فراس رضوان أوغلو يكتب: تركيا ومزاعم الديكتاتورية

راحت ساعة الصفر تقترب لمعرفة أي الحملتين (حملة نعم, وحملة لا) التي ستفوز في الاستفتاء على التعديلات السنورية في تركيا، وريثما تحين تلك الساعة صدرت تحاليل وأفكار حول النظام الرئاسي الجديد؛ فمنهم من كتب أنها بداية الديكتاتورية في البلاد ونهاية نشوة الديمقراطية, وآخرون رأوها نقطة تحول نحو الاستقرار السياسي الذي يسهم في تثبيت الخطى نحو التقدم والازدهار.

التخوف من الديكتاتورية هو أكثر ما يقلق الكثيرين من متابعي المشهد السياسي التركي؛ فالأمثلة السيئة لبعض نظم الرئاسة التي تمثلت في بعض الدول مثل اليمن والعراق وسوريا زادت من هذا التخوف وجعلت النظام الرئاسي محل شبهة، لكن هذا التخوف في الواقع العملي لا ينطبق عل تركيا لاختلاف الزمان والمكان والإنسان, أضف على ذلك المغالطات التي شابت تلك التخوفات إما لجهلٍ لما عليه الحال في الداخل التركي أو لغايةٍ في نفس يعقوب، وهنا لابد من شرح بعض تلك التباينات.

أولا: اقتراح النظام الرئاسي لن يُفرض على المجتمع التركي بل سوف يأتي عبر استفتاء شعبي وكذا رئيس البلاد فهو لم يأتِ على ظهر دبابة أو انقلاب عسكري وإنما عبر التصويت في صناديق الاقتراع ولهذا لايمكن قياسه على أي من الرؤوساء الديكتاتوريين الذين حكموا بلادهم بقوة السلاح والخوف، والذي بدوره أفضى الى توريث الحكم, وهذه المسألة بحد ذاتها غير موجودة في الذهن التركي لا عند السياسيين ولا عند طبقات المجتمع بمختلف إنتماءته السياسية.

ثانيا: المؤسسة العسكرية في تركيا لها إستقلالية كبيرة ولذلك لن يستطيع أي رئيس منتخب أن يسيطر عليها ويديرها كيفما شاء؛ فهي مؤسسة ذات تقاليد عريقة ممتدة لقرون, والمخاوف من أن يحصل فيها كما حصل في بعض الدول ذات نظام رئاسي مستبد يتحكم فيه رئيس البلاد بالجيش كما يشاء أمرٌ مستبعدٌ في الوقت الحالي وحتى في المستقبل.

ثالثا: ظاهرة سطوع الحزب بسطوع قيادييه؛ فكثير من الأحزاب السياسية في تركيا تشتهر لاشتهار صاحبها أي أن الشخص هو الذي يأخذ الحزب نحو الشهرة, وعند غياب هذا الشخص أو ابتعاده عن العمل السياسي يبدأ الحزب بالضعف والاختفاء عن الساحة السياسية وفي هذا أمثلة عدة مثل الحزب الديمقراطي الذي كان بقيادة عدنان مندريس وحزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان وحزب الطريق القويم لتانسو تشيلر, وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن الحركة السياسية في تركيا دائمة ومتجددة في إبراز شخصيات سياسية لامعة ولهذا لايمكن وصف النظام الرئاسي على أنه معد لأردوغان وحزبه فإن كان اليوم قائمًا على حكم البلاد فغداً لن يكون, والأيام دولٌ بين الناس, ولكل زمان دولة ورجال, وعليه فإن هذه التعديلات سوف تبقى لصالح البلاد، فالكثير ممن حكموا تركيا جاؤوا ورحلوا ولكن نظام الحكم في البلاد بقي قائماً. 

رابعا: النظام الرئاسي سيُحمّل الرئيس وحكومته عبئًاً أكبر من ذي قبل, فهم الأن تحت المجهر, والكل يرتقب منهم خطأً حتى يبرر موقفه الرافض لتلك التعديلات وعليه فإنه في حالة نجاح حملة “نعم” في الاستفتاء, فعلى أصحاب هذه الحملة أن يثبتوا وجهة نظرهم في أن التعديلات لصالح الاستقرار والتطور, ولهذا على الحكومة في المنظور القريب أن تعطي نتائج إيجابية ملموسة يلمسها المواطن قبل الدول المتخوفة من النظام الرئاسي الجديد .

خامساً: الشعب الذي وقف في وجه انقلاب يوليو/ تموز لن يسمح بعد الأن لأي شخصية كانت أن تصبح ديكتاتورية في حكمها له فما حصل العام الماضي أصبح رمزاً لكل الأتراك بمختلف أطيافهم السياسية والعرقية وباتت الديمقراطية جزءً لا يتجزأ من العقلية السياسية التركية، وفي حال اقرار النظام الرئاسي الجديد سينظر الشعب للنظام الجديد فإن نجح بما وعد كان بها, وإن لم ينجح فكما أقر النظام الرئاسي يمكنه أن يعيد إقرار النظام البرلماني.

 

مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …