من دون مقدمات مُعلنة انقلب موقف مجلس النواب المصري إزاء وزارة العدل، ووزيرها المهدد بالرحيل في التعديل الحكومي المرتقب المستشار حسام عبد الرحيم، بعدما هدد رئيس البرلمان، علي عبد العال، باستدعائه واستجوابه أخيرًا، بشأن شكاوى النواب والمواطنين من سوء أداء مصلحة الشهر العقاري والتوثيق التابعة للوزارة.
وطالب عبد العال الحكومة رسميًا بإعداد مشروع قانون، من شأنه إلغاء تبعية الشهر العقاري لوزارة العدل للمرة الأولى في تاريخ مصر الحديث، واقتراح تصرف مغاير بشأن تنظيمها، على ضوء المقترحات المختلفة التي نوقشت في هذا الإطار، ومن بينها إنشاء هيئة مستقلة للشهر العقاري، أو نقل تبعيته إلى وزارة التخطيط.
ويأتي هذا الانقلاب في وقت تتردد فيه أنباء قوية عن رحيل عبد الرحيم عن الوزارة، التي يعتبر الشهر العقاري الكيان الوظيفي الأكبر بها، والأكثر التصاقًا بحاجات المواطنين، وهو أيضًا المصدر صاحب الإسهام الأكبر في ميزانية الوزارة التي تدر على الخزانة العامة للدولة المليارات من الجنيهات سنويًا من رسوم التوثيق والإشهار، ومن رسوم رفع الدعاوى والطعون أمام المحاكم.
ويخصص جزء من كل مدخول بها لتنمية مرافق الوزارة ومبانيها وشبكاتها ولوجستياتها، فضلًا عن استفادة موظفي الشهر العقاري، كما موظفي المحاكم والقضاة، من جزء معتبر من تلك المداخيل.
وظهر هذا المقترح في جلسة البرلمان قبل أيام قليلة، على نحو فاجأ وزير العدل شخصيًا، بحسب مصادر قضائية تعمل بالوزارة، والذي أمر بالرد على الاتهامات ببيان إعلامي يركز على التطوير الذي طرأ في عهده على منظومة الشهر العقاري، ومنها ميكنة معظم المقار، وافتتاح أكثر من 50 مقرًا جديدًا في المدن الجديدة والأندية والنقابات.
وأضافت المصادر أن المفارقة تكمن في ظهور هذا المقترح في عهد الوزير الحالي، الذي لقبه بعض العاملين بالوزارة بأنه “وزير الشهر العقاري”، لاهتمامه الكبير المنصب على تطوير هذه المنظومة، في ضوء اهتمام الرئيس عبد الفتاح السيسي بها، وبتعظيم مداخيلها، وإجراء تحديثات كبيرة عليها لربطها بمصلحة الضرائب والمحاكم، على عكس الوضع في السابق، حيث كان الوزراء يهتمون بأبنية المحاكم وموظفيها وأوضاع القضاة بصورة أكبر من اهتمامهم بالشهر العقاري، بما أدى إلى تراكم المشاكل في هذا المرفق المهم.
واستبعدت المصادر، في حديث خاص مع “العربي الجديد”، أن يكون الهجوم على إدارة وزارة العدل للشهر العقاري من بنات أفكار رئيس البرلمان، وبعض النواب، مرجحة أن يكون موجهًا من جهاز سيادي، لاسيما أن عددًا من البرامج على الفضائيات الموالية للنظام تبعت حديث عبد العال بتخصيص مساحة واسعة للهجوم على منظومة الشهر العقاري، والمطالبة باستقلالها.
وطالبت بعض الأذرع الإعلامية الموالية للسلطة الحاكمة بخصخصة هذه المنظومة، ودخول المستثمرين في مجال الشهر العقاري، بحجة أن هذا سيتيح زيادة حالات التوثيق، على اعتبار أن المنظومة الحالية تنفر المستثمرين والملاك العقاريين من التوثيق والشهر.
واستضاف الإعلامي عمرو أديب، أحد رموز النظام المخلوع، هشام طلعت مصطفى، رئيس مجلس إدارة مجموعة طلعت مصطفى، على قناة mbc مصر؛ للحديث حول تجربة إنشاء مكتب للشهر العقاري، شبيه بالمكاتب في أوروبا بإدارة عالمية، بحسب تعبير الأخير، في مدينتي والرحاب المملوكتين له، مبينًا أن المكاتب لخدمة سكان مدينتي والرحاب في الأساس، والتي يسكن بها ما يقرب من 400 ألف ساكن.
من ناحية أخرى، وفي إشارة غير مباشرة تتضمن تهديدًا، شدد سامي إمام رئيس مصلحة الشهر العقاري الأسبق، على قناة صدى البلد، أن الدفتر خانة “كنوز مصر” موجود في دار محفوظات الشهر العقاري بالدقي، مبينًا أن كل الإجراءات التي يتم إبرامها يتم إرسال النسخ وتحفظ في هذه الدار التي تعاني من الإهمال، مشددًا على أن تاريخ مصر مهدد بالحرق والضياع، مطالبًا بأرشفة تلك الوثائق للحفاظ عليها لأنه أمن قومي.
وكشفت المصادر أن هناك بعض الشخصيات النافذة داخل النظام، وتحديدًا في المخابرات العامة والجيش، تدفع في اتجاه فتح المجال لتدشين شراكات جديدة بين الدولة أو الجيش أو صندوق مصر السيادي وبعض رجال الأعمال، لإنشاء شركات تباشر نشاط التوثيق والشهر في حال خصخصته، وأن هذه الشخصيات تحاول الترويج لهذه الأفكار من خلال وسائل الإعلام الموالية، وكذلك من خلال بعض النواب المقربين منها.
وبينت المصادر أن الحديث عن سوء مستوى منظومة الشهر العقاري بسبب تعقيد الإجراءات، وفساد الهيكل الإداري، جزء بسيط من الصورة الكاملة لهذا المرفق المهم في حياة المصريين، والذي يعتبر من الأدوات الأساسية للدولة للسيطرة على السوق، لكن الجزء الأكبر من المشكلة يكمن في ثلاثة أوجه قصور أساسية، أولها يتمثل في الانخفاض الشديد في عدد الموظفين مع وقف التعيينات الجديدة منذ عام 2011، بل وسابقة تفكير الحكومة في اتخاذ إجراءات حاسمة بإبعاد أكثر من 6 آلاف موظف من المصلحة في إطار خطة خفض العمالة في الجهاز الإداري للدولة، قبل أن تتدارك الحكومة الحالية هذه الخطوة، وتقرر نقل ألف موظف من المصالح الحكومية الأخرى إلى الشهر العقاري لتعويض النقص البشري الكبير.
الوجه الثاني هو تخوف المواطنين من التوثيق والشهر بسبب التعديلات الأخيرة لقانون الضريبة العقارية، والذي ترتب عليه تحصيل ضريبة على جميع الأملاك الخاصة بالمواطن عدا محل السكن، ثم اتخاذ الحكومة إجراءات الربط بين الشهر العقاري ومصلحتي الضرائب العقارية والضريبة العامة، والتسرع في تحريك دعاوى جنائية ضد المتهربين من سداد الضريبة، وذلك خلال العام الماضي 2018، وهو ما وجه رسالة إرهاب لجميع الملاك وأدى لانخفاض ملحوظ في عدد حالات التوثيق، ونقل الملكية، خوفًا من زيادة الضرائب.
أما الوجه الثالث وفقًا للمصادر، فهو ضعف تمويل مشروع الميكنة العام الذي بدأ في بعض مناطق القاهرة الكبرى، ولم يصل للمحافظات حتى الآن، الأمر الذي يؤدي إلى ازدحام المكاتب، وضعف الخدمة، وانتشار الرشاوى والمحسوبية لإنهاء الأعمال في ظل انخفاض عدد الموظفين.
وذكرت المصادر أنه سواء تمت خصخصة هذه المنظومة، أو أصبحت هيئة مستقلة، فإنه سيتم حرمان وزارة العدل من المداخيل الكبيرة للشهر، والتي من المزمع زيادتها الفترة القادمة بنسب تتراوح بين 70% و150% على تقدير قيمة العقارات المبنية، والأراضي الزراعية، والأراضي المعدة للبناء، وفق شرائح متدرجة للتعامل، لمواكبة زيادة الأسعار وانخفاض قيمة الجنيه المصري.
ومن المقرر كذلك استحداث رسم ثابت قدره 100 جنيه على شهر أو قيد حق أو أحكام إشهار الإفلاس أو أوراق الإجراءات الخاصة بالبيوع الجبرية، وإنذارات الشفعة وأحكام البطلان أو الفسخ، أو الإلغاء أو المحو، وكذا تحصيل رسم ثابت قدره 5 آلاف جنيه على التصرف المطلوب شهره أو قيده، ورسم ثابت قدره ألفا جنيه على عقود الزواج والتصادق عليها أو الطلاق الخاصة بالأجانب، واستحقاق رسم قدره 200 جنيه على ترجمة هذه العقود.
ويسقط الحق في استرداد ما يتحصل من الرسوم بانقضاء ثلاث سنوات لتشمل كل الرسوم المحصلة، مع مضاعفة الحد الأدنى لعقوبة التهرب من أداء الرسوم من 100 جنيه إلى ألف جنيه، والحد الأقصى لها من ألف جنيه حتى 5 آلاف جنيه.
اللافت أن أعضاء اللجنة التشريعية والدستورية بمجلس النواب كانوا قد أبدوا في يوليو/تموز الماضي تحفظهم على زيادة الرسوم، بحجة أن “الظروف التي تمر بها البلاد غير سانحة لإصدار تشريعات جديدة من شأنها أن تفرض أعباء جديدة على كاهل المواطنين”، الاعتبار الذي اختفى تمامًا عند مناقشة نقل تبعية المصلحة، مع العلم أن آخر زيادة في الرسوم العامة للتوثيق كانت في عام 2006، واقتصرت الزيادات طوال الفترة الماضية على بعض الرسوم المكتبي.
ولدى اللجنة التشريعية بالبرلمان مشروع آخر كان قد قدمه 60 نائبًا لإنشاء الهيئة المستقلة للملكية العقارية والتوثيق، بدلًا من مصلحة الشهر العقاري الحالية. وتقول مذكرته الإيضاحية إنه “يهدف لاختصار الإجراءات وإلغاء العمل بالدفاتر اليدوية في المكاتب المعمول بها منذ عام 1947، واستخدام بدائل أقل تكلفة وأكثر أمانًا، وأعلى جودة مطابقة للمعايير الدولية، وتستغرق وقتًا أقل، مع تطبيق نظام الوثيقة الموحدة، ما يوفر للموظف وقتًا للبحث الفني والمراجعة القانونية السليمة للمحرر المراد توثيقه، ما سيكون له أثر بالغ في خروج عقد سليم محكم الالتزامات وكامل الحجية، كضمان لحماية حقوق المتعاقدين”.
ويسمح هذا المشروع، الذي لم يطرح على الجلسة العامة حتى الآن، بإعادة النظر في نظام الحفظ والأرشفة الحالي، بما يتواكب مع النظم الرقمية العالمية، جنبًا إلى جنب مع نظام ميكنة مكاتب التوثيق التي تحتاج لميزانية ضخمة، ولا تزال عاجزة عن تخفيف الزحام في المكاتب، بهدف تسهيل إجراءات التسجيل العقاري، وسرعة الفصل في المنازعات العقارية باستحداث لجان قضائية عليا وفرعية، ولجان تسوية للمنازعات العقارية كافة، خصوصًا منازعات الاستثمار العقارية، خلال مدة زمنية حدها الأقصى 6 أشهر. وتكون قرارات هذه اللجان نهائية، وذات حجية تنفيذية بين المتنازعين، وأمام الغير.
وعلى المستوى الهيكلي، يتضمن المشروع الذي وضع بمعزل عن وزارة العدل ضمانات لاستقلال عضو الهيئة الجديدة، بدلًا من موظفي المصلحة التابعين حاليًا لوزارة العدل، مما يمنع التدخل في عمله، أو ممارسة ضغوط عليه، بما يضمن استقلال مصلحة الشهر العقاري والتوثيق وأعضائها.
يذكر أن المادة 199 من الدستور المصري، تنص على أن “الخبراء القضائيين، وخبراء الطب الشرعي، والأعضاء الفنيين بالشهر العقاري مستقلون في أداء عملهم، ويتمتعون بالضمانات والحماية اللازمة لتأدية أعمالهم، على النحو الذي ينظمه القانون”.
وهذه الصياغة، بحسب المصادر القضائية في وزارة العدل، لا تشترط تحويل أي مصلحة من تلك المصالح (الخبراء، والطب الشرعي، والشهر العقاري) إلى هيئات مستقلة، كونها تُلزم المشرع بوضع ضوابط لضمان استقلالهم فنيًا فقط
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات