لماذا تستعين المخابرات المصرية بشركات أمريكية لتحسين الصورة؟

بعد تقارير إعلامية نشرت مؤخرا عن قيام جهاز المخابرات العامة المصرية بالتعاقد مع اثنين من شركات العلاقات العامة الأمريكية في واشنطن من أجل تحسين صورة النظام المصري كان سؤال المتابعين هو (لماذا المخابرات؟ ).

تُظهر البيانات المنشورة على موقع وزارة العدل الأمريكية، بتاريخ 28 يناير2017، والتي اعتمدت عليها وكالة أسوشيتد برس للأنباء، أن جهاز المخابرات العامة المصرية عيَّن شركتي علاقات عامة أمريكيتين وهما ويبر شاندويك، وكاسيدي وشركاه لأداء هذه المهمة، وفقا لما ذكرته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية.

وتبلغ قيمة العقد المبرم مع ويبر شاندويك ما لا يقل عن 1.2 مليون دولار سنوياً، مُقسطة إلى 300 ألف دولار كل ثلاثة أشهر.

فيما تبلغ قيمة عقد شركة كاسيدي وشركاه 600 ألف دولار سنوياً، يدفع منها 150 ألف دولار كل ثلاثة أشهر.

ويأتي الكشف عن التعاقد في إطار قانون أمريكي يلزم الشركات بالإعلان عن تسجيل التعاقدات مع العملاء الأجانب والمعروف اختصارا باسم فارا (FARA).

ويظهر التعاقد أن الشركتين ستساعدان الحكومة المصرية في الترويج للشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة ولدور مصر في إدارة المخاطر الإقليمية وتسليط الضوء على التطورات الاقتصادية في البلاد وعرض جهودها فيما يخص المجتمع المدني.

ووفقا لقانون فارا الذي ينظم عمل شركات الضغط (اللوبي) مع الحكومات الأجنبية، يُطلب من جميع الشركات التي تنفذ هذه الأنشطة داخل الولايات المتحدة إرسال نسخة من العقد المالي إلى وزارة العدل الأمريكية، وكذلك سجل موثق لكافة أنشطتها واتصالاتها سواء كانت سياسية أو شبه سياسية.

غير مسبوق وغير تقليدي

لكن الشيء غير المألوف أن تتصدى المخابرات المصرية لهذا التعاقد, ما يثير التساؤل: هل تجهل المخابرات أن الأمر سيتم كشفه؟ وإذا كانت تعلم فما غرضها من ذلك؟

خطوة غير مسبوقة للحكومة المصرية، التي توفد بشكل تقليدي السفارة المصرية في واشنطن لوضع اللمسات الأخيرة لتلك العقود، وتكون موقعة من قبل السفير المصري، ممثلا لحكومته, لكن هذين العقدين وقهما اللواء ناصر فهمي، نيابةً عن اللواء خالد فوزي، مدير المخابرات العامة.

هناك أيضا عدة ملاحظات بحسب ميدل إيست مونيتور:

الأمر الأول: بشأن توقيت العقد، 18 يناير2017، أي قبل يومين فقط من تولي الرئيس الأمريكي ترامب منصبه.

وهذا يعني أن عملية البحث، وتحديد الشركتين، والتفاوض معهما تمت عندما فاز ترامب في الانتخابات في 8 نوفمبر2016  أو ربما في وقت سابق بالتعاون مع الحليف الإماراتي، وقد يكون مرتبطا كذلك بالزيارة المرتقبة لعبد الفتاح السيسي لواشنطن.

الأمر الثاني: أن التعاقد مع الشركتين جاء بعد عقد آخر عقدته الحكومة المصرية ومثلتها فيه سفارتها في واشنطن مع مجموعة “جلوفر بارك” لتوظيف حملات الضغط في واشنطن لسنواتٍ عديدةٍ.

ويعود توقيع هذا العقد إلى أكتوبر 2013 وتكلف 3 مليون دولار دفعتها الإمارات.

 

منافسة بين جهتين سياديتين

قد تشير الخطوة الأخيرة للمخابرات العامة إلى وجود منافسة بين وزارة الخارجية وأجهزة الاستخبارات، والتي تشعر بالإحباط من أداء موظفي الدولة وعدم قدرتهم على الترويج لسياسات الحكومة لدى الحكومات والمستثمرين الأجانب.

وفي هذا السياق يوجد 3 تساؤلات:

الأول: هل ينهي العقدان الجديدان اللوبي السابق، الذي كان يمثله جلوفر بارك، القريب من الديمقراطيين، وبالتالي، فإن التعاون معها لن يكون مثمرا بالنظر إلى أن الجمهوريين أصبحوا المتحكم في البيت الأبيض والكونجرس.

الأمر الثاني: هل كان هناك تقييم سلبي من الجانب المصري (أو الإمارات) بشأن فعالية مجموعة جلوفر بارك في التأثير على صانع القرار السياسي في الولايات المتحدة؟

أما الثالث: فهل مصر تعتقد أن زيادة عدد الشركات المتعاونة في واشنطن سيؤدي لمزيد من الجهود والضغوط في الولايات المتحدة؟

في هذا السياق يوجد سيناريوهان:

الأول أن جهاز المخابرات العامة المصرية لم يكن على علم بالقوانين والأعراف الأمريكية التي تنص على نشر هذه العقود والتفاصيل بشكل علني.

وفقا لذلك، فإن نشر هذه الوثائق قد يشكل مفاجأة غير سارة لجهاز المخابرات الذي لم يخطط لذلك أو يضعه في الاعتبار.

ثانيا: يعرف المسؤولون بجهاز المخابرات لوائح قانونfara  لكنهم لم يهتموا بنشر تفاصيل العقود, وربما قصدوا ذلك لإرسال رسالة للسيسي مفادها أن المخابرات العامة قوية في واشنطن, وتسليط الضوء على ضعف وزارة الخارجية في تنفيذ أعمالها.

هل ستقوم الشركتان بمساعدة الدبلوماسيين المصريين في واشنطن، والتنسيق معهم، وإرسال تقارير دورية منتظمة لهم وتقديم النصح والمشورة أم أن اتصالهما سيكون فقط مع المخابرات العامة؟

هل يتعلق الأمر بصراع محتمل بين المخابرات ووزارة الخارجية؟ وهل الصراع بهدف إرضاء الرئاسة أم غير ذلك؟

 

منافسة سياسية أم أدوار موازية؟

الباحث والناشط الموريتاني الأمريكي ناصر ودادي كتب، على موقع تويتر قائلاً: “يتعلَّق الأمر بمنافسةٍ سياسيةٍ داخليةٍ بين جهاز المخابرات ووزارة الخارجية. ويُعد تدخُّل المخابرات بنفسها خطوةً متأخرةً لجذب المستثمرين وطمأنة الخارج، وهي مهمات فشلت وزارة الخارجية في إنجازها.

وأجهزة المخابرات تقوم بدور وزارة موازية للشؤون الاقتصادية والخارجية”.

بينما رأى آخرون جهود الضغط التي تسعى المخابرات المصرية إلى توظيفها بأنها مؤشرٌ على تشرذم قوات الأمن المصرية، ومحاولةٌ من قِبَل المخابرات لاستغلال واشنطن لكسب أفضلية على آخرين منافسين لهم, فهل يتعلق الأمر بالمخابرات العسكرية التي ينتمي إليها السيسيي؟

يقول الباحث تيموثي قلدس، بمعهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط، لموقع باز فيد: “أشعر بالفضول لرؤية ما إذا كانت جهود حملات الضغط ستركز على تحسين سمعة جهاز المخابرات العامة في مقابل سمعة الدولة المصرية.

إن عمل العديد من المؤسسات من أجل تحسين سمعتها الشخصية أمر لافت. وتوزِّع وزارة الداخلية، أو الجيش، أو جهاز المخابرات العامة المساعدات الغذائية بأنفسها بدلاً من توزيعها باسم الدولة المصرية.

إن قدرتهم على الوصول إلى إدارة ترامب قد تزيد من قوتهم في مواجهة المؤسسات الأخرى في الدولة”.

فيما يرى المحلِّل مختار عوض، بجامعة جورج واشنطن أن الحكومة المصرية تعتقد أن علاقتها بالولايات المتحدة قد تدهورت بسبب العلاقات العامة السيئة وعدم قدرتها على نشر روايتها عن الأحداث”.

وأضاف: “إنهم ينفقون المزيد من الأموال لدعم هذا التوجه ويبدو أن هذه السياسات آخذة في التوسّع”.

يشار إلى أن الخارجية الأمريكية أدرجت مصر ضمن تقريرها السنوي عن انتهاكات حقوق الإنسان مؤخرًا, فيما دافعت مصر عن نفسها وقالت إنها تواجه خطراً إرهابياً حقيقياً، وإنه لا يمكن الحكم عليها وفقاً للمعايير الغربية.

وذكر تقرير الخارجية الأمريكية أن “الاستخدام المفرط للقوة من قبل قوات الأمن، والعجز عن حماية حقوق الأفراد، وقمع الحريات المدنية تعد من أهم مشكلات ملف حقوق الإنسان في مصر”.

وأضاف التقرير أن الانتهاكات التي ترتكبها الحكومة المصرية تشمل “الاختفاء القسري، وعمليات القتل غير القانونية والتعذيب”.

ولا زالت مصر تحاول التعافي اقتصادياً بعد ثورة الربيع العربي في عام 2011، التي أطاحت بالرئيس المخلوع حسني مبارك، وتلا ذلك انقلاب الجيش على الرئيس المُنتَخَب في انتخاباتٍ حرة محمد مرسي، وتعتمد البلاد على القروض الأجنبية والمساعدات لتحقيق هذا التعافي.

 

جيروزاليم بوست تجيب

رسم كاريكاتوري على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر مصريا يغرق، ويده فقط تظهر فوق الماء تلوح طلبًا للمساعدة، وفي اللقطة الثانية يسبح عبد الفتاح السيسي ليأخذ ساعة يد الرجل ويتركه يغرق .. صورتان تكفيان بحسب تقرير لـ ” جيروزاليم بوست” للإجابة عن سؤال:  لماذا تعين المخابرات العامة المصرية شركات أمريكية لتحسين الصورة؟!

يرصد الكاريكاتير نفسية الإحباط والغضب بين المصريين الذين يئنون من زيادات الضرائب، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وخفض الدعم الحكومي، ويخشى البعض من تكرار اندلاع احتجاجات جماعية.

ووصل التضخم الأساسي لأعلى مستوياته في 7 سنوات، بالقرب من 14%، بالإضافة إلى الأزمة الحادثة بسبب نقص النقد الأجنبي وارتفاع الرسوم الجمركية في بلد يستورد كل شيء، من السكر إلى السيارات الفاخرة.

ورفعت الحكومة أسعار الكهرباء بنحو 25 إلى 40% في أغسطس 2016، وبدأت بتطبيق ضريبة القيمة المضافة بالتدريج بقيمة 13%.

وكجزء من الإصلاحات الرامية لتحقيق شروط الحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي لسد العجز الضخم في الميزانية، من المتوقع أن تقوم الحكومة برفع الدعم عن البنزين وخفض قيمة الجنيه، وهو ما سيؤدي لدورة جديدة من التضخم في مصر، التي يعتمد فيها عشرات الملايين من الناس على الخبز المدعم من الدولة.

وحاولت الحكومة كسب تأييد الرأي العام للإجراءات التقشفية من خلال حملة إعلامية واسعة ولوحات على الطريق، مع وعد بتوسيع برامج الضمان الاجتماعي لحماية الفئات الأشد فقرًا من ارتفاع الأسعار.

لكن العديد من المصريين الذين لن يكونوا مؤهلين لمثل هذه البرامج يشكون أنّهم لم يعودوا يستطيعون شراء اللحم، في الوقت الذي دفع فيه النقص الحاد في السكر لتوقع أزمة غذائية قادمة.

وكانت العدالة الاجتماعية أحد الشعارات الرئيسية في ثورة 2011، التي أنهت حكم حسني مبارك.

وبعد 3 سنوات من انقلاب السيسي، واستحواذه على السلطة، يتحقق أنّ وعوده بإعادة الاستقرار كانت سرابًا.

 

لا إجابات سهلة

من جانب الحكومة، فإنّ الحاجة لإصلاحات اقتصادية والحصول على موافقة صندوق النقد الدولي على حزمة قروض مدتها 3 سنوات، صارت ملحة وواضحة.

ومن المتوقع أن يبلغ النمو الاقتصادي لمصر 3.5 % لعام 2016/2017 وفق ما أظهره استطلاع لرويترز، مبتعدًا عن هدف 5 % الذي أعلنته الحكومة سابقًا، ومنخفضًا عن معدل النمو للعام الماضي.

ويقترب عجز الموازنة من نسبة 10% من الناتج الوطني. وتسبب النقص الحاد في النقد الأجنبي في صعوبات أمام المؤسسات والشركات التي تقوم بعملية الاستيراد، وصعب على المستثمرين الأجانب تحويل الأرباح, والبعض منهم أغلق فقط بعد عامين من تشديد ضوابط رأس المال والاستيراد.

وأدى تقنين الدولار في البنوك التجارية لاتجاه أصحاب الأعمال نحو السوق السوداء.

وعلى الرغم من أنّ سعر الدولار في السوق السوداء يؤثر بالفعل على القطاع الخاص بشكل كبير، فإنّ تخفيض سعر الجنيه سيكلف الحكومة كثيرًا، لأنّها تستورد شهريًا آلاف الأطنان من السلع الأساسية مثل القمح وزيت الطعام، وكذلك الغاز الذي تدعم به محطات توليد الكهرباء.

 

نظام السيسي بلا رؤية

في خطاباته، حاول «السيسي» إقناع المصريين أنّ التضحية الجماعية مطلوبة لإنقاذ البلاد من الانهيار الاقتصادي، حتى أنّه قد طالب الشعب بالتبرع بـ «الفكة»، وهو ما أثار العديد من التعليقات الساخرة على الإنترنت.

لكنّ «السيسي» الذي يضطهد الإخوان، وسجن المعارضين من العلمانيين أيضًا، توعّد وحذّر من إمكانية انتشار الجيش في البلاد في 6 ساعات في حال وقوع اضطرابات في الشوارع.

الخوف من المستقبل ليس مقتصرا على المصريين الأشد فقرًا، ولكنّهم أكثر المتضررين، فرجال الأعمال أيضا يعانون يوميًا مع أزمات الدولار، التي تعوق تصريف أعمالهم.

ويقول «أشرف مرقص» الذي يدير شركة استيراد وتصدير: «إنّ أزمة الدولار سيئة للغاية، وتتسبب في تراكم البضائع في الميناء لوقت طويل ولا يمكنك إخراجها، الدولارات غير متوفرة، والوضع يتدهور».

ويضيف «مرقص»: «هذه الحكومة لا تمتلك رؤية، ولا تقدم شفافية حول سياساتها، والناس لا يحتاجون لخطابات، الناس يحتاجون توفير حاجاتهم الأساسية من طعام وشراب».

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …