كشف الناشر البارز والخبير الإعلامي المصري، هشام قاسم، في مقابلة مع “عربي21″، معلومات وتفاصيل مثيرة حول كواليس إدارة وسيطرة نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي على منظومة الإعلام.
وقال إن السياسة الإعلامية في السابق تمثلت في الاستعانة برجل أعمال مدني له علاقة بالأجهزة الأمنية وموثوق فيه، ويتم استخدامه كواجهة، لكن بعد أحداث 3 تموز/ يوليو تغيرت تلك الاستراتيجية وقررت الأجهزة الأمنية إدارة الإعلام بشكل مباشر ودون شركاء أو واجهات مدنية إلا نادرا، وهو ما نسميه بسياسة اللعب على المكشوف“.
وأكد قاسم، أن “مفاصل الكيانات والمؤسسات الإعلامية والصحفية أصبحت في أيدي العسكريين الذين يديرون ويتحكمون في تلك المفاصل، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر حتى تكون خاضعة تماما للنظام العسكري، ليس فقط في توجيه السياسة العامة لصالح النظام، بل أيضا لتقنين الفساد والهدر“.
وكشف عن أن “هناك إدارات خاصة بملف الإعلام داخل أجهزة المخابرات والأمن، بل حتى داخل الرقابة الإدارية”، مؤكدا أن “الطابق رقم 28 في مبنى ماسبيرو خاص بالمخابرات العامة، ولا يدخله أحد غيرهم، وغير مسموح للعاملين في ماسبيرو بتجاوز الطابق 27، وبه كاميرات بجودة فائقة ترصد كل ما يجري في ميدان التحرير وفي محيطه“.
وشدّد الخبير الإعلامي البارز على أن مشروع السيسي الإعلامي انتهى تماما، ولن يكون له أي وجود في المستقبل، مضيفا: “خلال عامين أو ثلاثة على الأكثر سيتم إعلان شهادة وفاة هذا الإعلام رسميا وفعليا“.
وعن احتمالية تغيير إيجابي بملف الإعلام، قال: لن يحدث أي تغيير إيجابي على الإطلاق، فحتى لو أصبح وزيرا للإعلام فلن تختلف الأمور كثيرا، فهل هو من يدير مؤسسة أخبار اليوم؟ بالقطع لا، لأنه مجرد أداة يتم تحريكها من قبل آخرين، لأنه كشخصية ضعيفة جدا، ولا يصلح لأي منصب قيادي، بل سيظل يتلقى التعليمات والتوجيهات التي تأتي إليه.
وعن الحديث المتداول عن حرية الإعلام، قال: يبدو أن تلك التصريحات كانت للاستهلاك الإعلامي ومجرد محاولة لتهدئة الأوضاع لحين تجاوز حالة الغليان التي تشهدها البلاد، خاصة في أعقاب الدعوات التي أطلقها الفنان والمقاول محمد علي، إلا أننا لم نر أي بوادر لأي انفتاح أو تهدئة أو إصلاح سياسي أو إعلامي – أو أي إصلاح من أي نوع- كما يزعمون. وأعتقد أن المعني بالحوارات والتفاهم الذي قد يشير بعضهم إليه هم من تتطابق وجهة نظرهم مع وجهة نظر السيسي، وليس أحد غير هؤلاء.
وتابع: وأنا لا أرى أن هناك أي جدية في الإصلاح أو نية صادقة للتغيير، لأنه لا يوجد أي فهم لفكرة الحكم المدني من الأساس، ومن ثم علينا ألا ننتظر شيئا إيجابيا ملموسا من النظام، ولا نتوقع منه أي مسار إصلاحي لإنهاء الأزمات الراهنة.
وردًا على سؤال حول مدى خوف النظام من الإعلام قال: هذا الأمر مرتبط بالتدريب المهني للحاكم الحالي، وهو الرئيس عبد الفتاح السيسي، فالرئيسان الراحلان جمال عبدالناصر وأنور السادات كان لديهما شغف وحب للسياسة، فقاما بانقلاب عسكري ووصلا للسلطة وأنشأا أشكالا رديئة كالتنظيم الطليعي، والحزب الوطني، وحزب مصر، والمنابر، إلا أنهما كانا يعملان بالسياسة، وكانا لديهما قدر ما من الفهم والإدراك بغض النظر الاختلاف معهما.
واستطرد: والرئيس الأسبق حسني مبارك تدرب في الرئاسة لمدة 6 سنوات كنائب لرئيس الجمهورية قبل أن يصبح رئيسا، واستطاع أن يحافظ لاحقا على الشكل والواجهة السياسية، وكان بجواره بعض الشخصيات ذات الخبرات السياسية مثل علي الدين هلال، ومفيد شهاب، وأحمد فتحي سرور، وصفوت الشريف، وغيرهم.
وتابع: بينما الرئيس السيسي جاء من المعسكر مباشرة إلى سدة الحكم، فهذا هو التدريب المهني والخبرة الإدارية الخاصة به، ونحن جميعا نعلم أن انتقاد القائد في طابور الصباح بالجيش أمر غير وارد على الإطلاق، كما أنه من المستحيل أن تتضمن مجلة الحائط الخاصة بمعسكرات الجيش أي شيء غير الجانب المشرق والإنجازات والبطولات.
وهكذا أصبح السيسي لديه موقف صارم وحاد جدا من كل من له موقف أو رأي قد يخالف أو يتحفظ على سياسة المدرسة الإدارية التي نشأ وترعرع فيها، فقد التحق السيسي بالمدرسة الإعدادية العسكرية عام 1970 ثم انخرط تماما في نظام الإدارة العسكرية وأجاد فيه إلى أن أصبح وزيرا للدفاع، ومن ثم أصبح مؤمنا لأبعد مدى بطريقة الإدارة العسكرية، التي لا مجال فيها بأي شكل من الأشكال للحريات الإعلامية أو المجتمع المدني أو العمل السياسي.
وعن موقف السيسي مع الإعلام قال: السيسي غير متصالح مع الإعلام بشكله الراهن، وحين تعيد مشاهدة حديثه الذي تشير إليه تجد أنه لم يقل أي شيء، فكيف سيصبح الإعلام أفضل خلال عامين أو ثلاثة، وما هو مفهوم “الأفضل” من منظور السيسي؟ وأنا شخصيا شاهدت تصريحاته تلك أكثر من مرة ووجدت أنه لم يعط أي تصور أو رؤية ما لإصلاح الإعلام.
أما عن إدارة الملف الإعلامي بمصر فقال: بشكل عشوائي وفوضوي يدار ملف الإعلام، ويتم وضع أشخاص بعينهم في أماكن من العمل بانتظام وبشكل ممنهج على إعاقة وإفشال الإعلام، فعلى سبيل المثال يتم تصعيد مكرم محمد أحمد، وكرم جبر، إلى رئاسة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ورئاسة الهيئة الوطنية للصحافة، رغم أنه تم طرد الأول من نقابة الصحفيين عقب اندلاع ثورة يناير، والثاني من صحيفة روز اليوسف، وهما عادا للانتقام من الإعلام، ومكرم بالتحديد خارج الصلاحية تماما، ولديه حقد وكراهية كبيرة جدا للإعلام المهني والموضوعي، وقد تحوّل إلى شكل صادم بعدما عاد مُجدّدا للمشهد الإعلامي.
وقد تم تعيين مكرم وجبر بعدما أقر الرئيس السيسي مجموعة من القوانين في عام 2018، وأعطى لنفسه وللسلطة التنفيذية صلاحية اختيار قيادات الهيئتين التنظيميتين: الهيئة الوطنية للإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة. وتقوم الهيئتان بتعيين المسؤولين الإداريين كافة، ورؤساء تحرير المؤسسات ووسائل الأعلام المملوكة للدولة، مثل الإذاعة الرسمية، وتلفزيون الدولة، ومؤسسات الصحافة، ووكالة الأنباء الرسمية، بالإضافة إلى أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يعطي السلطة التنفيذية حق تقييد حرية وسائل الإعلام بشكل قانوني.
والتدخل المخابراتي في ملف الإعلام اتضح بشكل جلي من خلال إنشاء شركات ووسائل إعلام جديدة، ثم من خلال شراء وسائل الإعلام الخاصة القائمة لتقليص نفوذ ملاكها.
ومنظومة الإعلام تعرضت خلال السنوات الماضية إلى أكبر وأخطر عملية تغيير ممنهجة، لتصبح تحت هيمنة أجهزة المخابرات التي تفرض سيطرتها على كل المنابر الإعلامية والمنصات الأكثر تأثيرا، ويمكننا القول إنه تم تأميم الإعلام، بعدما جرت عمليات استحواذ واسعة النطاق لصالح المخابرات وعبر استخدام شخصيات بعينها كواجهات مدنية تمثلت في شركات وصناديق استثمار، وتمكنت من شراء العديد من القنوات والصحف والمواقع من ملاكها الأصليين مستخدمة أساليب الترغيب والترهيب.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات