شهدت العلاقة بين مصر وحركة حماس مؤخرًا تحولًا لافتًا تمثَّل في توصُّل الطرفين لسلسلة تفاهمات حول تعزيز التعاون الأمني وتنظيم الإشراف المشترك على الحدود بين القطاع وشمال سيناء، إلى جانب التزام القاهرة باتخاذ إجراءات لتخفيف آثار الحصار المفروض على القطاع.
بحسب تقرير لصحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية، فإن كلا من مصر و«حماس» تعملان سويا على وضع اللمسات النهائية على اتفاق من شأنه أن يعيد فتح معبر رفح الحدودي الحيوي لغزة، ما يسمح للمعونات بالعبور إلى القطاع الذي هو في حاجة ماسة إليها، وتمكين المزيد من سكانه من السفر.
ويعكس الاتفاق تغير الديناميكيات في المنطقة، ويأتي بعد تحرك مصر ودول الخليج لكبح جماح قطر؛ أكبر مانح للمشاريع في غزة والداعم القوي لحماس.
وكانت السعودية والإمارات والبحرين ومصر قد فرضت حصارا إقليميا على قطر واتهمتها برعاية الإرهاب ودعم الجماعات الإسلامية مثل حماس.
وقد تم التوصل إلى اتفاق خلال محادثات توسط فيها محمد دحلان، رئيس الأمن السابق في قطاع غزة، الذي أطيح به بعدما اندلع صدام عنيف بين حماس و«فتح»؛ منافستها الفلسطينية، قبل عقد من الزمان.
ويعيش دحلان في المنفى في الإمارات العربية المتحدة التي أيدت الاتفاق بين القاهرة وحماس.
وجاء ذلك بعد أن تعهد الرئيس الأمريكي ترامب بالتوسط في «صفقة القرن»، لإنهاء الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، وسيكون مصير غزة وسكانها، البالغ عددهم 2 مليون نسمة، عاملا حاسما في أي اتفاق.
ومؤخرا زار «جاريد كوشنير»، صهر الرئيس الأمريكي، رام الله في الضفة الغربية المحتلة والتقى محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية، كما التقى بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الكيان الصهيوني في إطار ما يسمى بالجهود الدبلوماسية التي تبذلها واشنطن.
وتظهر تفاصيل الصفقة التي سيتم بموجبها فتح معبر «رفح» مع مصر، بعد إغلاقه خلال معظم الأعوام الأربعة الماضية، في تصريحات أدلى بها سياسيون فلسطينيون, كما زار مسؤولون من «حماس»، من بينهم الزعيم الجديد للحركة في غزة، «يحيى السنوار»، القاهرة 3 مرات في الأشهر الأخيرة للاتفاق على التفاصيل.
وأكد «محمود الزهار»، عضو المكتب السياسي لحماس، اللقاءات بين أعضاء «حماس»، و«دحلان»، الذي يقسم وقته بين أبوظبي والقاهرة.
وتحدث مسؤولون فلسطينيون آخرون عن إعادة فتح معبر رفح، وبينوا تفاصيل إضافية عن الصفقة، بما في ذلك التعويض المحتمل لعائلات القتلى في الاشتباكات بين «حماس» و«فتح» عام 2007.
ومع ذلك، لا يزال الفلسطينيون متشككين، لأن المنطقة لديها تاريخ حافل من الاتفاقات التي تنهار قبل أن تبدأ.
وكان لدى حماس علاقة متوترة مع القاهرة منذ أن أطاح عبد الفتاح السيسي بالرئيس د.محمد مرسي عام 2013، بانقلاب عسكري دموي, واتخذ خطوات لعزل الحركة الفلسطينية، التي تعتبر فرعا من جماعة الإخوان المسلمون، التي ينتمي إليها د. محمد مرسي.
ثم قامت مصر بتجريف الأنفاق الواقعة على الحدود التي تُستخدم لنقل البضائع، وأغلقت معبر «رفح» الحدودي فوق الأرض أمام الجميع، إلا عددا هزيلا بشكل متفرق من الفلسطينيين الذين سعوا إلى مغادرة غزة.
تحول في العلاقات
ومع ذلك، يبين عقد اجتماعات القاهرة تحولا في العلاقات الإقليمية، كما أصبحت حماس أكثر عزلة، وتحتاج إلى رعاة جدد، وتريد الإمارات التي أصبحت أكثر جرأة في سياستها الخارجية، ومصر مواجهة نفوذ الجماعات الإسلامية، وقال محللون إنهما تريدان أيضا التمهيد لخليفة زعيم السلطة الفلسطينية؛ محمود عباس، البالغ 82 عاما.
وقال مسؤولون فلسطينيون إن مصر تقوم حاليا بتحسين جانبها من معبر رفح الحدودي، بإضافة كاميرات مراقبة ومعدات أمنية أخرى قبل إعادة فتحه.
وقال المسؤولون إن الإمارات ستقدم تمويلا بقيمة 15 مليون دولار شهريا لخدمات الصحة والتعليم والكهرباء وغيرها من الخدمات في القطاع.
ومن شأن الترتيبات الجديدة أن توفر الإغاثة لحماس وسكان غزة، بعد أن توقف عباس عن دفع مقابل الكهرباء إلى القطاع، وخفّض رواتب موظفي الخدمة المدنية في فتح، وضيق على تصاريح السفر للأشخاص الذين يحتاجون إلى المغادرة لتلقي العلاج الطبي.
وسيمثل إعادة تأهيل دحلان في دور رسمي أو شبه رسمي ضربة قوية لعباس، الذي اتهم من قبل دحلان؛ رئيس الأمن السابق, بالتآمر للإطاحة به، وقد طرد دحلان من الضفة الغربية عام 2011 بعد تلك الادعاءات.
ومن المنفى، كان دحلان، البالغ من العمر 55 عاما، يمول بعض المشروعات الإنسانية في غزة، فى خطوة اعتبرت محاولة لبناء قاعدة لمحاولة مستقبلية للوصول إلى الرئاسة الفلسطينية، وقد سمح لزوجته بزيارة القطاع عبر مصر، وقد طرح المسؤولون المقربون منه فكرة عودة بعض مساعديه قريبا.
ثلاث أسباب للتقارب بين مصر من حماس
تساؤلات عديدة حول ماهية المسوغات التي دفعت مصر للتقارب مع حماس، تزامنا مع تفجر الأزمة الخليجية، التي أسفرت عن تدشين محور إقليمي معادٍ لقطر، يضم مصر وتقوده السعودية، التي جاهر وزير خارجيتها، عادل الجبير، باعتبار حركة حماس تنظيمًا إرهابيًّا وطالبَ الدوحة بقطع علاقتها مع الحركة كأحد شروط هذا المحور لإنهاء الأزمة.
د. صالح النعامي الباحث بمركز الجزيرة للدراسات يرى ثلاثة أسباب رئيسة وراء التحول الذي طرأ على موقف مصر ـ تحديداـ من حركة حماس، وتُمثِّل التقاء مصالح بين الجانبين حفزت التوصل للتفاهمات، ويمكن إيجازها في التالي:
أولًا: تدهور الأوضاع الأمنية في شمال سيناء وتعاظم المؤشرات على فشل الجيش وقوى الأمن المصرية في مواجهة عمليات تنظيم “ولاية سيناء”، وإدراك القاهرة الحاجة الماسَّة لتعاون حماس وأجهزة حكومتها الأمنية لتقليص هامش الحركة أمام أعضاء التنظيم من خلال تشديد الإجراءات الأمنية على الحدود، مقابل إقدام القاهرة على خطوات لتخفيف مظاهر الحصار عن القطاع.
وتكمن أهمية إسهام حماس في تحسين الأوضاع الأمنية في شمال سيناء، حسب وجهة نظر القاهرة، انطلاقًا من التقديرات الاستخبارية المصرية التي تدَّعي أن عناصر السلفية الجهادية يتسللون من غزة إلى شمال سيناء عبر الأنفاق، ويشاركون في تنفيذ عمليات ضد الأمن المصري، إلى جانب حصول “ولاية سيناء”، على أسلحة نوعية مصدرها قطاع غزة، كان لها دور كبير في إلحاق خسائر كبيرة بالجيش المصري.
أسفرت اللقاءات التي جمعت قادة حماس في قطاع غزة بكبار مسؤولي جهاز الاستخبارات العامة المصري عن تفاهم يقضي بأن تقوم أجهزة حماس الأمنية بتدشين منطقة أمنية على طول الحدود مع شمال سيناء لتقليص فرص تسلل “العناصر الإرهابية” عبر الحدود؛ حيث تم بالفعل إنجاز تدشين المنطقة.
وتم الاتفاق على اتخاذ إجراءات مشتركة لمراقبة الأنفاق التي تربط شمال سيناء بالقطاع، والتي لا تزال تعمل حتى الآن. وعلى الرغم من عقد عدد كبير من اللقاءات بين المسؤولين الأمنيين في الطرفين، إلا أنه لم يتم التوصل لتفاهمات بشأن بعض القضايا الخلافية، سيما مطالبة القاهرة حماس بتسليم 35 شخصًا فرُّوا إلى قطاع غزة ومطلوبين للتحقيق في مصر؛ حيث إن حماس ترفض بشدة التسليم.
وفي مقابل، ذلك التزمت مصر بإدخال الوقود لتشغيل محطة توليد الكهرباء الوحيدة في قطاع غزة، إلى جانب تقديم التزام بإعادة فتح معبر رفح بشكل شبه دائم.
وهناك ما يدلِّل على أن ما حفز حماس للتعاون مع الجانب المصري حقيقة أن حالة من العداء تسود العلاقة بين الحركة وجماعات “السلفية الجهادية” بشكل عام؛ فقد أصدر تنظيم “ولاية سيناء” مؤخرًا تسجيلًا صوتيًّا “كفَّر” فيه الحركة بسبب إجراءاتها ضد عناصر الجماعات السلفية الجهادية في القطاع.
ثانيًا: رغبة سلطة الانقلاب في مصر وأطراف عربية أخرى في توفير الظروف أمام دحلان لخلافة عباس في رئاسة السُّلطة. وبالفعل تم الكشف عن تحركات إقليمية واسعة قادتها مصر بالتعاون مع كل الإمارات والأردن لتمكين دحلان من الوصول إلى قيادة السلطة، عبر إقناع رئيس السلطة، محمود عباس، بطي صفحة الخلاف الشخصي والتصالح معه والسماح بعودته للضفة الغربية والانخراط مجددًا في الجسم القيادي لحركة “فتح”.
وأدى الرفض الصارم من عباس وقيادات “فتح” في الضفة للتصالح مع دحلان والسماح بعودته للضفة إلى توتر شديد بين سلطة الانقلاب في مصر وقيادة حركة “فتح”.
ونتاج ذلك، باتت العودة إلى قطاع غزة المسار الوحيد الذي يمكن أن يعزِّز فرص دحلان للوصول إلى قيادة السلطة، سيما أن قطاعًا معتبرًا من جماهير حركة “فتح” في قطاع غزة لا يزال يؤيده.
ومن أجل تعزيز مكانة دحلان منحته مصر الحق الحصري في التوسط بينها وبين حماس والمشاركة بشكل مباشر في التوصل للتفاهمات معها.
وفي المقابل، توصلت حماس لتفاهمات مع دحلان، وافقت ضمنها على السماح لأنصاره بالعمل في القطاع، ومنح عدد من قيادات تياره الإذن بالعودة للقطاع، ورحبت بإحياء أنشطة “لجنة التكافل” التي ترأس مجلس إدارتها جليلة دحلان، زوجة دحلان، والتي تعنى بتوفير تمويل مشاريع صغيرة في القطاع.
وهناك في إسرائيل من يدَّعي أن تحرك مصر الهادف إلى إعادة دحلان إلى دائرة التأثير على الساحة الفلسطينية من خلال عودته لغزة يتم بتنسيق إسرائيلي.
ثالثًا: تفاقم الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة بشكل غير مسبوق، سيما في أعقاب العقوبات التي فرضها عباس على قطاع غزة ردًّا على رفض حماس حلَّ “اللجنة الإدارية” التي شكَّلتها لإدارة شؤون قطاع غزة، لكن أخطر الإجراءات التي أقدم عليها عباس تمثَّل في تقليص إسهام السلطة في سدِّ فواتير إمدادات الكهرباء التي تحصل عليها غزة من إسرائيل.
فقد حملت الخطوة التي أقدم عليها عباس في طياتها إمكانية حدوث كوارث على المستوى الصحي والبيئي، ناهيك عن أنها أثَّرت بشكل سلبي على المزاج العام، ما جعل قيادة حماس في غزة معنية بتأمين مصدر آخر لتعويض النقص في إمدادات الكهرباء مما جعلها معنية بالتوجه إلى مصر عبر بوابة دحلان.
وجاء التقارب بين مصر وحماس بعد أن شهدت العلاقة بين الجانبين الكثير من مظاهر التوتر والعداء منذ أن وصلت حماس للحكم في أعقاب الانتخابات التشريعية التي نُظِّمت عام 2006؛ والتي بلغت ذروتها في إصدار القضاء المصري قرارين باعتبار حماس وجناحها العسكري تشكيلين إرهابيين، وإصدار محاكم في القاهرة أحكامًا بالإعدام والسجن على قيادات عسكرية في الحركة بزعم إدانتهم بارتكاب عمليات مسَّت بالأمن المصري (بعضهم مسجون في سجون الاحتلال!)، إلى جانب شنِّ الدوائر الرسمية ووسائل الإعلام المرتبطة بنظام الحكم في القاهرة حملات دعائية ضد الحركة واتهامها بالتسبب في تدهور الأوضاع الأمنية في سيناء.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات