من لم يعد اليوم يعرف مسلمي ميانمار المظلومين؛ ذلك الشعب المقهور؟ إنهم الروهانجيا، لهم تاريخ عريق، وكانت لهم مملكة مستقلة اسمها ” أراكان ” ظلت في طيات الزمن لكن الأعداء غيروا هذا الاسم إلى ولاية راخاين ” راخاين استيت ” أو “ركائن ستيت”.
شعب تلقى الإسلام من التجار العرب الدعاة الذين كانوا يجوبون بلاد جنوب شرق آسيا بسفن شراعية، وشعب الروهانجيا شعب عريق وقديم منذ قدم الزمن في أراكان، ميانمار، وليسوا أجانب قدموا من مختلف البلاد النائية، كما يظن الأعداء الألداء؛ حكومة ميانمار الراهنة والبوذيون, حتى يشردونهم كأنهم أجانب ودخلاء, ويحرمونهم من حق الجنسية, ويطاردونهم بشتى أنواع الظلم, ويعاملون معاملة غير إنسانية, ويحرمونهم من أبسط الحقوق الإنسانية, ولا يألوا جهداً في الممارسات التعسفية على هذا الشعب الأعزل لدرجة يندى لها جبين الإنسانية؛ من هتك أعراض بنات المسلمين؛ واغتصابهن جماعيا, وقتلهن, وقتل المسنين والنساء والأطفال بلا هوادة, تحت سمع وبصر العالم .
الجرائم التي اقترفها البوذيون على مسلمي أراكان، ميانمار بمساندة حكومة ميانمار تعد من الجرائم البشعة وهي انتهاك سافر لحقوق الإنسان بكل المعايير..
ألا يستحق هؤلاء المظلومون استرحام المجتمع الدولي ليقف بجانبهم؟ أين قوات السلام التابعة للمنظمات الدولية؟ أما ينظرون لمشاهد حرق قرى وأرياف ومنازل المسلمين في أراكان؟ والقتلى والجرحى بالمئات والآلاف؟ هل البنود والقوانين المدونة ملغية بحق هذا الشعب؟
قرأنا وسمعنا مطالبات شتى ومن أهمها تدخل المجتمع الدولي لحل هذه الأزمة التي مازالت تستفحل يوما فيوما, وتصبح كارثة إنسانية.
اللاجئون المنكوبون من الروهنجيا بأعداد متزايدة يوما فيوما في غابات وجبال وعراء بنجلاديش، بلا مأوي ولا ملاجئ، يعيشون في العراء، جوعى وعطشى، ولا مرافق للحياة، وكم مناشدات قُدمت بشأنهم، لكن من يسمع صوتهم؟
طفل رضيع على ثدي أمها يصرخ, وأمه جثة ميتة بظلم بربري بأيدي الوحوش البوذيين الغاشمين, وبنت المغتصبة أمام أعين والديها وهما مكبلان، وطفل ظل جثة طافية على مياه البحر بعد غرق السفينة في نهر ناف جراء تعرضها لنيران حرس حدود في ميانمار, ولم يسلم أحد من ركابها الذين كانوا فارين بدينهم وأنفسهم إلى بنجلاديش.
اعتقالات عشوائية, وتعذيب أيما تعذيب حتى الموت، كم من الضحايا؟ لا إحصائيات!
إبادة عرقية منظمة ومدبرة منذ زمن طويل، تريد حكومة ميانمار والبوذيون تصفية أرض أراكان من العرقية المسلمة، مع أن التاريخ والآثار القديمة تشهد بأن أرض أراكان هي أرض المسلمين الروهانجيين، والبوذيون هم الدخلاء في أراكان، وحكومة ميانمار الراهنة والسابقة خططت لاستيطان البوذيين على أراضي المسلمين، وطمس الهوية الإسلامية بطمس الآثار الإسلامية من مساجد قديمة ومقابر المسلمين والأماكن البارزة للمسلمين.
هذه الأحداث المأساوية تقع منذ عام 1942م قبل استقلالها من الاستعمار البريطاني والذي حدثت فيه المذبحة الكبرى للمسلمين والتي راح ضحيتها أكثر من مائة ألف مسلم, عدا المشردين إلى بنجلاديش (شبه القارة الهندية آنذاك) ولم يتمكنوا من العودة بل انتشروا بعد ذلك في بنجلاديش وباكستان والمملكة العربية السعودية وغيرها، وكذا الذين ظلوا مشردين عام 1978م وهم أيضا حوالي خمسمائة ألف والذين لجأوا إلى بنجلاديش وعاشوا في مخيمات في الجبال وتوفي منهم حسب تقرير موثوق به 250 ألفًا بسبب تلوث البيئة وتفشي الأمراض والأوبئة من كوليرا وتيفوئيد وغيرهما من الأمراض السارية والفتاكة، ودفن المسلمون الروهانجيا في المقابر الجماعية.
مع الأسف الشديد لم يتحسن وضع المسلمين في ميانمار بل ازداد من سوء إلى أسوأ كما تشهد بذلك الأحداث بعد عام 2012م من المذابح والمجازر البشعة والتشرد القسري حتى في عرض البحر على السفن الخشبية باتجاه تايلاند واندونيسية وماليزيا, وتوفي فيه أكثر من خمسة آلاف من الروهانجيا وتعرض عدد كبير لشبكة الاتجار بالبشر الذين يتاجرون بأعضاء البشر ثم تكررت الأحداث بعد أكتوبر عام 2016 من جديد .
وإذا استعرضنا الأحداث الراهنة منذ عام 2012م إلى اليوم, ولماذا تسارعت وتيرة حكومة ميانمار السابقة والراهنة والبوذيين لقتل آلاف من الروهانجيا وكذا الحرق والدمار الشامل لقرى ومنازل المسلمين الروهانجيا وتشريدهم القسري وإخراجهم من أراكان بحجم كبير فيمكن عرض بعض الأسباب وملخصها كالتالي:
أولا : استغلال انشغال دول المسلمين فيما بينهم والحروب فيها؛ كالعراق ومصر وليبيا وسوريا وغيرها، فقد أحس الأعداء بضعف دول المسلمين واستغلوها وزعموا أن هذه فرصة لسانحة للتصفية النهائية لللمسلمين الروهانجيا في أرض أراكان التي هي مسقط رأسهم ووطنهم.
ثانياً: خطوة استباقية للأعداء ليحرم المسلمون الروهنجيا من حقوقهم المستحقة التي تمكنهم من استعادتها في ظل تغيرات سريعة دوليا وإقليميا وبالأخص تحول ميانمار ( بورما) من النظام العسكري الطويل إلى شبه النظام المدني باسم الديمقراطية، حيث أن المجتمع الدولي وبالأخص الدول الأوربية وأمريكا تعلن طبول حلول الديمقراطية في ميانمار حتى أنها لم تقصر في منح الجوائز لرئيس ميانمار السابق ورفع الحظر على ميانمار الذي كان قد فرض عليها لكونها تحت النظام العسكري، فكأنما المجتمع الدولي يشجع حكومة ميانمار على ممارساتها التعسفية على الروهنجيا بهذا النمط البشع، فإذا كانت هذه التطورات لحلول الديمقراطية في ميانمار فيا للهول من مثل هذه الديمقراطية! وحتى اليوم ممنوع دخول الإعلاميين ووكالات الإغاثة الإنسانية عامة.
على المجتمع الدولي والإسلامي التحرك السريع نحو تدخل المجتمع الدولي لحل هذه القضية قبل فوات الأوان.
مع شكرنا الجزيل لبعض المبادرات الكبيرة والتاريخية لمنظمة التعاون الإسلامي ولبعض الدول الإسلامية وعلى رأسها السعودية وتركيا وماليزيا وغيرها وكذا لبعض المنظمات الدولية والحقوقية على تقاريرها عن واقع الأزمة والتي هي دعم كبير لهذه القضية.
كاتب وأكاديمي وناشط حقوقي من الروهانجيا
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات