محمد ثابت يكتب: الشيخ الحصري .. ذكرى رائد تسجيل المصاحف الصوتيّة

حتى يأذن الله بفرجه على مصر والأمة العربية الإسلامية كلها، سنظل نردد مع الشاعر العربي القديم:

رب يوم بكيتُ فيه فلما .. صرتٌ في غيره بكيتُ عليه

  خطر بالبال بيت الشعر السابق لما تذكرتُ الخميس 24 من نوفمبر الماضي أنها الذكرى السادسة والثلاثين على رحيل الشيخ محمود خليل الحصري، إذ توفاه الله في مثل ذلك اليوم عام 1980، وقد كان، رحمه الله، رائد تسجيل أول مصحف صوتي في العالم في عام 1961، برواية “حفص عن عاصم”، ولم يكتف بهذا, بل سجل عدداً آخر من المصاحف الصوتيّة.

   أما أصل تذكر بيت الشعر السابق أننا كُنّا في عهد المخلوع حسني مبارك نتحين تواريخ وفاة وميلاد مشايخ مصر والأمة لنفرد عنهم تقارير في وسائل إعلامية لم تكن ترفض، أحياناً، كلماتنا، وكنّا نشتكي من القهر والتضييق، ومنعنا من مزاولة أعمالنا و”أكل عيشنا” حتى جاء الانقلاب العسكري؛ فأودى بفرص الحديث عن أفضالٍ أجراها الله على يد مشايخنا وعلمائنا في ذكراهم، بل أودى بفرص وجودنا في مصر كلها إلى حين بإذن الله، واعتقد أن شرفاء كثيرين في الأمة يعانون مثلما نعاني.. فرّج الله عن الجميع.

 في نهاية يوم الخميس الماضي لم أجد احتفاءً بيوم وفاة الشيخ الحصري وترحماً عليه إلا من مواقع بالغة الندرة، وكان المُنشور والمُقدم عن الشيخ، يعد، إجمالاً، على أصابع اليد الواحدة، ونصفه يعود إلى أزمنة مضتْ. إذ تعيش الأمة آلام محاولة أهلها الأحياء الحفاظَ على حياتهم, فلا مجال، إذاً، لتذكر الأموات ممن حملوا الخير إلى الأحياء!

راح البعض، بحسن نيّة يُعدونَ أبرز ما قام به الشيخ الراحل كأول قارىء للقرآن الكريم في الكونجرس الأمريكي، ثم في البيت الأبيض في عهد الرئيس الأسبق جيمي كارتر، أو في الأمم المتحدة في عام 1977، وفي القصر الملكي البريطاني عام 1978، لكن قصة “المُصحف الصوتي” التي تفرد الراحل بها؛ أعظم من كل هذ؛ بريادته لتسجيل القرآن الكريم كاملاً، أو ما يُعرفُ باسم “المصحف الصوتي”، فقد اعتاد العالم قراءة “القرآن الكريم” في نسخته المكتوبة المعهودة المعروفة حتى عام 1961عام ، حين عُرض على الشيخ تسجيل “القرآن” كاملاً بصوته ليكون أول “مصحف صوتي”، وهو ما تردد، رحمه الله، في القيام به، وقد سبق أن تردد مشايخنا من قراء القرآن الكريم من ذويّ الحناجر العلوية، لا الذهبية، فإن الذهب يتقازم أمام قراءة الشيخ “محمد رفعت” على سبيل المثال، وقد كان الأخير يرفض تسجيل القرآن بصوته أثناء تلاوته، وقيل إن أحد البشوات كان يسجل بجرامافون، دون أن يدري الشيخ، رحمه الله، وقيل إن الشيخ كان يمنع الإذاعة الأهلية المصرية (أُنشأتْ عام 1934فيما فارق الشيخ “رفعت” الحياة في 9 من مايو/أيار عام 1950، وهو نفس يوم ميلاده، رحمه الله، في عام 1882م) من تسجيل صوته.

المهم أن الشيخ “الحصري” تردد في قبول عرض تسجيل “القرآن” كاملاً  بصوته، لولا أنه أثناء رحلة لتلاوة القرآن في الكويت تم إهداء مصحف مقروء إليه، تبين له أنه مُحّرف من قبل “الصهاينة” وفق ما يُروى، ولما كانت الأمة في ذلك الحين تغلب الأمية عليها، فقد خاف الشيخ أن يتم تداول “القرآن” المُحرف دون أن تنتبه إليه الحكومات العربية، المشغولة آنذاك بالاحتلال والتبعية غير المباشرة الأقوى من المباشرة، بعد زوال الاحتلال نفسه!

وفي نفس عام تسجيله “المصحف المرتل”، رحمه الله، تم تعيينه شيخاً لعموم المقارئ المصرية، ثم هداه تفكيره في السنوات اللاحقة إلى أن الذين يتلون القرآن في دول غير مصر، مثل المغرب العربي في حاجة إلى تسجيل “المصحف الصوتي” بقراءات أخرى، لأن الضرر الذي سيصيبهم من مخاطر احتمال كتاب الله شديد، أيضاً، ومن هنا سجل “المصحف الصوتي” المرتل الثاني، بقراءة “الحدر” وبرواية “ورش عن نافع” عام 1964، ثم برواية “قالون”، وبرواية “الدوري عن أبي عمرٍ البصري” عام 1968، و”المصحف المعلم” لمَنْ أراد الترديد والحفظ عام 1969، وأخيراً “المُفسر” أو “مصحف الواعظ” عام 1973م.

    ثم كان من محطات حياة الشيخ الحصري المهمة، وبما يتعدى، قراءاته لـ”لقرآن الكريم” في الكونجرس، والبيت الأبيض، والأمم المتحدة، والقصر الملكي البريطاني، كانت المحطة الأكثر أهمية في حياة الشيخ “الحصري”، تلاوته  “للقرآن” عام 1953م في الحرم المكي، وقيل إنه كان العام الأول لإدخال الكُهرباء وبالتالي مكبرات الصوت إلى الحرم. وكان عمر الشيخ آنذاك ستة وثلاثين عاماً، فقد ولد رحمه الله في قرية شبرا النملة التابعة لمديرية الغربية، آنذاك، عام 1917، وأرسله والده لحفظ القرآن الكريم في عمر أربعة أعوام، ليتم حفظه وعمره ثمانية أعوام فحسب، ويذهب إلى المعهد الأحمدي ليدرس القراءات العشر، ويُتم دراسة القراءات في القاهرة في رحاب الأزهر الشريف، ثم يعود ليرأس المقارئ في الغربية، ولكن عقب قراءته في الحرم عُين بمسجد الحسين الشهير في القاهرة عام 1955، ثم أخذ طريقه إلى قراءة القرآن الكريم بحضور الرئيس الأسبق عبد الناصر، ورؤساء آخرين على مستوى العالم فضلاً عن أحيائه ليالي رمضان في القصور الملكية، حتى أنه أحيا ليالى من الشهر الفضيل ذات مرة في قصر أمير قطر، ثم استأذنه ملك المغرب في أن يُحيي الشيخ بقية الشهر في قصره في المغرب فأذن الأول له.

   ولعل تلك التلاوات والمقابل المادي لها ما جعل الشيخ يُوصي في نهاية حياته بتوزيع ثلث ماله على أعمال البر وخدمة “القرآن الكريم”، ومن هذا المسجد المعروف باسمه في حي 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة مع الجمعية التابعة له، بالإضافة إلى مسجدٍ مشابه ومركز خدمي في قرية شبرا النملة.

رحم الله الشيخ محمود خليل الحصري الذي أنجز في حياة امتدت إلى 63 عاماً ما تقصر عنه أجيال, خدمةً للقرآن الكريم.

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …