ما الذي جرى ويجري في الساحة الإسلامية التي تنتسب إلى السلفية حول العالم؟!
شرخ غائر وصدع متجذر, زلزل كيان الدعوة السلفية، وفرق صفوفها، وخالف بين دعاتها، وأورثها الفتن!
امتلأت الساحة الدعوية بالقيل والقال، وانهمك بعض المنتسبين إلى الدعوة في الجدل، واستسلموا للأغاليط يؤذون بها القريب والبعيد، واستطالوا على لحوم إخوانهم من الدعاة وطلبة العلم، وأصبحت الأعراض عندهم كلأً مباحاً يهتكون حرمته دون ورع، ويتقافزون فوق أسواره دون تحرٍّ أو تثبت!
صوت الفتنة
علا صوت الفتنة بين الدعاة، وطفح الغلّ والحسد، وانتشرت الشحناء والبغضاء، واستسهلوا التظالم والبغي، فسُلَّت الألسن وطاشت الأقلام جرحاً وذماً، تضليلاً وتجهيلاً، تفسيقاً وتبديعاً!
امتلأت المنابر والمجالس بألسنة حداد، وارتفع ضجيج التصنيف والجرح، وولج بعض الناس إلى أودية وعرة، وتقحموا مفازات قاحلة، وتربى الشباب على الخصومة والشغب وإيغار الصدور، وانشغلوا عن البناء العلمي والتربوي، وانعزلوا عن قضايا الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتناسوا جراحات أمتهم، واختزل المشروع الدعوي والإنجاز العلمي في السباب والطعن، وإسقاط الدعاة والمصلحين، والتفنن في القطيعة وإشاعة الفرقة!
أي جناية جناها هؤلاء على السلفية والسلفيين؟!
مناكفات رخيصة، ومكايدات عابثة، أثقلت المحاضن العلمية والدعوية بالخصومات والصراعات، بل والاحتراب الحاد الذي أورث بعض المنتسبين إلى الدعوة الوهن والقعود وترك العمل، وصرفهم عن أبواب من الخير كثيرة!
اذهب إلى أي قطر شئت من أقطار المعمورة، فتش في مرابع العلم والدعوة، وستجد هذا الداء يخترق النسيج السلفي، ويسري بين الدعاة وطلبة العلم سريان النار في الهشيم، يشاغل الدعاة، ويلبس عليهم، ويصنفهم – ظلماً وبغياً – بتصنيفات جائرة؛ فتأزمت الساحة، وكثر الخرق في سفينتها، واضطربت أركانها، وتعالت رايات الفتنة في معظم أرجائها!
إذا برز في البلد طالب علم أو خطيب أو داعية، امتحن في كلمة أو كلمتين، ثم صُبَّ الغضب فوق رأسه صباً، واصطنعت في وجهه العقبات، وتناوشته السهام، فإما أن يكون مطواعاً لهم في كل آرائهم، موافقاً لهم في كل خصوماتهم، وإلا عدّوه ضالاً مبتدعاً، حزبياً منحرفاً، حقه الهجر والمعاداة!
ومع الوقت تشكلت صورة نمطية لهؤلاء، صرفت بعض الناس عن الحق، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ أبغض الرجال إلى الله: الألدّ الخَصِم) ([1])!
أفعال الأجناد لا آداب العلماء
أصبح شعار (السلفية) عند هؤلاء مدخلاً لتفريق الأمة، والتشغيب على الدعاة، وقطع الطريق على المصلحين, وصارت (السنة والأثر) باباً من أبواب الطعن والتهارش والاستطالة على العلماء.
وحُشيت المصطلحات الشرعية بمعاني التوجس والمحاكمة والبغي، وبألوان من الآصار والأغلال لم تقم الحجة الشرعية بها، وكأنهم وحدهم من يملك مفاتيح (المنهج!).
اتسعت عباءتهم لكل ألوان الجرح والذم والتبديع، لكن ضاقت أطرافها ذرعاً بكلمة عدل وإنصاف، واستوحشت من مبدأ الرفق والرحمة بالمخالفين، وغلبت عليهم (أفعال الأجناد) لا آداب العلم، كما هو وصف ابن عقيل الحنبلي لجماعات من المنتسبين إلى العلم يعملون بتعصبهم عمل العوام([2])!
أدمنوا إدارة معارك صغيرة هامشية، وسجالات متشنجة، سادت فيها لغة التعنت والانتقام، وغابت عنها لغة الحوار العلمي الجاد، والمجادلة بالحسنى، والنصيحة المشفقة([3])!
وأصبح الحديث عندهم عن بسط العدل مع الموافق والمخالف – امتثالاً لقول الله تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى}، والدعوة إلى احتواء الخطأ بالحسنى امتثالاً لقوله تعالى: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}، والدعوة إلى اللطف وانتقاء أطايب الكلام امتثالاً لقوله تعالى: {وقولوا للناس حسنا}.. ونحوها من الهدايات القرآنية – أقول: أصبح الحديث عندهم عن هذه الآداب والأخلاق.. من علامات الضعف والتساهل وتمييع المنهج.
الاقتيات على الزلات والهفوات
اقتاتوا – هداهم الله – على زلات الدعاة العابرة، وفلتات المصلحين العارضة، وبدلاً من النصيحة الحكيمة للمخطئ والتواصي معه بالمرحمة، سعوا في التهويل والتضخيم، والقدح والإزدراء، والطرد والإبعاد!
يفرح أحدهم بخطأ أخيه إذا أخطأ, من أجل توظيفه في خصوماته ومناكفاته، ولذا صغرت في أعينهم جبال من الحسنات والخيرات لإخوانهم، في وقت كبَّروا فيه زلاتهم؛ فتشاغلوا في تلقطها والتنقيب عنها([4])، فاضطربت البوصلة وفقدت طريقها!
إذا ندَّت من أحد الدعاة كلمة طاروا بها فرحاً، واشتغلوا بها دهراً، ودرَّسوا وخطبوا وكتبوا فيها، أما إذا تطاول يساري أو ليبرالي على دين الله – عز وجل – وكتابه العظيم، أو استهزأ بسنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، فلا تسمع لهم همساً ولا ركزاً، فغيرة أحدهم على زلة طارئة من طالب علم مجتهد أشدّ من غيرته على محارم تنتهك، وشريعة تنتقص. وتأمل هذا الكلام الفصل لشيخ الإسلام ابن تيمية: (من جعل كل مجتهد في طاعة أخطأ في بعض الأمور, مذموماً معيباً ممقوتاً؛ فهو مخطئ ضال مبتدع) ([5]).
تعطيل الدعوة وتعويق المصلحين
لم يحسنوا التعامل مع الخلاف واجتهادات الدعاة، وإنما وظفوا ذلك في استثارة الفرقة، وإشعال نيران الخصومة، وشرخ وحدة الصف، ولم يفرقوا بين أصناف المختلفين وطبقاتهم، وأسسوا العلاقة الدعوية على المشاحة والشك وسوء الظن، والمسارعة إلى التهمة، وتفسير المواقف والآراء على أسوأ المحامل!
حاربوا الحزبية، وبدعوا التنظيمات والتجمعات الدعوية بإطلاق؛ فأصبحوا أكثرا تحزباً وتعصباً، واحتكاراً للمنهج، واصطفافاً وراء شعارات موهمة، وصار مدار الولاء ومعقد البراء عندهم، الموقف من فلان أو فلان، وامتحن القاصي والداني بقربه من ذلك العالم، ورأيه في هذا الداعية، وراح هؤلاء يدورون مع هذه الخصومات حيث دارت، ويتيهون في دروب الأثرة والعصبية!
أصبح بعض هؤلاء عيناً يتربص بالمصلحين، ويسعى بالوشاية والنميمة، ويستعدي الناس عليهم، ومع الوقت صار بعضهم ردءاً للعلمانيين وأهل الأهواء – من حيث يعلم أو لا يعلم – ووظفت حماقاتهم ومكايداتهم في تعطيل بعض المشاريع الدعوية، وتعويق كثير من الدعاة والمصلحين، وتثبيط كثير من العلماء وطلبة العلم، والتحريض على المؤسسات الدعوية والكيد لها، والترصد لأبنائها.
وبرغم أنهم لا يشكلون إلا ثلة قليلة في الوسط الدعوي، فإن صوتهم وصخبهم مرتفع.
اتصف هؤلاء بضيق الأفق، وأخذوا ينظرون إلى الدعوة والدعاة بعين عوراء من خلال ثقب ضيق، يختزل الصورة في فروع جزئية ناقصة، وفي جمل ملتبسة، ومسائل نادرة لا ينبني عليها عمل؛ ولذا تراهم لا يوازنون بين المصالح والمفاسد بقواعد الشريعة المقررة عند العلماء الراسخين، ولا يراعون مراتب التصرفات ولا مآلات الأفعال، ولا يفقهون مقاصد الشريعة وتفاضل العبادات أو منازل الأولويات، ولا يفرقون بين ما يسوغ فيه الاجتهاد وما لا يسوغ .. وكثير من تلك الفتن التي اجتاحت الساحة إنما كانت بسبب التفريط في فهم ودراسة تلك الأصول الفقهية الجليلة!
أزمة تربوية وأخلاقية
أرأيتم ما نحن فيه من فتنة؟!
نحن أمام أزمة تربوية وأخلاقية متجذرة، كان تأثيرها عميقاً في المحيط السلفي!
إنَّ ثمة حقيقة يجب التواصي بها، فقد آن أوان إطفاء فتيل الفتنة، وإغلاق أبواب هذه النازلة، والسعي بتجرد لرأب الصدع ولمِّ الشمل وجمع الشتات، ولا سبيل إلى ذلك – والله أعلم – إلا بالتربية على هدايات القرآن العظيم والسنة النبوية المشرفة .. لا سبيل له إلا بالورع والتوقي والخوف من الله عز وجل.
هذا باب من أبواب الصدق مع الله – سبحانه – لا يسمو إليه إلا من قرأ سورة الحجرات وتخلَّق بأخلاقها علماً وعملاً، ووالله الذي لا إله إلا هو إنَّ المغبون كل الغبن من تصرّمت أيامه، وشاب شعره، وهو مشغول في إذكاء الفرقة، وقلمه في هذه الفتنة مرفوع، فشتان .. شتان بين من أمسى متشنجاً في هوشات هنا وهناك، ومن أمسى سليم الصدر للمسلمين ينصح ويرحم.
محروم – والله – كل الحرمان من استنزف طاقته في تلك العواصف، وغفل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إنَّ أبغضكم إليَّ: المشاؤون بالنميمة، والمفرقون بين الأحبة، الملتمسون للبُراء العنت” ([6]).
محروم – والله – من حُرم الكلم الطيب يتزين به، واستروحت نفسه للبذاء والجفاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار” ([7]).
فوصيتي لكل من أراد النجاة: أمسك عليك لسانك؛ فمداخل الهلكات في فلتاته، {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}، والكيس الحصيف من استبرأ لدينه وعرضه، وتأمل وصية أبي سنان الأسدي – رضي الله عنه – لأحد طلابه: “إذا كان طالب العلم قبل أن يتعلم مسألة في الدين يتعلم الوقيعة في الناس، متى يفلح؟!“([8])، فإذا كنت محباً للصحابة – رضي الله عنهم – فعضَّ على هذه الوصية بالنواجذ، فهي خير لك من مزالق المخاشنة والمخاتلة؛ فاستنقذ نفسك قبل فوات الأوان!
{ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق}
……………………………..
([1]) أخرجه: البخاري رقم (2457)، ومسلم رقم (2668).
([2]) انظر: ابن مفلح، الفروع مع التصحيح: (3/23).
([3]) من اللفتات التربوية الجميلة للإمام ابن قدامة الحنبلي، تعليقه على فتوى استنكرها للناصح ابن الحنبلي قائلاً: (رأيت له فتاوى غيره فيها أسدّ جواباً، وأكثر صواباً، وظننت أنه ابتلى بذلك لمحبته تخطئة الناس، واتباعه عيوبهم، ولا يبعد أن يعاقب الله العبد بجنس ذنبه، إلى أن قال: والناصح قد شغل كثيراً من زمانه بالرد على الناس في تصانيفهم، وكشف ما استتر من خطاياهم، ومحبة بيان سقطاتهم، ولا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه، أفتراه يجب لنفسه بعد موته من ينتصب لكشف سقطاته، وعيب تصانيفه، وإظهار أخطائه؟ وكما لا يحب ذلك لنفسه ينبغي أن لا يحبه لغيره، سيما للأئمة المتقدمين، والعلماء المبرزين)
ابن رجب، الذيل على طبقات الحنابلة: (3/430-431).
([4]) وهذه هي صفة الخليل الماكر الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: (اللهم إني أعوذ بك من خليل ماكر: عينه تراني، وقلبه يرعاني، إن رأى حسنة دفنها، وإن رأى سيئة أذاعها).
أخرجه: الطبراني في الدعاء، وقال الألباني: إسناده جيد، السلسلة الصحيحة رقم (3137).
([5]) ابن تيمية، مجموع الفتاوى (11-15).
([6]) حسنه لغيره الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (2849)، وفي صحيح الترغيب والترهيب رقم (2824).
([7]) أخرجه: أحمد في المسند (16/305) رقم (10512)، والترمذي في كتاب البر والصلة، رقم (2009)، وقال: حسن صحيح، وصححه الأرنؤوط في تحقيقه للمسند.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات