لم يعد عند الأردن ما يقدمه للإدارة السعودية الجديدة

ضجر وغضب أردني من تجاهل السعودية للاحتياجات الأردنية الحيوية؛ ماليا واقتصاديا واستثماريا بصورة تثير الكثير من علامات الاستفهام, مقارنة بالدعم السعودي للسيسي, وحتى لإيفانكا ترامب.
السؤال الذي بات منتشرا في عمان : «لماذا لا يقدم الشقيق السعودي مساعدة, بسيطة في معاييره الرقمية, رغم التحالف الكبير؟ وما سر الصمت الرسمي الأردني إزاء كل هذا التجاهل؟.
مثل هذه التساؤلات لا تناقش علانية بالأردن, وعند افتراض تحلي البعض بالشجاعة ليطرحها على مسؤول أردني نجد هذا الأخير يستدعي كل انشائيات الخطاب الأخوي الذي لا ينفع ولا يتحول إلى آلية منتجة حتى لتبادل المصالح والمنفعة.
عندما اتفقت السعودية مع السلطات المصرية ـ على سبيل المثال ـ  على إقامة مشروع الجسر العملاق بين طرفي البحر الأحمر لم يسأل أي من الجانبين عن مصير منفذ الأردن المائي الوحيد في العقبة حيث ستتأثر سلبا الحركة التجارية المائية وقطاع نقل المعتمرين وتجارة الترانزيت.
المصريون الرسميون يتعاملون مع «التعاون الأردني» باعتباره تحصيل حاصل، وتتحدث القاهرة – بحسب تحليلات ومقالات أردنية – مع عمان فقط عندما يتعلق الأمر بمقايضة مصلحة مباشرة لها مشيرة إلى أن مصر لا تتحدث مع الأردن حتى بشأن ملف عملية السلام, وكل تركيزها منصب على قصة «الأمن القومي المصري» وقطاع غزة وحركة حماس والإخوان المسلمين.
وعندما طُرح مشروع جسر البحر الأحمر العملاق انزعج الأردنيون فأرسل السعوديون رسالة تخدير إذ ظهر الأمير محمد بن سلمان على شواطئ العقبة واعدًا باستثمارات ضخمة تحمي العمل الحيوي لخليج العقبة لكن لا توجد قرينة تدل على أن هذه الاستثمارات ستأتي للعام الثاني على التوالي.
في عمق المشهد يرفض صانع القرار الحكومي الأردني الاستجابة لتلك الاجتهادات التي تستغرب الانغلاق التام على إيران وتركيا لصالح ما يمكن وصفه بالعقدة السعودية في السياسة الأردنية ومجانا وبدون مقابل.
في الإعلام الأردني لا يمكن نقد السعودية بأي شكل أو صيغة, ومن الصعب في الإعلام الرسمي الأردني مناقشة قصة المساعدات أو الاستثمارات التي لم تأت بعد.
حتى عندما يتعلق الأمر بالدبلوماسية والتنويع السياسي الذي يعتبر من حقوق الدول في إطار تبادل المصالح, لا يمكن تطبيق القواعد المعتادة في هذه الحالة.
بنفس الوقت يطالب مسؤولون في الحكومة الأردنية كل من يستفسر عن تأخر المساعدة, أو التضامن السعودي بالصبر, متناسين أن للصبر حدودًا.
وينتقد كثيرون اليوم موقف «التبعية» الذي تظهره الحكومة الأردنية أحيانا للشقيق السعودي دون تحقيق أدنى حد من المصالح.
يمكن بالأثناء رصد المفارقة التالية: لم يعد سرا في عمان أن هناك عجز عن تبرير الموقف الأردني الرسمي الصامت على النكران والتجاهل السعودي, ولا يمكن التعويل على مسألة «تأمين الحدود», فهي ليست أكثر من إسطوانة مشروخة لا معنى لها, لأن الحدود بين أي دولتين يتم تأمينها في الواقع من الطرفين, فلا فضل إذًا للأردن أو للسعودية في واقع أن الحدود بين البلدين «آمنة».
ومن بين ما يطرحه نشطاء أردنيون: ما هي طبيعة «المصالح» التي يقدمها الأردن للإدارة السعودية الجديدة، وهل ينطبق عليها منهجية «المنفعة المتبادلة»؟ .
يجيب أردني آخر على هذا السؤال: قائمة المصالح والخدمات التي لم تعد عمان مصدرها الوحيد على الأقل بالنسبة للشقيق السعودي تطول وفيها الكثير من الغموض العميق سياسيا.
ويسوق مثلا وليس على سبيل الحصر، فالإدارة السعودية الجديدة تقيم اليوم خطوطا مباشرة من الاتصال بإسرائيل عبر قنوات خاصة؛ مرة عبر المدعو أنور عشقي ومرة عبر شخصيات سعودية التقت في لندن مع إسرائيليين.
مشروع صنافير وتيران الذي تحتفي به تل ابيب بالسياق نفسه.
بمعنى آخر لم تعد الخبرة الأردنية في التواصل مع إسرائيل مطلوبة في سوق القيادة الشابة اليوم بالسعودية لأن هذه القيادة تظهر وتحت لافتة الخطر الإيراني المشترك حسا براجماتيا كبيرا يروج لفكرة الاستشعار والتواصل وفي بعض الأحيان تبادل المصالح مع اللاعب الإسرائيلي.
وبالتالي لا تستطيع عمان بيع هذه البضاعة اليوم للجار السعودي ولم يعد مطلوبا من الأردن أن يلعب دور الحاجز الجيوسياسي الذي يباعد المسافة بين الرياض وتل أبيب بالمعنى السياسي والأمني والتطبيعي.
السعودي أيضا يعتقد أن لديه المبادرة العربية التي تشكل أساسا للتورط في مسألة عملية السلام وهي مشروع يعزز الموقع التفاوضي للجانب السعودي ويمكنه من المقايضة والمبادلة وإن إحتاج الأمر أحيانا على حساب القضية الفلسطينية.
مثال آخر؛ طوال ثلاثة عقود كانت الخبرة الأردنية في المجال الحيوي الأمريكي محط أنظار دول الخليج, والقنوات الأردنية مع وزارتي الخارجية والبنتاجون تحديدا وفي بعض الأحيان مع لجان الكونجرس كانت تستعار أو تستخدم .

وفي السابق كان يتردد في الأروقة الدبلوماسية العربية وتحديدا السعودية والخليجية أن للأردن قدرة على التواصل مع بعض المؤسسات العميقة في الولايات المتحدة، ومع قدوم أجيال شابة لإدارة العلاقات الدبلوماسية السعودية برز في الرياض عادل الجبير وأصبح أردنيون يستشيرونه بالشأن الأمريكي بعدما كان يسألهم, وقمة الرياض الإسلامية الأمريكية أعادت ترسيم المسألة فأصبحت إيفانكا ترامب وزوجها أهم من كل الخبرة الأردنية بالنسبة للسعوديين.
بالمحصلة تقلص هامش المكاسب السعودية من الخبرة الأردنية حين يتعلق الأمر بالأمريكيين وهي مسألة في غاية الحساسية وقد تكون من بين الأسباب التي تمنع نخبة الرياض المستجدة من الإصغاء للشكاوى الاقتصادية الأردنية.
الخلاصة أن السعودي يمكنه الاستغناء عن شقيقه الأردني اليوم بعدة مجالات كانت في الماضي حيوية جدا.
قد يفسر ذلك تباطؤ التعاون الاقتصادي والتجاهل الاستثماري لكنه لا يفسر عقدة الخوف الأردني إلا إذا تعلق الأمر بالمغامرات السعودية الاقليمية التي يمكنها وفي أي لحظة ـ من باب الاحتمال ـ المجازفة بالأردن ومصالحه على نحو حرج وانزلاقي.

تحديدا في مثل هذه اللحظة يمكن التصفيق لحكمة «الصبر» وقيمة «الصمت» الأردنية!

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …