في مصر .. تزييفٌ للوعي يحدث كل مساء

الحملة التي يتعرض لها الأزهر الشريف في وسائل الإعلام المصرية, والتي تكاد أن تتبلور على هيئة مشروع قانون لتقليص التعابم الديني وإحكام السيطرة الحكومية على الأزهر.. من وراءها؟

د. أحمد الطيب, شيخ الأرهر، يرى أن هناك فريقين يقفان وراء الحملة التي تشنها وسائل إعلام مصرية ضد الأزهر، بهدف ترسيخ الكذب في عقول الناس ليصدقوهم.

وقال الطيب: «من يقوم بهذه الحملة طائفتان: طائفةٌ تعلم أن هذا الكلام الذي يروِّجونه في برامجهم ليس حقيقيًا ولا أصل له، وإنما هو فرصة في هذه الظروف لجذب المشاهد ولكثرة الإعلانات، وهذا يعني أن المعيار الذي يحكمهم هو المصلحة المادية التي تهدف إلى الكسب، ولا تنظر بحال إلى مصلحة الناس، فهي مصلحة غير معتبرة».

كما أكد على ما قال إنه: «تزييف للوعي يحدث كل ليلة، وذلك لأن المشاهد حين يسمع دائمًا وفي أكثر من برنامج أن الأزهر مناهجه إرهابية، وأنه هو الذي يخرج الإرهابيين، فهذا الأمر يشد الناس، وربما كان طُعمًا يبتلعه البسطاء ضحايا هذا التزييف، ولكن هكذا صناعة الإعلانات تبحث كلها عن المال، ولو بالمواد والإعلانات التي تضر بتربية الفرد والمجتمع».

وشدد شيخ الأزهر على أن «ما يحدث الآن من تناول الأزهر يوميًا يهدف إلى جذب المشاهدين وزيادة عددهم وإثراء مجموعة قليلة تفهم جيدًا أن هذا الكلام ليس حقيقيًا، لكن هو مصيدة للثراء على حساب المشاهد البسيط الفقير، وهذا إن جاز في الحضارة الغربية التي تحكمها الجوانب المادية البحتة، لا يجوز في الشرق؛ لأن الحضارة الشرقية يحكمها الخلق والدين».

أما الطائفة الثانية من المُهاجمين للأزهر في بعض وسائل الإعلام, فهي ممولة ممنهجة تتصيد وتفتعل الصراعات بين الثوابت الفكرية والعقائدية للمجتمعات مع الحضارة المادية الجديدة؛ لتنفذ مخططات مدروسة لهدم كل ما هو أصيل في هذه الأمة، وفي المقدمة مؤسسة الأزهر؛ لأن دعاة هذه الفتن يؤمنون بمفاهيم حضارية متسلطة لا تطيق أن يكون بجوارها في العالم حضارة أخرى مختلفة عنها، على الرغم من أن هناك حضارات كانت تتعايش ويستفيد أهلها بعضهم من بعض.

 

مكرم محمد أحمد: لا بأس لنقد الأزهر .. ولا لإهانة شيخه

أحد الأذرع الإعلامية للنظام العسكري؛ نقيب الصحفيين الأسبق، مكرم محمد أحمد، كتب في مقال بجريدة «الأهرام» شبه الرسمية، تحت عنوان: «الشيخ يشكو الصحافة والمثقفين!» يقول إنه: «لابأس المرة من انتقاد مؤسسة الأزهر إلا أن إهانة رموزه بمن فيهم الإمام الأكبر (الدكتور أحمد الطيب) يُمثل شططًا مرفوضًا فى النقد خاصة عندما يتهم البعض الأزهر بالفساد دون دليل واضح، وتجد المشيخة نفسها مضطرة إلى الذهاب إلى القضاء كى تضع الأمور فى نصابها الصحيح.

وأضاف: نريد للعلاقة بين الأزهر والمثقفين أن تبقى فى دائرة الحوار البناء، مهما يكن حجم الخلاف بحيث تحافظ على جسور الاتصال وتلتزم أدب التخاطب والحوار، وتدرك قيمة احترام واحد من أهم الرموز الدينية والوطنية ليس فى مصر فقط ولكن فى العالم أجمع.

 

التقديس والنقد والمحافظة

ويسرد مكرم أسباب دفاعه عن شيخ الأزهر:  «لا أحد يطلب تقديس مؤسسة الازهر أو تحصين هيئة كبار العلماء من حق النقد الموضوعى الذى ينهض على الحوار البناء، ولا يفتئت على الحقائق ولا يُهين رموزًا دينية ينبغى احترامها، وعندما يكون على رأس الأزهر الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب بفكره المتطور الذى ينبذ الغلو والتطرف والتنطع، ويرفض فكر البداوة، ويؤمن بفقه الاختلاف الذى يسمح بالاجتهاد وقبول الآخر وتعزيز وسطية الإسلام، وينتصر لقيم السلام والتسامح والعدل والمساواة، يصبح من واجب الصحافة والمثقفين أن يحافظا على هذا الرمز الكبير، ويستخدما لغة أكثر احترامًا وأقل خشونة حتى إن اختلفا مع الشيخ!».

 

إشادة بالأزهر

وفيما بدا أنه استجابة لكلمات بيان شيخ الأزهر قال نقيب الصحفيين الأسبق: «فى فترة سابقة تنامت علاقات الأزهر بالمثقفين إلى حد التوافق على عدد من الوثائق التاريخية المهمة فى مقدمتها، أولوية حقوق المواطنة لكل المصريين دون تمييز اعترافًا بالآخر، وبدور الأزهر فى الحفاظ على الوحدة الوطنية الذى أثمر بيت العائلة المصرية الذى يُمارس أنشطة عديدة تستهدف تعزيز الوحدة الوطنية، وتأكيد ضرورة اسهام الازهر بالفكر الرشيد فى الحرب على الإرهاب».

 

الإيكونومست: رجال الأزهر يتحدون السيسي

مجلة «ذي إيكونوميست» البريطانية تناولت الخلافات المتصاعدة بين الأزهر، ورئيس سلطة الانقلاب العسكري, وقالت إن القليل من المصريين فقط من يجرؤون على تحدي السيسي، المستبد، لكن مؤسسة واحدة تقف في وجهه، هي مؤسسة الأزهر.

واستشهدت المجلة بعبارة «تعبتني يا مولانا»، التي خاطب بها السيسي شيخ الأزهر، خلال الاحتفال بعيد الشرطة، يوم 24 ينايرالماضي، كدليل على تصاعد الخلاف بين الرجلين.

وقالت: «لقد مر أكثر من عامين على تصريحات السيسي، وهو مسلم، والتي عبر خلالها عن أسفه من (تحول الفكر الإسلامي الشائع حاليا إلى مصدر للقتل والتدمير في العالم كله)، وفق قوله.

وآنذاك، طلب «السيسي» من علماء الأزهر سرعة الانتهاء من مشروع لتجديد الخطاب الديني «بحيث يكون تجديدا واعيا ومسؤولا يواجه التطرف والإرهاب»، معتبرا أن مصر في حاجة إلى ما أسماه بـ«ثورة دينية»، وأنه يتوجب على رجال الأزهر قيادة هذه الثورة.

لكن الشيوخ – بقيادة الطيب – قاوموا بشكل كبير خطط السيسي، حسب «إيكونوميست». وانتقد ذلك الكثيرون، ومن بينهم وزير الثقافة حلمي النمنم (المعروف بتوجهاته العلمانية)؛ إذ قال: «لم يطرأ تغير منذ دعوة الرئيس للتجديد».

وعلى مدى تاريخه الطويل التي يعود إلى ألف عامٍ يحظى الأزهر باستقلالية، ويدرب الأزهر كل عام الآلافً من الدعاة، بينما يدرس في معاهده وجامعاته عشرات الآلاف من الطلاب المصريين والعرب والأجانب.

 

الأزهر في وحل السياسة

لكن الأزهر انغمس، أيضاً، في وحل السياسة في بعض الفترات، وغالباً ما كان موقفه محبطا لحكام مصر.

وأشارت «إيكونوميست»، في هذا الصدد، إلى أن جمال عبد الناصر، كبح عبر تأميم الأوقاف, ودفع وخلفه أنور السادات، الأزهر إلى إصدار فتاوى تبرر ما اتخذاه من سياسات، وقد أضرّ ذلك بمصداقية  الأزهر، لكن دعم مكانته بوصفه المؤسسة الدينية الرئيسية في البلاد.

السيسي أيضا استخدم الأزهر، حسب «إيكونوميست». فعندما أطاح بجماعة الإخوان المسلمين من الحكم عام 2013، كان «الطيب» إلى جانبه في المشهد.

 

الأزهر في مواجهة السيسي

وبينما كفل دستور 2014 مزيدًا من الاستقلالية للأزهر، لم يتوقف السيسي، منذ ذلك الوقت، عن محاولاته في السيطرة على المسائل الدينية في مصر، إذ أغلق جوامع غير مرخصة ومنع دعاة غير مسجلين من الخطابة.

وبدأت الحكومة منذ العام 2015، في توحيد خطبة الجمعة؛ في خطوة لقطع الطريق على التشدد وللترويج لسياسات الرئيس حتى أن إحدى الخطب وصفت توسعة قناة السويس بأنها هدية من الله.

لكن الأزهر عارض قرار توحيد خطبة الجمعة، قائلاً إن خطباءه لا يحتاجون لإملاءات.

وعندما طالب السيسي بإلغاء الطلاق الشفهي، ما لم يجرِ تسجيله رسميًّا، عارضت هيئة كبار العلماء في الأزهر هذا الطلب، وأكدت أن وقوع الطلاق الشفوي المستوفي أركانه وشروطه والصادر من الزوج عن أهليةٍ وإرادةٍ واعية وبالألفاظ الشرعية الدالة على الطلاق، هو ما استقرَّ عليه المسلمون منذ عهد النبي دونَ اشتراط إشهاد أو توثيق.

ويؤكد الطيب أن الأزهر؛ منبر الوسطية والتسامح الإسلامي، لكن عمرو عزت، من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، يرى أن الأزهر منقسمٌ على نفسه مثل بقية أطياف المجتمع المصري، فبعض الطلاب والدعاة في الأزهر سلفيون، وكثيرون منهم متعاطفون مع الإخوان المسلمين.

ويتهم «عزت» الأزهر بأنه «غير حاسم في مواجهة التشدد الديني».

ورغم ما يحتويه الأزهر من اختلافات داخل جدرانه، إلا أن الأزهر وقف بالمرصاد لمن هم خارجه, إذ رفع الأزهر عدة قضايا ضد أدباء وفنانين بتهمة الإلحاد، كان آخرهم إسلام بحيري.

 

جدد أنت من سياساتك

وبينما يشكك البعض في قدرة الأزهر على إدخال إصلاحات في الخطاب الديني تخالف جموع المسلمين، يعتبر المقال الإصلاحات الدينية حلا جزئيا لأزمات البلاد.

إذ يلوم الكثير من المحللين, الحكامَ المستبدين، مثل السيسي، على ما وصلت إليه الأوضاع في البلاد من استياء واستقطاب وإحباط يغذي العنف.

ويقول كمال حبيب، وهو محلل سياسي وجهادي سابق، مخاطباً السيسي: «أنت تطالب الأزهر بتجديد خطابه، بينما لا تجدد أنت من سياساتك، وليست هناك علاقة ميكانزيمية بين تجديد الخطاب الديني وتحسن أوضاع البلاد».

 

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …