قلق إسرائيلي من تزايد النفوذ التركي في غزة بعد الحرب

تزامن إعلان أنقرة استعدادها لإرسال عشرات من عناصر هيئة إدارة الكوارث والطوارئ التركية “آفاد” إلى قطاع غزة، مع قلق متزايد في الأوساط الإسرائيلية من تصاعد النفوذ التركي في مسار مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة، خصوصاً بعد المشاركة المباشرة لرئيس جهاز الاستخبارات التركي في المفاوضات.

وبحسب تقرير لموقع “عربي بوست”، جاءت سلسلة تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي أشاد فيها بالدور التركي، لتزيد من توتر إسرائيل، باعتبارها إشارة إلى احتمال توسع نفوذ أنقرة في الساحة الفلسطينية، سواء عبر المشاركة في ترتيبات الأمن الميداني داخل القطاع، أو من خلال دورها المرتقب في مشاريع إعادة الإعمار.

ويعزز ذلك طلب حركة حماس إدراج تركيا ضمن قائمة الدول الضامنة للاتفاق إلى جانب مصر وقطر، ما يفتح الباب أمام تحولات جديدة في موازين القوى الإقليمية داخل قطاع غزة وما بعدها. فكيف منح وقف الحرب في غزة ثقلاً جديداً لتركيا في الملف الفلسطيني؟ وما الذي تخشاه إسرائيل من تصاعد النفوذ التركي في غزة؟

تصاعد النفوذ التركي

أعربت نوعا لازيمي، الباحثة في معهد مسغاف للصهيونية والأمن القومي، عن خيبة أملها من أن أحد نتائج وقف الحرب مع حماس هو إعادة تركيا للواجهة، ما يجعل الاتفاق يحمل في طياته مخاطر على المدى البعيد، لأن الأخيرة استفادت منه بترسيخ مكانتها كوسيط دولي، وستستغل مشاركتها للحفاظ على تواجد حركة حماس، وتوسيع نفوذها الإقليمي، وهو تحدٍّ ستواجهه إسرائيل مبكراً.

وحسب لازيمي: “صحيح أن تركيا مارست ضغوطاً على الحركة لقبول الاتفاق، لكنها حصلت على فوائد كبيرة، أهمها ما حظي به الرئيس رجب طيب أردوغان من مكانة مرموقة في محادثات شرم الشيخ، وتفاخره بموقفه مع الفلسطينيين، ما يتماشى مع رؤيته الأوسع للمنطقة، حيث يرى نفسه زعيماً للعالم الإسلامي“.

مع العلم أن تركيا نجحت من خلال إعلان إنهاء الحرب في غزة في تأكيد اعتراف المجتمع الدولي بمكانتها كقوة نافذة، يستحيل بدونها إبرام اتفاقيات إقليمية واسعة النطاق، لا سيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

ولا يبدو أن تركيا ستكتفي بهذا الاعتراف وحده، بل إنها قد تستغل موطئ قدمها الواسع الذي اكتسبته الآن للحفاظ على ما تبقى من حماس في القطاع، وهذا مصدر قلق إسرائيلي لا تخطئه العين، لأنه ينطوي على كبح جماح السيطرة الإسرائيلية على المناطق الحدودية في غزة.

وأضاف تقرير الموقع، وربما يتحمس أردوغان لاتخاذ خطوات من شأنها تعريض مصالح إسرائيل للخطر باسم رؤية إسلامية إقليمية، وهنا ستدخل في حوار مكثف مع الأمريكيين لمحاولة تقليص الدور النشط لتركيا في غزة في مرحلة ما بعد إنهاء الحرب، بزعم أنهما الراعية الرئيسية لحماس، وفي ظل سعيها غير الخفيّ إلى تعزيز نفوذها في اليوم التالي، وفقاً لما أوضحته ذات الكاتبة في مقال آخر نشره موقع “ويللا“.

بدوره، يوسي يهوشاع محرر الشؤون العسكرية بصحيفة “يديعوت أحرونوت”، لم يتردد في القول إن تركيا لها مصلحة واضحة ببقاء حماس، لأنها باتت ترى غزة مركز نفوذ استراتيجي وأيديولوجي، ورغم المعارضة الإسرائيلية العلنية لتدخلها بإعادة إعمار غزة، لكن فرق هيئة إدارة الكوارث والطوارئ التركية تنتظر الوصول إليها للتعامل مع الأزمة الإنسانية.

ما يعني أن الوجود التركي في قطاع غزة يحمل تهديداً مزدوجاً لإسرائيل، مفاده عودة النفوذ الإسلامي للقطاع، والتسلل السياسي لمنافس إقليمي ساعد مثل تركيا إلى منطقة تتحمل مسؤولية أمنية مباشرة عنها، وهي غزة، ما قد يحول الاتفاق الحالي من رافعة لإعادة إعمار القطاع، إلى لغم سياسي سينفجر لاحقاً في وجه إسرائيل، وفق ما ذكره يوسي يهوشاع.

إليتسور غلوك، الكاتب في موقع “العين السابعة”، زعم أن القلق الإسرائيلي من تزايد نفوذ تركيا في غزة يعود لأسباب وجيهة، وليس مبالغاً فيها، لأن رئيسها لم يترك مجالاً للشك في موقفه من الحرب الأخيرة، وأكد أن حماس حركة تحرر وطني، وليست إرهابية، مؤكداً وقوفه بجانب “الأشقاء الفلسطينيين”، بل وألمح إلى إمكانية التدخل العسكري التركي ضد إسرائيل، كما فعلت في حروب إقليمية أخرى.

وذهب أردوغان أبعد من ذلك، حين حمّل الولايات المتحدة وأوروبا مسؤولية الحرب، ووصف إسرائيل بأنها “مجرمة حرب”، ومن بقايا الاستعمار الغربي المقدّر لها الزوال من العالم، فيما ذكرت وكالة الأنباء اليهودية أن أردوغان اعتبر أن العدوان الإسرائيلي المتزايد أصبح خطراً يهدد المنطقة بأكملها، داعياً إلى ممارسة الضغط الاقتصادي على إسرائيل، لأن التجارب السابقة أثبتت نجاح هذا الضغط عليها.

فيما استعرض نداف شرغاي، محرر الشؤون السياسية بصحيفة “إسرائيل اليوم”، في ورقة بحثية نشرها معهد القدس للشؤون الخارجية والأمنية، ما قال إنها مسوغات الرفض الإسرائيلي لزيادة التأثير التركي في غزة، في ضوء التعاون الأيديولوجي والعملي بين أردوغان وحماس.

فالأول يقود مشروع “الإمبراطورية العثمانية الجديدة”، والثانية هي الابنة الشرعية لجماعة الإخوان المسلمين، ومع مرور الوقت أقنعته الحركة باتهام إسرائيل بالسعي لتدمير المسجد الأقصى، أو تعريضه للخطر، واعتبار أن للشعب التركي حقاً في القدس لا يقل عن حق الشعب الفلسطيني.

فيما أشادت الحركة على لسان زعيمها السابق خالد مشعل، بترحيبها باستعادة تركيا لمكانتها الإقليمية التي كانت عليها أيام الخلافة العثمانية، الأمر الذي وجد ترجمته في مزيد من التعاون بين تركيا وحماس على مر السنين، وشمل تحويل الميزانيات، واستضافة مكاتب وقيادات الحركة على الأراضي التركية، على حد زعم يوني بن مناحيم، الضابط السابق في جهاز الاستخبارات العسكرية “أمان”، ومحرر الشؤون العربية في الإذاعة العسكرية.

ولا يخفي الإسرائيليون إحباطهم من أن أحد التطورات الهامة في اتفاق وقف إطلاق النار في غزة هو انضمام تركيا لما وصفه بـ”نادي الوسطاء”، وإذا لم تكن إسرائيل حذرة، فقد تجد نفسها فجأة في موقف لا تكون فيه تركيا حليفاً مساوياً لها فحسب من وجهة نظر الولايات المتحدة، بل قد تحل محلها أيضاً، لأن صورة اجتماع ترامب في نيويورك مع حلفائه في العالم العربي تلخص كل شيء، حيث جلس أردوغان بجانبه أمام الجميع.

ولعل ما قد تتطلع إليه تركيا من نفوذها في غزة هو الميناء البحري، من أجل تحقيق خطتها الاستراتيجية للسيطرة على حوض شرق البحر المتوسط، ومحاصرة قبرص واليونان، بل إن أردوغان أعلن بنفسه أنه سيأتي شخصياً إلى غزة، وفقاً لما ذكره بنحاس عنبري، المستشرق اليهودي في مقال نشره موقع “زمان إسرائيل“.

 

شاهد أيضاً

إسرائيل تقتل 3 ضباط وجنود لبنانيين و”عون” يهاجم إيران وحزب الله

قتل الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 3 ضباط وجنود لبنانيين في مدينة مرجعيون في سيارتهم العسكرية …