
وقال – على هامش الوقفة الاحتجاجية ضد حضور الوفد الصهيوني، مساء الأحد الماضي أمام مبنى البرلمان في الرباط – إن هذا القرار «دُبر بليل واستفرد بتدبيره رئيس المجلس، ويتحمل مسؤوليته كاملة فيه، وسنتابع الموضوع ونتخذ الإجراءات اللازمة في المستقبل بتنسيق مع الفرق، من أجل أن نتجنب هذه الأخطاء ومثل هذه المبادرات التي تسيء لصورة المغرب».
وأوضح أن موقف حزبه «هو تأكيد لموقف الشعب المغربي الثابت والرافض لكل أنواع التطبيع، والرفض المطلق لاستقبال أمثال هؤلاء المجرمين الصهاينة مثل بيريتز الذي لا زالت يداه ملوثتين بجرائم الحرب»، وأنه مطلوب لدى عدة دول أصدرت مذكرات اعتقال في حقه، بحيث لا يجرؤ على دخول عدد من الدول الأوروبية، فكيف نسمح له بالدخول إلى أرضنا.
وشهد البرلمان المغربي، صباح الأحد، ملاسنات حادة بين مستشارين برلمانيين مغاربة من الغرفة الثانية، والوفد الصهيوني، ورفع المسير الجلسة بعدما تحولت القاعة إلى ساحة لمشادات كلامية بين الطرفين حيث احتج مستشارو الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، على حضور بيريتز على رأس وفد صهيوني يضم أيضا وزير الاتصالات الحالي رافعين في وجههم شعارات تتهمهم بممارسة الإرهاب وقتل الأطفال العزل في فلسطين ولبنان، وتطالبهم بالرحيل عن البرلمان والتراب المغربي فورا.
ووصف عمير بيريتز، المحتجين على حضوره للبرلمان المغربي بأنهم «متطرفون» يحاولون تصدر وسائل الإعلام باحتجاجاتهم!
وقال بيرتز، في تدوينة على حسابه في فيس بوك، إن المغرب «بلد خاص وشعبه محب للسلام, والدولة تستثمر أموالا كبيرة في الحفاظ على التراث اليهودي، مؤكدا أنه يحظى شخصيا بتقدير كبير ومعاملة خاصة من أعلى المستويات».
بيريتز متفائل!
وعبر بيريتز عن تفاؤله بخصوص «فتح صفحة جديدة مع جميع الدول العربية المعتدلة، ومن ضمنها المغرب الذي يمكن أن يصبح زعيما لهذه العملية كما كان في الماضي».
وتظاهر العشرات من الحقوقيين والسياسيين والنشطاء، مساء الأحد احتجاجا على استضافة الوفد الصهيوني محملين المسؤولية لمجلس المستشارين، داعين الدولة إلى التدخل بشكل عاجل لوقف اختراق الكيان الصهيوني للمؤسسات الدستورية الوطنية.
وأحرق المشاركون في الوقفة أعلام الكيان الصهيوني، منددين بارتفاع وتيرة التطبيع مع الكيان الصهيوني داخل المغرب، محملين الدولة بمؤسساتها مسؤولية السماح لمجرم الحرب وقاتل الأطفال بدخول التراب الوطني, ورفعوا الأعلام الفلسطينية ولافتات تندد بالتطبيع وتطالب البرلمان بالإفراج عن قانون تجريم التطبيع الذي تبنته أربع فرق برلمانية من الأغلبية والمعارضة في الولاية السابقة، دون أن تتم مناقشته بعد، متهمين «المطبعين المغاربة» مع الصهاينة بأنهم خونة.
واعتبر إدريس الأزمي، رئيس فريق حزب العدالة والتنمية بمجلس النواب، أن استضافة وزير الدفاع الإسرائيلي السابق «اختراق خطير وغير مسبوق، تم في مؤسسة دستورية هي البرلمان من خلال مجلس المستشارين»، محملا المسؤولية فيما وقع لرئاسة المجلس المذكور وإنه يشعر بالحزن الكبير بسبب ما وقع، وقال إن «هذه مسألة خطيرة جدا فيها تدنيس للبرلمان باعتباره مؤسسة دستورية»، وإن حضور مجرم حرب إلى المغرب أمر «غير مسبوق» وأدان «الاختراق الخطير الذي وقع في مجلس المستشارين، بعد استضافة مجرم حرب موثوق بالوثائق ومعروف في العالم بأن يديه ملطختان بدماء الفلسطينيين أطفالا صغارا قبل الشيوخ والكهول».
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات