قرارات مفاجئة أحيانا وصادمة أحيانا أخرى تلك التي اتخذها عدد من الرموز السعودية مؤخرا بالإعلان عن توقفهم عن الكتابة أو الانسحاب من موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، فتحت باب الجدال وعلامات الاستفهام عن الجهة التي تقف وراء تلك القرارات.
إعلاميون ودعاة ونشطاء وأكاديميون، منهم من قال إنه ينسحب لأجل غير مسمى، ومن قال إنه يتوقف مؤقتا، دون ذكر مبررات منطقية، ومنهم من أعلن أن توقفه جاء استجابة لرغبات وإلحاح أمه!
فالأكاديمي السعودي «أحمد بن راشد بن سعيد التميمي»، أعلن مساء السبت الماضي، توقفه عن التغريد عبر حسابه على «تويتر» تلبية لـ«رغبة أمه».
وقال «بن سعيد» في آخر تغريدة نشرها: «تلبية لرغبة أمي، واستجابة لإلحاحها، فإني أتوقف عن التغريد حتى تأذن لي أمي، أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين؛ كل الحب لإخوتي المتابعين».
وعُرف أحمد بن راشد بن سعيد بنشاطه على موقع «تويتر»، ومقالاته وقصائده في عدة صحف خليجية، إضافة إلى ظهوره الإعلامي عبر قنوات إخبارية أبرزها «الجزيرة».
واشتهر بنقده اللاذع لقناة «العربية»، وإنشائه الحملة الشهيرة «تفكيك الخطاب المتصهين»، وكان لـ«العربية» النصيب الأكبر من تغريداته.
وسبق أن احتجزته السلطات السعودية في يونيو 2016، لساعات بناء على شكوى من قناة «العربية» بزعم الإساءة لها.
جمال خاشقجي يبتعد عن المشهد
وقالت مصادر صحفية إن الديوان الملكي السعودي تواصل مع الكاتب الشهير جمال خاشقجي، وحاول إقناعه بالعودة للكتابة شريطة أن تكون مقالاته داعمة للسياسات الحالية للمملكة، التي يقودها ولي العهد الجديد محمد بن سلمان، لافتة إلى اعتذار خاشقجي وتفضيله الابتعاد عن المشهد الحالي.
وأشار المصادر كذلك إلى أن الديوان الملكي تواصل مع كتاب آخرين تجنبوا الكتابة حول الأزمة الخليجية، وحثهم على دعم مواقف السعودية الحالية.
ورغم أن خاشقجي كان يُوصف دائماً في وسائل الإعلام بأنه مقرب من دوائر الحكم في المملكة، إلا أن الخارجية السعودية أصدرت بياناً، في 18 نوفمبر 2016، تبرأت فيه من تصريحاته؛ حيث أكدت أن الكاتب «لا يمثل المملكة بأي صفة، وما يعبر عنه من آراء تعد شخصية، ولا تمثل مواقف حكومة السعودية بأي شكل من الأشكال».
وجاء بيان الخارجية السعودية، آنذاك، إثر تصريحات لخاشقجي، خلال ندوة في واشنطن، تحدث فيها عن قلق السعودية من دونالد ترامب, (إثر فوزه بانتخابات الرئاسة الأمريكية)، وسياسته المتوقعة في الشرق الأوسط، ووجه انتقادات حادة للأخير.
ويبدو أن موقف السلطات في المملكة لم يتوقف عند حد التبرؤ من خاشقجي، بل امتد إلى منعه من الكتابة، سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أو في الصحف المحلية أو الخارجية، وكذلك منع ظهوره في محطات التلفزة العربية والأجنبية، وفى الندوات والمؤتمرات السياسية؛ الأمر الذي أكده ناشطون وتقارير صحفية متطابقة.
ومما قد يؤكد هذا المنع، أيضاً، أن خاشقجي، المعروف بنشاطه الواسع على موقع «تويتر»، توقف تماما عن التغريد منذ أشهر؛ إذا كانت أخر تغريدة له بتاريخ 18 نوفمبر 2016.
كما أن صحيفة «الحياة» السعودية التي اعتاد أن ينشر فيها مقالاته، لم تنشر مقالا له منذ 19 نوفمبر من العام ذاته، بينما توقفت محطات تلفزة عديدة، كان دائم الظهور بها، عن استضافته، ومن أبرزها قناة «العربية» السعودية شبه الرسمية.
رموز ودعاة يتوقفون دون مبررات منطقية
وعلى خطى التميمي وخاشقجي كان حال رموز ودعاة أعلنوا توقفهم عن الكتابة على «تويتر» بشكل أو بآخر، فمنهم من قال إنه ينسحب لأجل غير مسمى، ومنهم من قال إنه يتوقف مؤقتا، دون ذكر مبررات منطقية.
وقال الدكتور «عمر المقبل»: «للذين شرفوني بمتابعتهم.. توقفت عن التغريد لأجل غير مسمى لبعض الانشغالات العلمية، والله أسأل أن يجعلني وإياهم مباركين أينما كنا».
بينما قال «عبدالله الشهري»: «معشر المتابعين الكرام سأغيب بمشيئة الله فترة قد تطول لإنجاز بعض الأعمال العلمية.. استودعكم الله».
وقال «إبراهيم المديميغ»: «أغادر تويتر مؤقتا وأملي كبير في قيادة العهد الجديد الإفراج عن معتقلي الرأي .. ينتابني شعور بقرب ذلك حفظ الله الوطن آمنا مستقرا مطمئنا متلاحما».
أما الداعية والباحث «بدر العامر» فقال: « أعلن عن توقفي عن الكتابة في تويتر وغيره من مواقع الإنترنت إلى أجل غير مسمى، والله يحفظ الجميع».
بينما قام الشيخ «سعد البريك» الداعية المشهور بحذف حسابه في «تويتر».
الغريب أن هذه الإعلانات تزامنت مع بعضها البعض أو كانت الفروق الزمنية بينها بسيطة، وجاءت في الفترة التي تحدثت فيها مصادر صحفية عن ضغوط ملكية بحق دعاة سعوديين من أجل التغريد ضد قطر، وهو ما يؤكد ما ذهبت إليه المصادر الإعلامية.
وعند اندلاع الازمة الخليجية تواترت أنباء عن حبس داعية شهير، لمدة يومين، وسحب جواز سفره، في إطار ضغوط ضده وآخرين من الدعاة، لدفعهم لمهاجمة قطر عبر حساباتهم.
وفي اليوم ذاته، دشن مغردون على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، وسمًا بعنوان «العريفي معذور»، لمساندة الداعية السعودي الشهير، بدعوى أن تغريداته التي أطلقها تأتي تحت الضغوط، وليست نابعة من قناعته الشخصية.
كما سبق أن استدعت السلطات عددا من المغردين السعوديين المؤثرين في أغلب مناطق المملكة، وحذرتهم من التغريد بخصوص الأزمة الخليجية الحالية، كما أخذت عليهم تعهدات رسمية بعدم التحدث فيها.
وأضافت المصادر أن الداعية الدكتور «ناصر العمر» الذي لم يُعرف عنه مبايعة أي ملك من قبل، كتب مبايعا «بن سلمان» وإن كانت لهجته وكل من «عوض القرني» و«سلمان العودة» (رموز تيار الصحوة) متحفظةً مقارنة مثلا بحماس «عائض القرني» المعروف بدعمه وعلاقته الوثيقة بـ«بن سلمان».
سعيد بن ناصر الغامدي

كما تعرض حساب الداعية السعودي، سعيد بن ناصر الغامدي، للحذف بعد أيام من إطلاقه تغريدة عبر حسابه على «تويتر» حذر فيها من مؤشرات لنقل الهجمة الإعلامية الإماراتية السعودية على تركيا بعد قطر.
إذ لاحظ ناشطون على «تويتر» أنه لم يعد بإمكانهم، اعتباراً من الثلاثاء، الدخول على حساب «الغامدي»؛ حيث تظهر رسالة «الحساب غير موجود» عند محاولة الدخول إليه.
كان «الغامدي»، قال في تدوينته على «تويتر»: «هل سيأتي دور البسوس الاعلامي على تركيا بعد قطر؟ هناك مؤشرات.. والغرب يغلي حقدا وقد ظهر.. وأدوات التنفيذ حانقة وجاهزة! والله غالب على أمره».
ولم يُعرف على الفور ما إذا كان الداعية السعودي قد تعرض لضغوط لغلق حسابه، أم أن السلطات هي من قامت بإغلاق الحساب بعد تقديم طلب لإدارة «تويتر».
فيما أعرب ناشطون عن تضامنهم مع «الغامدي» في مواجهة عمليات تكميم الأفواه في السعودية، والتي لم تعد تستثني كبيراً أو صغيراً.
ومن هؤلاء حساب «سعد بن عيسى البدر» الذي قال لـ«الغامدي»: «معذور يا شيخ خلك ع الصامت، وإن شاء الله تُعبر عن رأيك في الجنة».
فيما اعتبر حساب «obaid mohamad» أن وضع حرية التعبير في السعودية «أصبح أسوأ من كوريا الشمالية».
ما كشفته تلك المصادر برهن صحته وإن كان بشكل غير مباشر، تقرير نشرته صحيفة «الوطن» السعودية بصدر صفحتها الرئيسية هاجمت فيه عددا من الدعاة البارزين بسبب صمتهم حيال الأزمة الخليجية وعدم دعمهم موقف السعودية ضد قطر.
هجوم الصحيفة السعودية على الدعاة، لم يقتصر فقط على صمتهم وعدم دعمهم موقف المملكة ضد قطر، ولكن تضمن ضغوطا مباشرة على هؤلاء العلماء، عندما حاولت الصحيفة وصمهم بما تعتبره «الإرهاب»، من خلال سرد مواقف سابقة لهم للتعامل مع جمعيات قطرية وردت في قائمة «الإرهاب» المزعومة التي قدمتها دول الحصار للدوحة منها جمعية «عيد الخيرية».
وخصت الصحيفة بالنقد كلا من الدعاة «ناصر العمر» و«عوض القرني» و«سلمان العودة»، وقالت إنه «لم يُظهر أيٌ منهم موقفه، ملتزمين بالصمت حتى اللحظة، ليكتفي الأخير بالتغريد بفيديوهات وهو يلاعب أطفاله بعد أن كان مندفعا إثر محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا (يوليو 2016 )».
ابتزاز إعلامي رخيص
المفكر الموريتاني محمد مختار الشنقيطي علق على حسابه بتويتر على التقرير قائلا : إنه «ابتزاز إعلامي رخيص من صحيفة الوطن السعودية للعلماء والدعاة في بلاد الحرمين لإرغامهم على دعم الظلم والعدوان ضد قطر».
وفي السياق، رأى مراقبون، أن هذا التقرير يؤكد الأنباء التي تحدثت عن الضغوط التي مورست على العلماء لمبايعة محمد بن سلمان وليا للعهد من جهة، وللصمت أو التغريد ضد قطر من جهة أخرى.
وقالوا إنه في ظل تأكيد صحيفة «نيويورك تايمز» نبأ وضع محمد بن نايف وبناته قيد الإقامة الجبرية في قصره بمدينة جدة ومنعه من مغادرة المملكة، فإنه يصبح في حكم المؤكد أيضا وضع هؤلاء الدعاة تحت الإقامة الجبرية أيضا ومنعهم من السفر لعدم تجاوبهم مع السلطات ومهاجمة قطر.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات