نشرت مجلة “فورين بوليسي” (Foreign Policy) الأمريكية مقالا يرى أن التنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية يمثل خسارة كاملة للرئيس الفلسطيني محمود عباس وسلطته، ومع ذلك لن يتوقف إلا بانهيار هذه السلطة.
ويوضح كاتب المقال خالد الجندي، الباحث الأول في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، أن هذا التنسيق الأمني الذي وصفه عباس من قبل بالمسؤولية “المقدسة” يُعدّ ركيزة أساسية لعملية أوسلو منذ عام 1993، كما أنه أمر حيوي لوجود السلطة الفلسطينية وبقائها.
وأضاف الكاتب أن هذا التنسيق غير مرحب به من الفلسطينيين العاديين من جميع الأطياف السياسية، الذين يرون أنه شكل من أشكال التعاون مع الاحتلال، ويراه آخرون “خيانة” صريحة، وقد كان نقطة شائكة ومستمرة في عمليات المصالحة بين السلطة وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، إضافة إلى أن الحفاظ عليه في الوقت الذي يُقتل فيه الفلسطينيون بأعداد كبيرة سيكون انتحارا سياسيا، كما أن إنهاءه يعني نهاية السلطة الفلسطينية.
وأشار إلى أن قرار تعليق التنسيق الذي اتخذه عباس بعد الأحداث الأخيرة في جنين والقدس لم يتخذه رئيس السلطة الفلسطينية باستخفاف أو باندفاع، بل لم يكن له خيار غيره، وهو في السلطة، نظرا لارتفاع عدد القتلى الفلسطينيين.
وقال الجندي إن الورطة التي يعيشها عباس والسلطة الفلسطينية تتمثل في أن قطع العلاقات الأمنية مع إسرائيل بشكل دائم قد يؤدي إلى فرض عقوبات وتدابير عقابية أخرى من قبل إسرائيل، وعلى الأرجح من الولايات المتحدة أيضا، وذلك يعرّض وجود السلطة للخطر. ومن ناحية أخرى، فإن الاستمرار في التنسيق مع الجيش الإسرائيلي بينما يزداد الاحتلال قمعا وعنفا يقوّض ما تبقى من شرعية داخلية ضئيلة لعباس.
ويستشهد الكاتب لتأكيد عجز عباس عن إنهاء التنسيق الأمني بأنه رغم التهديدات المتكررة له عبر السنين بقطع العلاقات مع إسرائيل فقد فعل ذلك مرة واحدة فقط من قبل، وسط مخاوف من عمليات ضم إسرائيلية وشيكة للضفة الغربية بعد إصدار خطة السلام لإدارة ترامب في عام 2020، ولكن سرعان ما استؤنفت هذه العلاقات بعد انتخاب جو بايدن رئيسا لأمريكا.
واستمر يقول إن هذه المعضلة تسلط الضوء على أحد الإخفاقات المركزية لعملية أوسلو للسلام على مدى العقود الثلاثة الماضية، ففي حين أن الدور الأساسي للتنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل هو منع الهجمات على الإسرائيليين، سواء كانوا جنودا أو مدنيين، فلا توجد أحكام أو آليات لحماية أرواح الفلسطينيين وممتلكاتهم، بوصفهم سكانا يعيشون تحت الاحتلال العسكري منذ يونيو 1967، من التوغلات الإسرائيلية وإطلاق النار والاعتقالات ومصادرة الأراضي وعمليات الإخلاء -وكلها مستمرة تقريبا بلا هوادة- أو من الشبح اليومي لهجمات المستوطنين الإسرائيليين الإرهابية.
وللتدليل على الورطة العميقة لعباس وسلطته مع التنسيق الأمني، أشار الجندي إلى إعلان عباس الأخير تعليق هذا التنسيق والتراجع عنه في الوقت نفسه، موضحا أن عباس أكد للمسؤولين الأمريكيين بشكل خاص، بعد الإعلان، أن تبادل المعلومات الاستخباراتية مع إسرائيل جنبا إلى جنب مع جهود السلطة الفلسطينية لإحباط الهجمات على الإسرائيليين سيستمر، حتى مع التعليق، كما كان من قبل، وأن التنسيق الكامل سيُستأنف بمجرد استعادة الهدوء.
ولتوضيح الخسائر التي يتعرض لها عباس والسلطة، أشار الجندي، بالإضافة إلى استياء الفلسطينيين منهما، إلى أن المجتمع الدولي يقوم بسحب استثماراته من السلطة وخفض منحه ومساعداته، وقد بلغ هذا الخفض نحو 85% منذ عام 2008، إلى جانب الخسارة منذ عام 2019 بنحو ملياري دولار من التحويلات الضريبية التي جمعتها إسرائيل نيابة عن الفلسطينيين. وقال إن ذلك وضع السلطة الفلسطينية على شفا الإفلاس المالي. وعلى الرغم من أن استعادة المساعدة الأمريكية المحدودة في ظل إدارة بايدن قد ساعدت في التخفيف من بعض الأضرار، فمن غير المرجح أن توقف النزيف.
كذلك أشار الجندي إلى تضاؤل الآفاق السياسية والاقتصادية للسلطة الفلسطينية، وتقلص وجودها المادي على الأرض، مع عدم قدرتها على حماية أرواح الفلسطينيين وممتلكاتهم أو تحدّي الاحتلال الإسرائيلي بطريقة أخرى، الأمر الذي دفع مجموعات مسلحة جديدة إلى ملء الفراغ، لا سيما في منطقتي نابلس وجنين، بالإضافة إلى التهديد الوجودي الآخر من الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة الجديدة برئاسة بنيامين نتنياهو التي تُعدّ الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل، بدليل التزامها علانية بتفكيك السلطة الفلسطينية كجزء من طموحاتها لضم الأراضي الفلسطينية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات