أهم محطات العلاقات التركية العراقية
تمتد العلاقات بين البلدين الجارين على مدى مئات السنين منذ دخول الدولة العثمانية للمنطقة العربية في القرن السادس عشر، وقد تبدلت العلاقات وتحولت بشكل كبير وفق المتغيرات على طرفي المعادلة. وإذا ما استثنينا الفترة العثمانية وركزنا على العلاقات في العهد الحديث، أمكننا القول إنه قبل وصول حزب العدالة والتنمية للحكم في تركيا وعلى مدى عشرات السنين، تركزت النظرة التركية للعلاقات مع العراق على الهواجس الأمنية المتعلقة بالخوف من التدخلات الخارجية واستثمارها لبعض التناقضات والملفات الداخلية للتأثير على وحدة البلاد، وهي ما يسميه بعض المؤرخين “عقدة النشأة” للجمهورية التركية والتي ما زالت تحملها معها حتى اليوم [1]
فقد بنيت العلاقات البينية مع العراق لعقود طويلة على محددات وأسس تتعلق بقضايا أمنية، في مقدمتها ضبط الحدود وتقليل خطر حزب العمال الكردستاني الذي خاض منذ 1984 حرباً انفصالية ضد الدولة التركية من ناحية، والخلافات حول حصص المياه من نهري دجلة والفرات تحديداً باعتبارها مسألة أمن قومي للطرفين من ناحية أخرى، إضافة إلى أرضية الخصومة والعداء بين الطرفين باعتبار انتماء كل منهما إلى أحد المحورين المتصارعين على الساحة الدولية في فترة الحرب الباردة.
السمة البارزة في سياسات تركيا ما قبل العدالة والتنمية تجاه العالم العربي هي التجاهل أو إدارة الوجه بالكلية نحو الغرب اهتماماً وسياسة واقتصاداً. بيد أن العلاقة مع العراق تخللتها في تلك السنوات – التي يقع أغلبها خلال فترة الحرب الباردة – ثلاث محطات مهمة اختلفت عن هذا السياق وقاربت فيها تركيا المشهد العراقي واشتبكت معه مباشرة، أولاها إنشاء حلف بغداد عام 1953 بعضوية كل من تركيا والعراق وبريطانيا وإيران وباكستان بفكرة من الولايات المتحدة لصد التمدد الشيوعي في منطقة الشرق الأوسط والذي لم يكتب له النجاح أو الاستمرار طويلاً[2]. وثانيها الحرب العراقية – الإيرانية 1980– 1988 التي انتجهت فيها أنقرة سياسة الاحتواء المزدوج لكلا الطرفين بالتنسيق مع الولايات المتحدة[3].
وأما الثالثة فهي حرب الخليج الثانية 1990 – 1991، التي استثمرتها تركيا بقيادة تورجوت أوزال لإعادة تأكيد أهميتها للمنظومة الغربية حتى بعد انتهاء الحرب الباردة رغم المعارضة الداخلية الشديدة التي أدت لاستقالة بعض الوزراء[4]. سمحت أنقرة باستخدام قوات التحالف الدولي لأراضيها كما شاركت قوات تركية في العمليات العسكرية، إلى جانب الدعم اللوجستي الذي قدمته تركيا ودعمها لعملية “توفير الراحة” المتعلقة بحماية أكراد شمال العراق رغم انعكاساتها السلبية عليها بسبب ضعف سيطرة الحكومة المركزية على أطراف البلاد وما نتج عن ذلك من هجمات حزب العمال الكردستاني على تركيا وقيام إقليم كردستان العراق رغماً عنها، وهو ما دفعها في بعض المراحل إلى التعاون مع صدام حسين لمواجهة حزب العمال[5].
ملف المياه
يعتبر ملف المياه أحد أهم أسباب التوتر في العلاقات بين تركيا والعراق تاريخياً، ورغم خفوت حدة الخلاف حوله مؤخراً إلا أنه يبقى عامل توتير قائم يتفاعل مع الأحداث الأخرى أو يفعّلها، باعتباره يتعلق بالأمن القومي للمنطقة وللدول الثلاث المشتركة بها كلا على حدة: تركيا والعراق وسوريا. أنشأت البلاد الثلاثة عام 1980 لجنة فنية ثلاثية مشتركة بغرض بلورة حل توافقي يرضي ثلاثتها فيما يتعلق بحصص المياه اعتماداً على مواد القانون الدولي ذات الصلة، بيد أن الواقع العملي يبدو أبعد ما يكون عن الحل التوافقي ورضى الأطراف إذ ما زالت قضية المياه مدار نزاع وخلاف بين العراق وسوريا من جهة وتركيا من جهة أخرى[6].
وقد كان لمشروع جنوب شرق الأناضول (GAP) الذي يشمل مشاريع وسدوداً عدة على دجلة والفرات تأثيرات سلبية على كل من العراق وسوريا، أهمها تراجع نسبيتهما من مياه دجلة والفرات وتأثر جودة هذه المياه من ارتفاع نسبة ملوحتها والاستخدام الزائد للكيماويات فيها [7].
يمكن اعتبار استلام حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا عام 2002 نقطة تحول في العلاقات التركية العراقية، وإن كان الحزب لم يقم بثورة جذرية على مجمل السياسة الخارجية السابقة لبلاده تجاه المنطقة ككل والعراق خاصة. وقد اعتمدت السياسة التركية تجاه العراق على مبدأين أساسيين هما مواجهة تهديد حزب العمال الكردستاني لها وانطلاق عملياته من شمال العراق حيث معسكراته في جبال قنديل، وتأكيدها على أهمية التوازنات الديمغرافية والسياسية في العراق وحمايتها سيما في ما يتعلق بالأقلية الكردية [8].
ولكن التحدي الأكبر للعلاقات في عهد العدالة والتنمية لم يتأخر كثيراً، فكان الغزو الأمريكي للعراق في مارس 2003 أي بعد أشهر قليلة فقط من تشكيله الحكومة. وقد قدم الحزب الحاكم للبرلمان التركي مسودة قرار للسماح للقوات الأمريكية باستخدام أراضيه في العمليات العسكرية لكن البرلمان رفض مشروع القرار[9]، وهي الحادثة التي ظلت القيادة التركية تعتبرها خطأ أخرجها من إمكانية المشاركة في رسم مستقبل العراق وتركها خارج دائرة التأثير منذ ذلك الحين[10].
ورغم ذلك فقد بذلت الحكومة التركية جهوداً كبيرة قبل وبعد الحرب لدعم أمن الجار العراقي واستقراره ووحدة أراضيه، حيث اقترحت تأسيس مجموعة “دول الجوار العراقي” التي شكلت في يناير 2003، كما نسجت علاقات متوازنة وودية مع الأطراف العراقية المختلفة، إلا أن المتغيرات في المشهد العراقي –سيما السياسات الإقصائية من الحكومات العراقية المتتالية – جعلتها أقرب لسنة العراق من غيرهم، فتواصلت معهم وطورت العلاقات الثنائية مع رموزهم وتياراتهم وشاركت في محاولات إشراكهم في العملية السياسية ودمجهم فيها[11].
حرصت تركيا على مدى السنوات الماضية في علاقاتها مع جارها العراقي على التأكيد على أهمية وحدة أراضيه ورفض سيناريوهات التقسيم لئلا تتأثر هي بها، وعلى الالتزام بأمنه واستقراره كمصلحة استراتيجية للطرفين وحافزاً لتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية بينهما [12]. إلا أن العلاقات البينية لم تسر دائماً بسلاسة بل تخللتها بعض الأزمات مثل هجمات حزب العمال عامي 2006 – 2007 على الأراضي التركية، ورد أنقرة بعمليات عسكرية في الشمال العراقي [13]، فضلاً عن الخلافات بين الطرفين في فترة حكومة المالكي في بغداد بسبب ما وصفتها تركيا بـ”سياسات طائفية إقصائية“.
حاولت أنقرة تجاوز الأزمة مع العراق من خلال دعم حكومة العبادي التي خلفت المالكي، أملاً في تغير السياسات الحاكمة، لكن أزمة معسكر “بعشيقة” أظهرت أن شيئاً كثيراً لم يتغير على مستوى الارتهان للسياسات الإيرانية في المنطقة واستمرار السياسات الإقصائية في العراق[14].
ومما تجدر ملاحظته بخصوص سياسة أنقرة إزاء العراق في عهد العدالة والتنمية تغير موقفها من إقليم شمال العراق بسبب تنامي العلاقات الاقتصادية معه وتناقضات الحالة الكردية الداخلية بين قيادته وقيادات حزب العمال، بحيث انتقلت أنقرة من مربع رفضه رفضاً قاطعاً باعتباره تهديداً لأمنها القومي تحرزاً من إمكانية تكراره بالنسبة لأكراد تركيا، إلى التحالف غير المعلن معه حيث وقف الإقليم إلى جانب تركيا ضد الحكومة المركزية في بغداد في أزمة معسكر “بعشيقة”, وضد العمال الكردستاني في التصعيد العسكري الأخير فضلاً عن العلاقة الشخصية القوية بين اردوغان ورئيسه البارزاني. ورغم ذلك، فما زالت تركيا تتحفظ ولو بسقف خطاب منخفض على فكرة الاستفتاء على انفصال إقليم شمال العراق التي يطرحها البارزاني، وتحاول دائماً التوازن في العلاقة بين حكومة بغداد المركزية وقيادة الإقليم والحفاظ على الحد الأدنى من العلاقات الجيدة مع الطرفين وعلى إشراك الحكومة المركزية في الاتفاقيات الاقتصادية التي أبرمتها مع الإقليم.
المراجع:
[1] عقيل محفوظ، السياسة الخارجية التركية الاستمرارية والتغيير، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2012)، ص 167.
[2] أنظر مثلاً: محمود محارب، إسرائيل وتركيا والدول العربية: الدور والمكانة وبسط النفوذ والتحالفات، “، في: “عدة مؤلفين: العرب وتركيا تحديات الحاضر ورهانات المستقبل” المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، 2012، ص 723 – 742.
[3] عقيل سعيد محفوظ، مصدر سابق، ص 48 – 49.
[4]Burak Küntay, Major Shift – The Change in U.S. Foreign Policy During The 2003 İraq War Era And Turkish – U.S. Relations,Başakşehir University Press, 2011, pp. 116 – 123.
[5] أنظر مثلاً: ناظم يونس عثمان، “الأكراد على طرفي الحدود العربية – التركية: التداعيات السياسية والاجتماعية”، في: مجموعة مؤلفين، العرب وتركيا: تحديات الحاضر ورهانات المستقبل، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2012)، ص 179 – 200.
[6] أنظر مثلاً: ناجي علي حرج، “المياه في العلاقات العربية – التركية”، في: مجموعة مؤلفين، العرب وتركيا: تحديات الحاضر ورهانات المستقبل، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2012)، ص 375 – 422.
[7] أنظر مثلاً:
”The Southeastern Anatolia Project Master Plan – Final Master Plan Report”, Republik of Turkey, Prime Ministry, State Planning Organization, vol. 1 June 1990.
[8]أحمد داود أوغلو، العمق الاستراتيجي، ص 621 – 622.
[9] ثمة انطباع واسع الانتشار في العالم العربي بأن حزب العدالة والتنمية الحاكم هو الذي رفض السماح للقوات الأمريكية باستخدام الأراضي التركية لغزو العراق، ولكنه احتال للأمر بمناورة إفشال المذكرة أو مسودة القانون في البرلمان، وهذا غير دقيق لعدة أسباب. أولاً لأنه لا دليل على هذا الادعاء، وثانياً لأن مسودة القرار قدمها الحزب ودافع عنها قادته، بل وتكلم كل من عبدالله جل واردوغان دعماً للفكرة، وثالثاً لأن المذكرة رُفضت بفارق 4 أصوات فقط، ورابعاً لأن سيناريو المناورة يقتضي التنسيق المسبق مع المعارضة والقوات المسلحة دون أن تعلم الولايات المتحدة، في وقت كان الحزب ما زال في بدايات حكمه وعلاقاته مع الطرفين سيئة.
[10] اردوغان: الوضع في سوريا سيتغير في لحظة معينة ولن نكرر ما ارتكبناه في العراق، روسيا اليوم، 7 فبراير 2016
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات