ماذا ينتظر عُمان بعد “قابوس”؟

قبل يوليو عام 1970، لم يكن في سلطنة عمان سوى 10 كيلومترات فقط من الطرق المعبدة، و3 مدارس ابتدائية، ومستشفى واحدا، وكانت قد بدأت في تصدير النفط قبل 3 أعوام فقط، وكانت محافظة ظفار تعاني من التمرد الانفصالي.

وفي 23 يوليو عام 1970، أطاح قابوس بن سعيد آل سعيد بأبيه، وأصبح وتولى أمور السلطنة، وفي الأعوام الـ47 التالية منذ ذلك الحين، شهدت عُمان بفعل عائدات النفط (ومؤخرا الغاز) تحولا كبيرا، وأصبحت لديها الآن شبكة طرق مثيرة للإعجاب، ونظم صحية وتعليمية متطورة، ودارا للأوبرا.

ويبلغ اقتصاد عمان اليوم 275 ضعف حجمه في عام 1970، وارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من 320 دولارا عام 1970، ليتجاوز 18 ألف دولار عام 2015.

من الناحية السياسية، أحرزت عمان تقدما أقل، وفي الواقع، يعتبر السلطان هو الحاكم المطلق الذي يأخذ جميع القرارات الهامة، ويوجد مجلس تشريعي من فرعين، يقدم المشورة للسلطان وحكومته، ولا أكثر من ذلك، ويتم انتخاب أعضاء مجلس الشورى، وهو أحد الهيئتين التأسيسيتين لمجلس عمان؛ ومع ذلك، لا يسمح بإنشاء الأحزاب السياسية.

وقد تجنبت عُمان الاضطراب في عام 2011 خلال الربيع العربي, وفي عام 2012، من خلال مجموعة من التدابير الأمنية والإصلاحات التجميلية وخلق المزيد من الوظائف الحكومية، وإن كانت مستويات الاضطراب أقل خطورة بكثير مما كانت عليه في العديد من الدول العربية الأخرى، ولم تشكل أي تهديد لحكم السلطان.

ولا يزال السخط الشعبي قائما، حيث يعد الفساد القضية الرئيسية بالنسبة لبعض العمانيين، ولكن نادرا ما يتم التعبير عن ذلك علنًا، ومع هيمنة الطائفة الإباضية، لا يوجد دليل يذكر على التوترات الطائفية، مثل تلك التي في البحرين أو السعودية، ولا توجد دلائل على التطرف الذي أثر على العديد من البلدان الأخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ومن حيث علاقاتها الدولية، كان موقف عُمان يتسم بتجنب الصراع مع جيرانها، والحفاظ على علاقات العمل مع الجميع، والوساطة في المنازعات حيثما كان ذلك ممكنا، وقد نجح ذلك في إبقاء البلاد بعيدا عن المتاعب بحسب موقع أراب دايجيست .

الخلافة

لكن وإن بدا الوضع الحالي في عمان جيدا بشكل عام، فمن المرجح أن يكون مستقبلها أكثر صعوبة، وهناك سببان رئيسيان لهذا؛ الأول هو الخلافة، والثاني هو الاقتصاد.

ولا يمكن مناقشة أمر الخلافة علنا ​​في عمان، ويعاني السلطان، البالغ من العمر 76 عاما، من سرطان القولون منذ 3 أعوام على الأقل، وليست لديه ذرية، غير أنه يعتقد على نطاق واسع أنه قد عين مجلسا من أقاربه لاختيار خليفة، بعد وفاته، وإذا لم يتمكن المجلس من الاتفاق، ترك السلطان اسم خلفه المفضل في ظرف (أو مظاريف) في واحد أو أكثر من قصوره، وهناك قصة حول احتمال أن تكون التعليمات المتعلقة بالخلافة محفوظة في جامعة كامبريدج.

وإذا كان السلطان قد ترك تعليمات واضحة (أينما تركها)، فإن الخلافة قد تسير بسلاسة، وعلاوة على ذلك، من المرجح أن ترى المؤسسة العمانية حكمة في التماسك معا بدلا من القيام بذلك بشكل منفصل، ويبدو أن أقوى المتنافسين هم أبناء عمومة السلطان «أسعد» و«هيثم» و«شهاب بن طارق».

سوف يفتقر السلطان الجديد حتما إلى نفس السلطة والكاريزما، وقد يتم اختبار السلطان الجديد من قبل أولئك الذين يريدون المزيد من حرية التعبير، ووضع حد للفساد وغيرها من الإصلاحات، وعلى افتراض الوحدة في قمة القيادة، فليس هناك ما يشير إلى ما قد يؤدي إلى عدم الاستقرار.

 

الاقتصاد

ويمثل الاقتصاد تحديا أكبر، وتحتاج سلطنة عمان إلى وصول سعر النفط إلى أكثر من 75 دولارا للبرميل لموازنة ميزانيتها، وفي وقت كتابة هذا التقرير، بلغ سعر خام برنت 56 دولارا للبرميل، مع عدم وجود ما يشير إلى حدوث ارتفاع كبير في المستقبل القريب، أو البعيد.

وتملك عمان الغاز أيضا، ولكنه ليس كافيا لتحقيق فرق كبير من حيث حاصل الصادرات، حيث يتم استخدام 70% منه محليا، إما لتوليد الطاقة أو لزيادة الإنتاج من حقول النفط.

وفي هذه الظروف غير المواتية، اتجهت التحليلات الخارجية لآفاق عمان نحو التشاؤم، وعلى سبيل المثال، في مايو الماضي، خفضت «ستاندرد آند بورز» التصنيف الائتماني العماني إلى حالة غير مرغوب فيه (على الرغم من أن وكالتا موديز وفيتش، وهما وكالتان ائتمانيتان أخريان، تعطيان عمان تصنيفات أعلى قليلا).

ويعتمد القطاع الخاص في عُمان حاليا اعتمادا كبيرا على الإنفاق الحكومي، الذي يعتمد بدوره على الدخل من مبيعات النفط والغاز، وبدون تنمية القطاع الخاص الذي يمكنه خلق ثروة مستقلة عن الإيرادات من الهيدروكربونات، فإن قدرة الاقتصاد على توليد فرص العمل ستكون محدودة. وبالنظر إلى «تضخم الشباب» في عمان (50% من السكان تحت سن 25 عاما)، فهناك حاجة إلى 26 ألف وظيفة إضافية كل عام لمنع البطالة من الارتفاع، حيث بلغت 17.5% في عام 2016.

وسيكون تطوير هذا القطاع الخاص في عصر ما بعد النفط جبلا ضخما من التحديات أمام سلطنة عمان، وسيتطلب ذلك تحسنا ملحوظا في الاقتصاد ليجعله أكثر صداقة للشركات المحلية الجديدة وكذلك الاستثمارات الأجنبية، وكانت سلطنة عمان قد احتلت المرتبة رقم 66 في العالم في عام 2016 من حيث سهولة ممارسة الأعمال.

والأهم من ذلك هو التحدي المتمثل في خلق ثقافة مؤسسية بين الشباب العمانيين الذين تعودوا حتى الآن على توفير وظائف آمنة في القطاع العام أو صناعة النفط أو المصارف، وسيكون هناك احتياج إلى إصلاح النظام التعليمي لتدريس «المهارات الناعمة» مثل التفكير النقدي والربط الشبكي والعمل الجماعي، فضلا عن المهارات التقنية، من أجل نجاح أي مسعى من هذا القبيل.

وسيتطلب كل ذلك تحولا في المواقف والممارسات، إذ إن ترديد شعار «التنويع» لن يكفي للوصول إلى التغييرات الضرورية، وفي الوقت الحاضر، لا يبدو أن الإرادة السياسية اللازمة لتحقيق هذا التحول موجودة، على الرغم من أنها قد تفعل ذلك بالطبع في المستقبل.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …