محمد ثابت يكتب : “التسريبات” ومصر ما بعد الانقلاب

انفلت عقد الأمان المصري في حده الأدنى؛ لا بما يهدد الطمأنينة شبه الضرورية لاستمرار الحياة في مدن وقرى البلاد فحسب، بل بما يكاد يُفقد الحياة نفسها بهجتها في عموم المحروسة، حتى أننا بعد الانقلاب صرنا نعيش في واقع لا منطق له.. بل يهرب منه الجنون ويفر منه، حتى صرنا نتعاطى برغمنا حبوب التفاهة وانفلات القيم والمعايير ومن قبل الدين.

كانت القيادة السياسية في عهد المخلوع “حسني مبارك” تُبقي على الحد الأدنى من “شعرة معاوية” من منطقية أفعالها، وقدر ولو ضئيل، من عدم تحديها الشعب، فكان “القرآن الكريم” المُفتتح لاحتفالات يحضرها الرئيس على الدوام، وبصوت قارىء واحد معروف بأنه مقرىء الرئاسة، فيما لم تكن مظاهر التدين المعتادة من الشعب تلقى معارضة سافرة إلا من العلمانيين، وإن أفسحت لهم الصحف الحكومية صفحاتها إلا أن الرأي لم يكن يبدو صادراً عن الدولة.

كان “مبارك” يريد أن يُبقي ظهر البلد كي يظل الرئيس، ومن بعده نجله، ولكن فور مجيىء الانقلاب تغيرت المعادلة، و”كوكب الانقلابيين” ما إن أتم احتلال بلادنا حتى فوجئنا بتمام المأساة، التي كان يصبرنا عليها أنها لم تكن شبه مكتملة على هذا النحو.

 كان ضابط شرطة يضرب مواطناً في الشارع، فتستاء الداخلية “ظاهرياً” بخاصة لما ينتشر الأمر على نطاق واسع، أو هكذا تبدو الأمور، وكان وكيل نيابة يشهر سلاحه في عرض الطريق فيصيب مواطناً فيتم وقفه عن العمل ذراً للرماد في الأعين، ولكننا فوجئنا بأن بعض “أمناء شرطة”، عقب الانقلاب، صاروا فوق الدولة، وفي فترة وجيزة قتلوا عدداً من المواطنين ليس بالقليل دون ذنب سوى أنهم اختلفوا معهم.

 وهلم جراً فلدينا سجل حافل من “الوقاحة الانقلابية” من مثل: محاولة منع الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشوارع، سواء أكانت ملصقات أو هتافات، بالإضافة إلى منع استخدام مكبرات الصوت في صلاة الفجر، والقبض على الناس على أساس النوايا، والاتهامات المفبركة من باب بث روح الإحباط، وهلم جراً.

 هذه المحن لم تظهر دفعة واحدة عقب الانقلاب، بل تزايدت مع استمرار أيامه ولياليه، تماماً كما لم يكن “سقوط” مصر بين براثن الانقلابيين وليد يوم وليلة، بل عشرات السنوات من تردي الأوضاع نتيجة لـ60 عاماً من حكم العسكر، وتكريساً للخيبة التي ألحقوها بمصر.

ومع بداية الانقلاب كان حبل الأماني عريضاً واسعاً وممتداً بأن الانقلاب سيزول في أقرب وقت، وساهم الإعلام المحسوب على الشرعية في ازدياد هذا الشعور الذي لم يجن منه الشرفاء سوى آمالاً عريضة ثم آلاماً لا تطاق بخاصة في أعقاب أيام منها 6 من أكتوبر 2013، و2014م، و25 من يناير 2014، و2015، وحتى 2016م.

 وفي قلب هذه الأجواء ومرارتها بدأت موجة ما يسمى بـ “التسريبات” على قناة “الجزيرة” في نسختها الأولى المناهضة للانقلاب، ولا انكر أن موجة ما يُسمى بـ”التسريبات” بدت عاتية شديدة وأحياناً مذهلة، بخاصة “الجيش ده نار لا تلعبوا بيها ولا تلعبوا معاها .. الجيش لو نزل الشارع ..”، وهلم جراً من أقوال قائد الانقلاب، ومقولات المُعمم “علي جمعة” “طوبى لمن قتلهم وقتلوه.. وناس ريحتهم نتنة”.

   وهكذا استمعنا إلى مزيد من أكاذيب قائد الانقلاب، وكان بعضها مسجلا فترة حكم الرئيس “مرسي” لتطمينه ومناصريه إلى أن الجيش لن ينقلب على الرئيس المنتخب؛ ثم في نفس الأجواء يتحدث شبه الرجل عن أمر الدعم ووجوب رفعه، وبالتالي الذي ليس معه مال لا تلزمه حياة من الأصل.

   ومع تعدد التسريبات، ازدهرت الآمال في إفاقة سريعة عاتية للشعب المصري بجميع درجاته لا تبقي ولا تذر، بخاصة تسريبات الصحفي “ياسر رزق” وتعدي “السيسي” على سياسيين منهم الدكتور “عبد المنعم ابو الفتوح” ووصفه بـ”الشاذ” فكرياً في سابقة تذكر بسابقة زكي بدر، وزير الداخلية الأسبق، لمّا أعمل لسانه في رموز الحياة السياسية في مصر.

   وزاد من أمل ازدياد الوعي الشعبي وتصديه لكلمات “السفاح” التي تدل على عدم بعد نظر، واستقواء بالأعداء، فمن الحلم بالساعة “الأوميجا”، للمثل الأعلى الرئيس “السادات”، لحكم مصر؛ الحلم الذي كان في طريقه إلى تحقيقه، وكان شبه الرجل آنذاك وزيراً للدفاع بعد الانقلاب.

  أما كلمات “السيسي” عن الأعداء فكانت من باب: لن نسمح بأن تمثل أرضنا تهديداً لجيراننا (الإسرائيليين), وهو ما لم يجرؤ مبارك على قوله علناً، وهو كنز (إسرائيل) الاستراتيجي، على حد قولهم.

    أما منظومة الوعي، التي أملّنا في نموها وإفاقتها، فلم تفلح معها (ضربات التسريبات)، بخاصة مع ازدياد مساحة اللا معقول من أفعال الانقلاب من قتل وتنكيل واضطهاد للشعب المصري، وعدم وجود لا استراتيجية ولا حتى تكتيك لمناهضي الانقلاب، وتواطؤ قوىً عالمية ومحلية على استمرار الانقلاب، وهو التحدي الذي لم يكن الثوار مؤهلين له.

 وانتقلت التسريبات من “الجزيرة” إلى “الشرق”، و”مكملين” في تركيا، وصرنا نسمع عن الأرز الخليجي، وأخذ أموال المعونات المخصصة للشعب إلى الجيش، وسبّ مدير مكتب “السيسي”، أيام كونه وزيراً للدفاع، لما يسمى بالأذرع الإعلامية للانقلاب، وأحياناً القادة السياسيين ومنهم رئيس وزراء مصر الآن، وتعاطي للمواد المخدرة من “الترامادول” وما شابه، أدلة عملية جديدة على تدني أخلاق العصابة التي تتصدى لحكم مصر..مروراً بالتكييف القانوني لوضع الرئيس “محمد مرسي” عقب الانقلاب وتورط المجلس العسكري في الأمر، ونجاحهم في تنفيذ (الجريمة).

أما كيفية وصول التسريبات إلى “الجزيرة”، و”الشرق” و”مكملين” فكيفية مشمولة بشىء من الشك، والأمر لا يخلو من أن جناحاً من أجنحة الحكم الانقلابية هو الذي يسرب على حساب جناح آخر، من باب “أمعاء البطن التي تتشاجر لكن لا تخرج عنه”!

ومع فشل ما سمي بالتسريبات في تحقيق الأثر المرجو تم بث ما أعتبر تسريباً لمحاضرة لأساتذة في الجامعات حول أهلية السعودية وأحقيتها بجزيرتيّ تيران وصنافير، والأمر ضمن منظومة انقلاب بررت للجيش والشرطة في مصر، من قبل، أن القتل أمر مباح محلل .. فهو أمر غير مستقبح من الأساس، بل أقرب إلى محاضرات “الاتحاد الاشتراكي” أيام حكم “جمال عبد الناصر” لا جديد فيه.. ضمن منظومة أرتنا ما هو أكثر غرابة وفجاجة وعجباً.

إن (التسريبات) والتسريب في العالم يعني ظهور أمر كان مكتوماً سرياً إلى العلن يساوي اتخاذ الرأي العام ضده موقفاً موحداً يحدث زلزلة سياسية .. فماذا قدمت لواقع الانقلاب عشرات المواد المصورة وأحياناً الصوتية المسماة بنفس الاسم؟

يبدو أننا نحتاج إعادة مدارسة ومراجعات لآليات نظنها ثورية فيما تخدم عدونا، وهو يقدمها إلينا على طبق من ذهب وأحياناً “قطيفة” فيما نحن نبتلع الطعم مرة بعد أخرى بل “نتدثر” به!

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …