ربما يتسلل لصٌ ليسرق الزرع، أو يدلف حاقدٌ ليتلفه، لكن رغم خسارة الزارع في ذلك إلا أنها خسارة قريبة، إذ إن الأرض لا تزال بحالها وخصوبتها، وعندما يتم غرس البذور فيها، في خلال موسم زراعي آخر يمكن أن ينبتَ زرعٌ آخر قد يثمر أضعاف ما ضاع أو تلف. لكن حينما يتم تسميم الأرض نفسها، فحينئذ لو زرعنا، لما أنبتت الأرض، إذ تكون عند ذاك عقيمة، ولحصدنا ثمارا فإنها تفسد الحياة لا أن تصلحها.
وحالنا في بلادنا مثل هذا المثل الذي ذكرت، إذ استفاد عدونا من تجاربه المريرة السابقة، فبعد هزائم منكرة على يد أبطالنا، رأى العدو أن خير وسيلة هي أن يفسد العقول والنفوس حتى لا يظهر أمثالُ صلاح الدين الأيوبي أو محمد الفاتح.
وإفساد العقول يبدأ من تغيير الفكرة، وتشويه الحقائق، وتزييف الوقائع، واستبدال العقيدة، والنظر تحت الأقدام بدلا من النظرة البعيدة العميقة، والتضحية بالمبدأ من أجل المصلحة، ونسيان الآخرة، والتعلق بالدنيا.
وتشويه النفوس يبدأ من تفضيل متاع الدنيا على نعيم الآخرة، وسيطرة الشهوات، والتحرر من الفضائل، ومن غلبة أمراض النفس من حقد وحرص وحسد وطمع.
وقد نجح أعداؤنا إلى حد بعيد في تخطيطهم، فقد سيطروا على مراكز صنع الإنسان في بلادنا:
سيطروا على المدارس والجامعات، فتخرجت أجيال تدين بالولاء للغرب أكثر مما تدين بالولاء لدينها وحضارتها.
وسيطروا على وسائل الإعلام والثقافة، فتشوهت الحقائق، وانحرفت الميول والأهواء، ولما صارت الأخلاق النفعية هي الحاكمة على النفوس سهل على الكثير أن يبيع ضميره في أسواق النخاسة؛
فالقضاة يقبلون الرشاوى من أجل تبرئة متهم أو اتهام بريء، رغم أن المفترض فيهم أنهم يتمتعون بوعي كبير، وضمير حي، ودرجة عالية من العلم والمعرفة.
والأطباء يتاجرون بالأعضاء البشرية، ويرتكبون هم وشركاؤهم من أجلها جرائم قتل بشعة للأطفال المخطوفين من أحضان عائلاتهم، وكذلك الأطباء الذين يشاركون في تعذيب المعتقلين السياسيين بالامتناع عن علاجهم أو إعطائهم الأدوية اللازمة لهم، رغم أن هؤلاء الأطباء من أرقى طلاب المدارس علما وذكاء وفهما، إضافة إلى أنهم يقسمون قسم “أبقراط” الذي استحلف فيه الذين يمارسون مهنة الطب أن يكونوا ملازمين للطهارة والفضيلة.
والسياسيون لا يمانعون أن يكونوا ذيولا للشرق والغرب، أسودا جائعة ضد شعوبهم، من أجل البقاء في الكرسي والاستمرار في الجلوس عليه.
والخبراء والمفكرون لا هَمَّ لهم سوى تبرير الظلم، وتشويه صورة من يكشف الحقائق، وتخدير العقول، وإفساد الضمائر والنفوس وتخريب القلوب.
إزاء كل هذا، فنحن بحاجة كبيرة إلى تجريف التربة السامة التي تنبت لنا زرعا ساما. نحتاج إلى العودة إلى ثقافتنا الإسلامية البعيدة عن التزوير والتحريف، ونحتاج أن نتخلص من سموم الثقافة الوافدة إلينا من كل حدب وصوب، بدون ذلك ستظل أرضنا تنبت لنا الأعداء بدلا من الأصدقاء، والجواسيس بدلا من الأمناء، وشياطين الأرض بدلا من أتباع الأنبياء.
إن العقبات الضخمة التي تقف عائقا أمام أحلامنا اليوم نابعة من بعض أبنائنا الذين هم منا ويتكلمون بألسنتنا ويتسمون بأسمائنا.
ومن هذه العقبات أيضا نزوع كثير منا إلى مصالح الدنيا وإيثارها على الآخرة، وصدق فينا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا تبَايعتم بِالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بِالزرع، وتركتم الجهاد, سلَّط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم”.
مهما كانت قوة عدونا، فهو لا ينتصر علينا إلا بسبب الخلل الواقع فينا، كما في جزء من الحديث الذي رواه شداد بن أوس في مجمع الزوائد بسند صحيح حيث يقول: “……….وألَّا أسَلِّطَ عليهم عدوًّا ممَّن سواهم بعامة فيُهلِكوهم بعامةٍ حتى يكون بعضُهم يُهلكُ بعضًا، وبعضُهم يقتلُ بَعضًا” .
فهل نستطيع أن نستدرك ما فاتنا؟ هل نستطيع أن نراجع أنفسنا؟ هل نستطيع أن نعود لديننا وحضارتنا وثقافتنا؟
قد يجيب البعض أن ذلك مستحيل، لكني أجيب عليه بحديث نبينا صلى الله عليه وسلم الذي ورد في “مشكاة المصابيح” ورواه عمران بن حصين بسند صحيح على شرط مسلم: ” لا تزال طائفةٌ من أمَّتي يقاتِلونَ على الحقِّ, ظاهرينَ على مَنْ ناوأَهم, حتى يقاتلَ آخرُهم المسيحَ الدجالَ”.
وعادةً تُطلق كلمة طائفة للدلالة على الجماعة من الناس يجمعهم هدفٌ واحد ومبدأ واحد، لكنهم أقلية مقارنة بغيرهم من أبناء أمتهم .. هذه بشرى للقلة ذات العزيمة الفولاذية، فهل نكون منهم؟
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات