فورين بوليسي: أمريكا تخسر الخليج وتتلاشي هيمنتها بسبب الهجمات الإيرانية

قال أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورجتاون، مارك لينتش، إن عدم قدرة الولايات المتحدة على حماية حلفائها في الخليج قد يؤدي إلى خسارتهم.

وفي مقال نشرته مجلة “فورين بوليسي”، قال إن قصف طهران لجيرانها في دول الخليج جرها بشكل لا مفر منه إلى الحرب التي شنتها إسرائيل وأمريكا على جارتها، مع أن هذه الدول كانت ترغب بشدة في تجنبها.

وقال إن واشنطن ظلت تحلم بتعاون عربي إسرائيلي ضد إيران دون حل القضية الفلسطينية، وها هو ذا يتحقق

ويمثل دخول الإمارات العربية المتحدة وقطر والسعودية المحتمل في حرب مباشرة إلى جانب إسرائيل والولايات المتحدة أول تجل كامل لطموحات أمريكا في النظام الشرق أوسطي الذي عملت عليه لعقود.

وقال إن من المفارقات العجيبة أن يبلغ نفوذ أمريكا في الشرق الأوسط ذروته في الوقت الذي تنهار فيه المنطقة بأكملها إلى قعر الهاوية.

وأضاف أن دول الخليج لم تعد قادرة على تصديق أن الولايات المتحدة قادرة أو راغبة في حمايتها من التهديدات الوجودية. وحتى مع إجبارها على التعاون علنا مع إسرائيل في حربها، ستظل تنظر إليها بشكل متزايد على أنها تهديد لا حليف محتمل.

كما أن استهداف إيران لدول الخليج في مواجهة الهجوم الأمريكي الإسرائيلي حطم التقارب الإقليمي الذي تحقق بصعوبة وترسخ خلال السنوات الثلاث الماضية.

فلطالما تحالفت السعودية والإمارات مع إسرائيل في تبني استراتيجية تصادمية تجاه إيران.

وقد هاجم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في بداية حكمه الفعلي، الجمهورية الإسلامية بشدة، وألمح إلى استعداده للعمل العسكري.

وكان قادة الخليج من أبرز الأصوات الداعية إلى سياسات أكثر حزما تجاه إيران ومن أشد المشككين في الدبلوماسية النووية، في حين خاض حلفاؤهم ووكلاؤهم معارك ضد إيران في مناطق واسعة من بلاد الشام والعراق واليمن.

وقد مضت تلك الأيام، عندما صدم قادة الخليج من قدرة إيران وحلفائها على استهداف مصافي النفط السعودية عام 2019 دون أي قدرة دفاعية فعالة أو رد أمريكي ذي معنى. كما أكدت جولة لاحقة من الطائرات المسيرة فوق أبو ظبي وجود ثغرة حقيقية لم يستطع التحالف مع الولايات المتحدة، أو لم يرغب، في تعويضها.

وفي عام 2023 أعادت السعودية وإيران العلاقات الدبلوماسية، ورسخت انفراجة أوسع نطاقا برعاية صينية ظاهريا، في خطوة محورية ضمن التوجه الإقليمي الأوسع نحو خفض التصعيد بالوكالة والصراعات الداخلية.

وصمدت هذه الانفراجة خلال حرب استمرت 12 يوما شنتها إسرائيل وانضمت إليها أمريكا في الصيف الماضي، حيث التزمت دول الخليج الحياد، وامتنعت إيران عن استهدافها.

وفي الحرب الحالية ظهر منطق استراتيجي واضح، فمع استعداد إسرائيل والولايات المتحدة الواضح لشن حرب شاملة ومنسقة لتغيير النظام، أدركت إيران أنه لا سبيل للعودة إلى الوضع الراهن.

فقد تلاشت بالفعل المكاسب التي كان من الممكن أن يحققها التقارب مع السعودية. مع أن معظم دول الخليج كانت تدعو إلى تجنب الحرب، مع إدراكها حتمية وقوعها، بسبب حشد الأسطول الأمريكي وملاحظة الوسطاء العمانيين أن إدارة ترامب بالكاد تبدي أي اهتمام بالتظاهر بالتفاوض بحسن نية.

ومع حتمية الحرب، عولت دول الخليج على أمل توجيه جغرافية الحملة واستراتيجيتها على الأقل بما يقلل من تعرضها لتداعياتها.

وكان قادة دول الخليج يأملون بحرب قصيرة تؤدي إلى استبدال القيادة الإيرانية العليا بحكام مستبدين أكثر براغماتية، وعلى افتراض أنهم سيظهرون من الجيش، دون زعزعة استقرار الدولة بطرق تؤدي إلى انتشار عدم الاستقرار واللاجئين والدخول في المجهول.

كما كانوا يأملون أن يبقى الصراع محصورا بين إسرائيل وإيران، تاركا دول الخليج وحركة النفط بعيدا عن التأثير.

إلا أن إيران رفضت هذا السيناريو، وردت على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي بقصف مكثف ومتصاعد لجميع جيرانها في الخليج. وبينما ركزت طائرات إيران المسيرة وصواريخها على الإمارات والبحرين تحديدا، فقد هاجمت أيضا الكويت والسعودية وحتى قطر وعمان الصديقتين.

وأوضح لينتش أن أنماط الاستهداف تشير إلى استراتيجية واضحة تختلف تماما عن نوبات العنف العشوائية والبدائية التي تصورها معظم وسائل الإعلام.

فقد استهدفت إيران المراكز المدنية في قلب دول الخليج لكشف ضعفها غير المسبوق أمام شعوبها وقادتها. وتظهر الزيارات التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة وقام بها قادة الخليج إلى مراكز التسوق والأماكن العامة مدى جديتهم في التعامل مع الصدمة والخوف الشعبيين.

وكانت فوائد الهجوم عبر الخليج تفوق أي فوائد متبقية من ضبط النفس، لا سيما أن إيران لم تشعر بأنها جنت أي مكاسب من كبح جماحها في المرة السابقة.

وسعت إيران إلى إلحاق ضرر اقتصادي عالمي سريعا للضغط من أجل وقف إطلاق النار. وأغلقت إيران مضيق هرمز بسهولة، بمجرد توجيه تهديدات لم تعرها ناقلات النفط أي اهتمام.

وتوقفت مصافي النفط السعودية وإنتاج الغاز الطبيعي المسال القطري حتى دون هجمات إيرانية مباشرة. وتشهد أسعار النفط والغاز ارتفاعا متزايدا، ويبدو أن الولايات المتحدة غير مستعدة للرد.

كل هذا، ومع ذلك، لم ينضم الحوثيون، الذين أغلقوا فعليا الملاحة في البحر الأحمر تحديا للهجمات الأمريكية والإسرائيلية خلال حرب غزة، إلى القتال حتى الآن.

وقد استطاعت إيران عبر هذه الاستراتيجية فرض ثمن فادح على العالم، مؤكدة في الوقت نفسه قدرتها على التصعيد. فبعد أن ألحقت طائرة مسيرة تم اعتراضها أضرارا بمصفاة نفط سعودية، أوضحت إيران أنها لم تستهدف المصفاة تحديدا لكنها قادرة لو أرادت.

وكما تفعل مع إسرائيل، تسعى إيران إلى استنزاف أنظمة الدفاع الصاروخي الخليجية والأمريكية بموجات متتالية من الطائرات المسيرة الرخيصة سهلة الإنتاج وصواريخ “شاهد”، مع استهدافها المنهجي لأنظمة الرادار والاتصالات التي تشغل هذه الدفاعات.

ويعلق لينتش أن أحدا عليه ألا ينخدع بنسب نجاح الدفاع الصاروخي المرتفعة في بداية صراع كهذا، إذ إن أنظمة الدفاع المكلفة قادرة على صد الهجمات الرخيصة. ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي يكمن في إمكانية نفاد صواريخ الاعتراض وبدء إطلاق صواريخ ذات جودة أعلى.

وعلى الرغم من مستويات القصف الجوي المكثفة التي تعرضت لها إيران واغتيال قيادتها العليا، يبدو أن استراتيجية إيران تجاه الخليج، على مستوياتها الثلاثة، تؤتي ثمارها كما هو مخطط لها.

وقد تجر هذه الهجمات القوات العسكرية الخليجية إلى الصراع، مع أن السعودية تبدو حريصة على تجنب الانجرار إليه. وفي هذه الحالة ليس من الواضح أن هذه الدول ستضيف الكثير من الناحية العسكرية إلى جانب ما تواجهه إيران بالفعل.

ويقول لينتش إن العديد من الإسرائيليين والأمريكيين يشيدون بخطوات دول الخليج نحو التعاون العسكري العلني، لكن من وجهة نظر إيران فإن دفع خصومها الإقليميين إلى تحالف علني مع إسرائيل، التي لا تحظى بشعبية كبيرة، بدلا من التعاون الضمني المستتر، يحمل فوائد إقليمية وسياسية كبيرة. فما يراه الأمريكيون والإسرائيليون ثمنا باهظا تدفعه إيران مقابل استراتيجيتها لا يبدو بالضرورة كذلك من وجهة نظر طهران.

ومن هنا تبرز معضلة دول الخليج. فما يثير قلق قادته أكثر هو رفض واشنطن لرؤيتهم، ذلك أن النظام الخليجي استند منذ زمن طويل إلى الضمانات الأمنية الأمريكية ضد إيران.

وقد شعر قادة الخليج بأن علاقاتهم مع ترامب أفضل من أي إدارة أمريكية سابقة. وقدروا اهتمامه البالغ بالفرص المالية في الخليج وتفضيله للحكم الاستبدادي على الديمقراطية وأسلوبه الشخصي الذي يعكس أسلوبهم. كما لاحظوا توافقه الظاهري مع آرائهم المعارضة لإسرائيل بشأن وقف إطلاق النار في غزة ودعمه للنظام السوري الجديد.

وكل هذا يجعل من الشعور بالخيانة في الوقت الحالي شديدا جدا.

ولدى قادة الخليج أسباب وجيهة للاعتقاد بأن الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا حربا لا تؤثر فقط على مصالحهم بل على بقائهم، دون تشاور جاد. وهم يشعرون بانزعاج شديد من استراتيجية إسرائيل لتغيير النظام، التي تنطوي على تدمير مؤسسات الدولة الإيرانية، لأنهم يدركون أنهم، على عكس إسرائيل، ليسوا بمنأى عن التداعيات الكارثية.

كما لا يكادون يصدقون عجز الولايات المتحدة عن حماية منشآت النفط والشحن وعدم قدرتها أو رغبتها في تجديد المخزون المتضائل من الصواريخ الاعتراضية بسرعة.

وهناك شعور عميق بأن القواعد العسكرية الأمريكية أصبحت مصدر تهديد لا مصدر أمن. ويمثل هذا الشعور بانعدام الأمن إدراكا صادما لمنطقة كانت واحة استقرار وازدهار في شرق أوسط ينهار.

ويقول الكاتب إن إيران حطمت، وللمرة الأولى، أوهام مواطني الخليج بشأن مناعتهم من السياسة الإقليمية.

فقد كان لدى دول الخليج الغنية وشعوبها أسباب وجيهة للشعور بأنهم بعيدون عن مشاكل المنطقة وأن لديهم قواسم مشتركة أكثر مع الدول الآسيوية الغنية منها مع الشرق الأوسط الممزق.

فقد كان من المفترض أن يدفع السوريون والسودانيون واللبنانيون واليمنيون الثمن البشري لسياسات القوة الإقليمية، لا هم. ومن هنا أعادتهم إيران وبقوة إلى الجوار الجغرافي الحقيقي، وربما بشكل دائم. فلم تعد فكرة استهداف إيران لهم نظرية.

وإذا نجا النظام الإيراني أو استبدل بنظام استبدادي مماثل، فسيتذكر جيدا القوة القسرية التي اكتسبها من خلال مهاجمة الخليج وحركة سفن النفط. وإذا سقط النظام وانهارت الدولة، ستتعرض دول الخليج لتدفقات اللاجئين واضطرابات الملاحة والتطرف وتداعيات العنف المسلح التي تخشاها.

ولم تعد هذه الدول تثق في قدرتها على الاعتماد على الولايات المتحدة في الدفاع عنها.

ومن النتائج غير المتوقعة للهجوم الإيراني أنه أوقف الصراع السعودي الإماراتي الناشئ مؤقتا. فقد كانت جهود السعودية لتشكيل تحالف استراتيجي جديد يضم تركيا وقطر ومصر وباكستان وغيرها، مع التصدي للإمارات، وبالوكالة ضد إسرائيل، على جميع الجبهات، أهم تغيير في النظام الإقليمي منذ سنوات.

ولو اقتصرت إيران على استهداف الإمارات والبحرين فقط، لكانت السعودية وحلفاؤها الجدد قد تخلوا عن دول اتفاقيات إبراهيم. وبدلا من ذلك توحد الخليج تحت وطأة تهديد وجودي، ونحيت الخلافات جانبا باسم الأمن الجماعي.

ومع ذلك لم تحل القضايا الجوهرية التي أدت إلى الانقسام. بل إن ضراوة الحرب الإسرائيلية وطبيعتها الجامحة ومشاركة الولايات المتحدة الفعالة فيها لن تؤدي إلا إلى تفاقم تلك المخاوف.

فالأنظمة العربية التي كانت تخشى توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية وطموحاتها الجامحة لن تطمئن وهي تشاهد تدميرها لإيران. بل ستخشى أن تكون هي التالية، مدركة أنه لا يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة لحمايتها.

وقد يكون ذلك نذيرا بتفكك سريع للهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط.

شاهد أيضاً

خفض القوات الأمريكية بالمنطقة مرتبط باتفاق نهائي مع إيران

نقلت سي أن أن عن مسؤول رفيع في الإدارة الأمريكية، أن الولايات المتحدة ستحافظ على وجودها …