رأى عدد من قضاة مصر، إن التعديلات الدستورية المتعلقة بالسلطة القضائية، بمثابة “مذبحة جديدة” كونها ترسخ للديكتاتورية العسكرية، مؤكدين في الوقت نفسه أنها تكتب كلمة النهاية في معركة استقلال القضاء.
وتضمن الطلب المقدم من ائتلاف “دعم مصر” لرئيس البرلمان، استحداث ستة أحكام جديدة تخص السلطة القضائية، تمثلت في إلغاء الموازنات المستقلة للجهات والهيئات القضائية، ومنح رئيس الجمهورية سلطة اختيار رؤساء الجهات والهيئات القضائية -بما فيها المحكمة الدستورية العليا- من بين خمسة ترشحهم مجالسها العليا، إلى جانب اختيار النائب العام من بين ثلاثة يرشحهم مجلس القضاء الأعلى، فضلًا عن إنشاء مجلس أعلى للجهات والهيئات برئاسة رئيس الجمهورية، للنظر في شروط تعيينات وترقيات وندب القضاة.
كما شملت التعديلات المقترحة إلغاء سلطة مجلس الدولة في مراجعة مشروعات العقود التي تكون الدولة أو إحدى هيئاتها طرفًا فيها، وقصر سلطته في مراجعة وصياغة مشروعات القوانين التي تُحال إليه فقط.
واعتبر أحد النواب الحاليين لرئيس مجلس الدولة –رفض ذكر اسمه- أن “الفترة الحالية هي عنوان لدسترة الديكتاتورية، واللي مش عاجبه يشوفله حتة تانية”.
وفي تصريحات لـ”مدى مصر” أضاف أن مقترح “القصبي” لتعديل الدستور يعيد مصر لأيام أسوأ من أيام المندوب السامي البريطاني، خاة وأنها أسوأ من تعديلات “فايدة كامل” عام 1980.
واعتبر كذلك أن التعديلات الحالية هي نتيجة طبيعية للأحداث التي شهدتها البلاد خلال الفترة الرئاسية الأولى للسيسي، سواء بتمرير اتفاقية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية رغم إبطالها من القضاء، أو بإقرار قانون الهيئات القضائية رغما عن اعتراضات القضاة، مشددًا على أن “الدستور الحالي لم تصن في ظله أرض ولا كرامة، لكنه يرسخ لانتقال سلمي للسلطة، وتنظيم قواعد الفصل بين السلطات”، مطالبا بضرورة تحرك القضاة لوقف تمرير التعديلات.
وأيده في الرأي المستشار محمد أمين المهدي، وزير العدالة الانتقالية الأسبق، ورئيس مجلس الدولة الأسبق، الذي رأى كذلك ضرورة إبداء الهيئات والجهات القضائية آرائها في التعديلات المطروحة.
وأشار المهدي إلى أنه لا يوجد ما يمنع من أن يرسل رئيس مجلس الدولة أو غيره من الجهات التي تطالها التعديلات مذكرة بموقفها من التعديلات إلى مجلس النواب أو رئاسة الجمهورية أو غيره، وتحمل كل لمسؤولياته، مضيفًا أنه القضاء فيه رجال لهم حنكتهم، سيتخذون القرار المناسب في الوقت المناسب، مذكرًا بمذبحة القضاء عام 1969، التي قال إنه عاصرها وكان أحد المتضررين منها.
فيما رأى نائب ثالث لرئيس مجلس الدولة في حديثه لـ”مدى مصر” أن المجلس الأعلى للهيئات القضائية هو عصا السلطة لضرب استقلال القضاء في غالبية المعارك التي خاضها القضاة مع السلطة التنفيذية في عهد عبد الناصر ومبارك، ومؤخرًا السيسي.
وأوضح أن السيسي عندما أراد التنكيل بالقضاة لجأ إلى مجلس الهيئات القضائية أسوةً بعبد الناصر وبعده مبارك، ولكنه لم يكتف بتفعيل القانون كما فعل في ديسمبر الماضي، وإنما أراد «دسترته» بنقل نصوص القانون إلى الدستور لضمان تطبيقه طوال فترة وجوده بالسلطة، تحسبًا لأي حكم بعدم دستورية نصوصه.
واعتبر نائب بالمحكمة الدستورية -فضّل عدم ذكر اسمه- أن الترتيب لاستمرار شخص واحد في السلطة لمدة تصل إلى 16 سنة يتطلب التحوط من المستقبل، والسيطرة المسبقة على كافة السلطات، بما فيها القضاء، بوصفه الجهة الوحيدة التي تستطيع محاكمة قرارات السلطة التنفيذية.
وشدد على أن التعديلات المطروحة تأخذ من القضاء وتُقَيّده وتُخضِعُه للسلطة التنفيذية، وفي المقابل تعطي بسخاء للقوات المسلحة، التي من المفترض أن تقف مهمتها عند حمل السلاح على الحدود، سلطات مثل صون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد.
من جهته رأى المستشار محمد عبدالمحسن، نائب رئيس محكمة النقض، ورئيس نادي قضاة مصر، إن مجلس إدارة النادي اجتمع يوم الإثنين الماضي، لمناقشة تلك التعديلات الدستورية، وانتهى المجلس من خلال المناقشات الأولية بأن تلك التعديلات تنال من ضمانات استقلال القضاء الذي هو ضمانة أساسية للمواطن والدولة القانونية.
وقال رئيس نادي قضاة مصر، عبر بيان نشره على “فيس بوك” إنه بالتنسيق مع مجلس القضاء الأعلى صاحب الاختصاص الأصيل في الدفاع عن استقلال القضاء فقد طلبنا عقد لقاء لبحث هذا الأمر بالتنسيق مع رؤساء أندية الأقاليم للاجتماع يوم الإثنين القادم بمقر النادي النهري، لبحث التعديلات المتعلقة بالهيئات القضائية.
وتابع :” المشرع في دولة سيادة القانون يجب أن يحرص على أن تتوافق القوانين الصادرة عنه مع أحكام الدستور بما تحمله من تلك الضمانات السالف ذكرها، وأن يعمل على تصحيح المعيب منها دستوريا، لا أن يسعى لتعديل الدستور بما ينتقص من تلك الضمانات الأساسية، ولتحصين القوانين المعيبة دستوريا لإخلالها بتلك الضمانات”.
ومن أبرز التعديلات المقترحة بخلاف المواد التعلقة بالسلطات القضائية، تمديد فترة الرئاسة من 4 إلى 6 سنوات، وإضافة مادة انتقالية تسمح للرئيس الحالي بالترشح مجددًا على الرغم من أن الدستور الحالي يسمح بفترتين رئاسيتين فقط، وفقًا لنواب برلمانيين معارضون للتعديلات.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات