فتحت دعوة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي الأحد الماضي إلى المساواة بين الرجال والنساء في كل المجالات وخصوصاً في قضايا الإرث باباً لمعارك واسعة بين جهات سياسية ودينية داخل البلاد وخارجها، بينها الأزهر في مصر ودار الإفتاء في تونس، والكثير من الأحزاب والشخصيات السياسية.
عدد من السياسيين اعتبروا أن مبادرة السبسي الأخيرة حول المساواة بين الجنسين في الميراث تهدف لإلهاء الرأي العام عن القضايا الأساسية العاجلة والمتمثلة بالوضع الاقتصادي والاجتماعي والتنموي المتعثر، فضلا عن محاولة التغطية على الحملة التي يقوم بها رئيس الحكومة يوسف الشاهد ضد رموز الفساد في البلاد, فضلا عن إحراج شريكه السياسي؛ حزب النهضة.
توزّعت الآراء المختلفة على نطاق واسع، بين المتحمس في ترحيبه، والمؤيد للدعوة والمنظّر لها سياسياً أو دينيّاً، إلى الرافض بقوّة، والمندّد بها والمهدّد لصاحبها والداعي إلى إقالته.
على مستوى المؤسسات الدينية، كان موقف مفتي تونس مؤيدا للدعوة محتجًا بفهم خاطئ لقوله تعالى: «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف»، وبالمواثيق الدولية التي صادقت عليها الدولة التونسية.
وجاء الردّ على دار الإفتاء من الأزهر الذي استخدم أحكام الشرع وقال إنها «لا تحتمل الاجتهاد ولا تتغير بتغيير الأحوال والزمان»، وإن «دعوات التسوية بين النساء والرجال في الميراث بدعوى إنصاف المرأة هي عين الظلم لها».
على مستوى المؤسسات والشخصيات السياسية كان لافتاً أن يأتي الدعم للسبسي من نائب رئيس حركة «النهضة» الشيخ عبد الفتاح مورو، الذي تجاوز موضوع الإرث إلى مسألة شائكة أكثر وهي زواج التونسية برجل غير مسلم واعتبر ذلك «اختيارا شخصياً» يندرج ضمن حرية الضمير التي نص عليها الدستور التونسي، وهو شكل من أشكال التشديد على كون «النهضة» حزباً سياسياً يشترك مع غيره من الأحزاب في اعتماد الدستور إطارا للتعاقد الاجتماعي.
على الضفة الأخرى المواجهة لحركة «النهضة»، يعتبر ما قاله الجيلاني الهمامي، وهو نائب في البرلمان وقيادي في «الجبهة الشعبية» (تجمع لأحزاب يسارية) مثالاً آخر على إخراج الدعوة من حيّزها الأيديولوجي والاجتماعي وفهمها ضمن ألعاب السياسة التونسية، فبرأي الهمامي إن مبادرة السبسي مناورة سياسية وحملة انتخابية مبكرة هدفها كسب أصوات النساء في الانتخابات الرئاسية المقبلة وإحراج حركة «النهضة» بوضعها بين خيارين صعبين: القبول بما قاله ومواجهة بعض قواعدها الراديكالية، أو رفضه وخسارة أصوات النساء، وكذلك لعرقلة حملة رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد ضد رموز الفساد.
ورغم هذا الرأي الناقد لخلفيّات السبسي السياسية فإن الهمّامي رأى أنه يجب التوافق على مبدأ المساواة في الإرث بصورة مبدئية، وأن تطبيق ذلك ممكن في المجتمع التونسي، بغض النظر عن الخلفية الانتهازيّة للدعوة وكونها مناورة لعرقلة الحملة على الفساد وإحراج الخصوم السياسيين وتحضيرا مبكرا لانتخابات عام 2019.
تكشف القضية برمّتها عدداً من الملاحظات المفيدة التي يمكن البناء عليها؛ من ذلك أن الاشتباك الكبير بين قضايا السياسة والدين والاجتماع في البلدان العربية، لا يمنع كافة المؤسسات المعنية، سياسية ودينية واجتماعية، من اعتماد المنطق العقلاني والشرائع العالمية والدساتير لتدعيم وجهات نظرها في تحليل النصوص الدينية، وهو ما يعني أن قضايا شائكة من هذا النوع لا تصل إلى نتائجها باستخدام القوة والغلبة بل باعتماد تسويات يستطيع المجتمع، ومؤسساته السياسية، تقبّلها واعتمادها.
ومن ذلك أيضاً، أن التيارات «العلمانية»، وليس «الإسلامية» فحسب، تستخدم قضايا دينية – سياسية لتعزيز مواقعها في المجتمع والسياسة والقيام بمعارك لا علاقة لها أحيانا بالمبادئ التي تنادي فيها بل بقضايا السيطرة على الحيز العامّ، بإحراج الخصوم، أو تحشيد الأصوات، أو عرقلة حملات كشف الفساد.
وأخيراً، فإن الحدث أظهر قدرة بعض قادة التيار «الإسلامي» التونسي، مثل مورو، على مجاراة تكتيكات خصومه الأيديولوجيين، وانتزاع الموقف المبدئي منهم وهي نقطة تحسب لهم وتبعدهم عن التهم الجاهزة، لكن هل ستمنع المزايدات البائسة التي يتفنّن خصومهم في استخدامها؟!
اختيار شخصي
فقد قال عبد الفتاح مورو نائب رئيس حركة «النهضة» إن زواج المرأة التونسية برجل غير مسلم هو «اختيار شخصي» يندرج ضمن حرية الضمير التي نص عليها الدستور.
وكان الرئيس قائد السبسي دعا خلال خطابه بمناسبة العيد الوطني للمرأة إلى تغيير المنشور رقم 73 الذي يمنع زواج المرأة التونسية من رجل غير مسلم، مبررا دعوته بالمتغيرات التي يشهدها المجتمع وسفر المرأة إلى الخارج سواء للعمل أو الإقامة.
وعبر مورو، في تصريح إذاعي، عن تأييده لإلغاء المنشور المذكور، مشيرا إلى أن هذا الموضوع يرتبط بإرادة الزوجة وحقها في الاختيار، مشيرا إلى أن المرأة تعرف حكم الشرع في الزواج بغير المسلم، ومن حقها أن تختار تجاوزه أو احترامه (كما أن ذلك) يندرج ضمن حرية الضمير التي نص عليها الدستور التونسي، رغم أن فتاوي تتعلق بحقوق المسلمات المقيمات في أوروبا لم تجز لهن هذا الحق.
ويحظر المنشور الصادر عن وزارة العدل عام 1973 زواج التونسيات المسلمات من غير المسلمين، حيث يشترط على الراغب في الزواج بتونسية الحصول على «شهادة اعتناق الإسلام» من دار الإفتاء، فيما ينص الفصل السادس من الدستور التونسي على أن الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي.
خرق للدستور وانحياز فاضح
واتهم رئيس الحكومة الأسبق؛ حمّادي الجبالي, الرئيس السبسي بخرق الدستور والانحياز الفاضح لفئة من التونسيين على حساب أخرى، مشيرا إلى أن اقتراحه الأخير حول المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة يهدد السلم الاجتماعي في تونس.
وكتب على صفحته في موقع «فيسبوك»: «مرة أخرى أجد نفسي مضطرا للتعليق على خطاب رئيس الدولة، ليس ذلك من باب مجادلة رأي الرجل وخياراته الشخصية وإنما من باب تبيان واجبات من تبوأ هذا المنصب السامي في الدولة وما يفرضه عليه من التزامات أخلاقية وسياسية منذ أدائه القسم؛ شكلا بوضع يده على القرآن الكريم, ومضمونا باحترام ما تعاقد عليه أغلبية التونسيين في دستور البلاد بإرادة شعبية، فمن أوكد واجباته ومهامه حماية الدستور وعدم السماح بخرقه الا أن يُغير بإرادة شعبية مماثلة.
إلا أن رئيس الدولة أبى إلا أن يثبت مرة أخرى أنه أول من ينادي بخرق الدستور في فصله الأول بالذات, وأنه بذلك لا يعبر عن الشعب التونسي جميعه لانحيازه الفاضح لفئة على عموم الشعب, وهو أمر جلل لأنه يهدد السلم المجتمعي؛ أساس كل بناء.
وكتب الجبالي: المفروض على رئيس الدولة احترام ما ارتضى به شعبنا من منظومة قيمية وأن يكون له الحد الأدنى من العلم بها أو أن يأتي بمن يعلّمه إياها.
فقوله في موضوع الإرث «هو من أمور البشر التي تركها الله سبحانه ورسوله الأكرم لاجتهاد البشر» يطرح تساؤلا خطيرا: إما أن يكون رئيس الدولة جاهلا بالحد الأدنى من التمييز بين ما هو نص قطعي الدلالة لا يقبل إجتهادا ولا تأويلا, وما هو متروك للاجتهاد بعد استيفاء شروطه، وهو جهل خطير وعلى كل المستويات ولا يعذر الجاهل بجهله.
وإما يكون رئيس الدولة, ومن أوحى له بالمقترح, متعمدا وبإرادة واعية لحسابات سياسية ورزنامة إنتخابية أقل ما يقال فيها إنها مفضوحة ومتخلفة, وهذا أدهى وأمر لأنها لا تليق بمقام رئيس التونسيين الجامع لهم والمتعالى عن كل انحياز حزبي أو إيديولوجي.
وتساءل: أين هذه القضايا المثارة بمناسبة وغير مناسبة من اهتمامات وأولويات شعبنا، من قضاياه المصيرية ومشاكله المتفاقمة يوما بعد يوم، من جيش العاطلين المتضخم، من تآكل المقدرة الشرائية لعموم التونسيين، من مظالم إجتماعية وتفاوت جهوي مخل وانتشار لم يسبق له مثيل من فساد ينخر كل أركان الدولة والمجتمع وقد انفضح الآن زيف شعار محاربة الفساد؟ أين نحن من ضياع الأمل لشباب آمن بثورته للتغيير نحو الأفضل؟ أين نحن من صراخ المستضعفين والنار تحرق أكواخهم وتحرق معها كل ما يملكون؟ أين نحن من نسبة تداين تأذن بالافلاس حيث صرنا نستدين لنأكل؟ أين نحن من إرهاب يهدد أركان المجتمع؟ سؤال أخير: أين سيادة رئيس الدولة من هذا كله؟.
دعوات التحلل والكسل
من جهته انتقد شيخ الأزهر، أحمد الطيب ما سماه دعوات «التحلل» التي يشهدها المجتمع العربي، في إشارة إلى الجدل الدائر بشأن مقترحات السبسي، ودعا فيها للمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث والسماح للتونسيات بالزواج من أجانب غير مسلمين.
وقال إن الغرب لم يتقدَّم بدعوات التحلل والكسل، وإنَّما نهض الغرب وتقدَّمت أوروبا بالعَـرَق والتَّعب، وتحمُّل المشاق والصعاب في مجال الصناعة والاختراع والتقدُّم في جميع المجالات.
وأضاف، خلال الاحتفال بتكريم الأوائل في جامعة الأزهر الأربعاء الماضي، إن جامعة الأزهر التي تختزن جدرانها على مدى ألف عام حضارة 14 قرنًا أو أزيد من عُمر الزمان، تتواصل عبر روَّادها وحملة مشاعلها من علماء الأزهر الشريف المُخلصين المُنتَمين إلى مآذنه وقبابه وأروقته، والمتمسكين بمنهجه الوسط في العلم وفي التربية، وما يُؤسِّسه هذا المنهج من علوم ومعارف وثوابت وأصول وقواعد وبيِّناتٍ تكشف عما تزخر به شريعة الإسلام من عدل ومساواة وتراحم وإنصاف وتقدير للناس.
وتابع: الأزهر لا يزال يحمل على عاتقه مهام الدعوة إلى المؤاخاة وإلى التعايش والاحترام المتبادل، ونشر رسالة السَّلام بين الناس»، موضحاً أن الأزهر إن كان في الأصل مؤسَّسة علمية وتعليمية، فإنه في الوقت نفسه مؤسسة ذات رسالة أخلاقية، مناهجها العلمية مصممة بحيث تصوغ العقول فى إطارين متشابكين: إطار من العلم، وإطار من الأخلاق معًا.
وتابع أن : الأزهر مثل بهذا المنهج كعبة الوسطية الإسلامية فى العالم، والقمرَ المُشِعَّ الذى يُفتقد في الليلة الظلماء في تاريخ المسلمين، وسوف يظل الأزهر كذلك ما ظلَّ معبِّرًا عن ضمير هذه الأمة الوَسَط، وهذا المنهج هو ما تبنَّاه الإمام الأشعري في مذهبه المعروف وهو ما يستمسك به الأزهر الشريف ويُعلِّمه لأبناء المسلمين في شتَّى بقاع الأرض لما يتضمَّنه من توسط ويُسْر ورفع للحرج في الدين، وتقديس للنص، ومنزلة للعقل ورفعة لشأنه.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات