أين أنت من قيام الليل وقراءة القرآن في أيام العشر؟

يقول الصالحون: دقائق الليل غالية، فلا ترخِّصوها بالغفلة، وأغلى ما تكون دقائق الليل في الأيام والليالي الفاضلة.

في هذه الأيام والليالي المباركة ينادي رب العزة المتأخرين ليتقدموا، والمقصرين لينشطوا، ومن فاتته الحسنات فيما مضى فليدرك نفسه ويعوِّض خسارته في هذه الأيام بقيام الليل، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مُّحْمُودًا﴾ (الإسراء: 79) ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ* قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أو انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً* أو زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ (المزمل: 1- 4) ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ (المزمل: 20)، فهل تحب أن تكون مع الطائفة التي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

هل تحب أن تدخل في هذه الآية التي خُتمت بالمغفرة والرحمة؟

كلما أوغلت في الليل كان القيام بين يدي الله ألذَّ لك، حيث يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ (أخرجه الشيخان).

إذا وجدت قدميك خفيفتين إلى صلاة الليل؛ فاعلم أن هذه علامة حب الله لك، إذ لولا أنه يحبك لما جعلك أهلاً لمناجاته, أخرج ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: “مَا تَوَطَّنَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ الْمَسَاجِدَ لِلصَّلاَةِ وَالذِّكْرِ إِلاَّ تَبَشْبَشَ اللَّهُ لَهُ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ”.

فليكن لنا نصيبٌ موفورٌ من هذا الخير في هذه الأيام المباركة.

ولا بأس بالاعتكاف بعض هذه الأيام في المسجد، أو حتى اعتكاف بعض الساعات، فقد أخرج عبد الرزاق عن يعلى بن أمية قال: “إني لأمكث في المسجد الساعة، وما أمكث إلا لأعتكف”.

وأخرج عن عطاء قال: “هو اعتكاف ما مكث فيه، وإن جلس في المسجد احتساب الخير فهو معتكف، وإلا فلا”.

فمن تيسر له قضاء بعض الوقت أو الجلوس بضع ساعات في المسجد فليستحضر نية الاعتكاف، والله نسأل أن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه.

أين أنت من القرآن في أيام العشر!

القرآن كلمة الله الخالدة، ليس مجرد مجموعة من الحروف والكلمات، ولكن وراء كل حرف روحٌ تُحيي القلوب الميتة، وتُطَمْئِن النفوس القلقة المضطربة.

فهلمُّوا إلى مائدة الله.. أرأيتم لو أن أحد الملوك صنع مائدةً، ودعا الناس إليها، ولم يمنع منها أحدًا، ألا يكون المتخلف عنها عظيم الخسارة؟ الذي يُسمح له أن يجلس على موائد الملوك، ثم يأبى إلا أن يعيش بين الصعاليك، أيعدُّ من العقلاء؟

هذا ربُّك قد بسط لك مائدتَه، وأنت حين تقرأ القرآن فإنك تلتمس روحًا تغذي قلبك إيمانًا ويقينًا. إن كنت قلقًا فتحت كتاب الله فإذا به يناديك ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ (الرعد: 28)، إن ضاقت بك الحال واشتدَّ عليك الأمر ويَئِسْتَ من الفلاح فتحت كتابَ الله فنادَى عليك ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: 47)، ووجَّهك إلى ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ (يوسف: 87).

إن كنت عصبيَّ المزاج لا تعرف كيف تضبط أعصابك، وفتحت القرآن، وجدته يناجيك ﴿خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: 199).

إن كنت مذنبًا فتحت القرآن فيناديك الحق ﴿فَمَن تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (المائدة: 39).

هذا القرآن ربَّى جيلاً لم ترَ الدنيا مثلَه، في أخلاقهم، في سموِّهم، في عقولهم، في عطائهم.. فهل نغتنم أيام النفحات المباركة لنغذِّيَ أرواحَنا وقلوبَنا من مائدة القرآن المباركة؟!

 

شاهد أيضاً

يوم عرفة.. أسرار وفضائل

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتمّ علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينًا، وصلاة وسلامًا …