ارتبط اسمه بالفساد ودعم الثورات المضادة، ومواجهة الإسلاميين، والسعي ضد إرادة الشعوب، إنه “محمد دحلان” وقد أشرنا في حلقة سابقة إلى بعض أدواره عربيا، وفي الحلقة الثانية نسلط الضوء على مهامه الأخرى، ففي يناير 2015، كشفت صحيفة «جارديان» البريطانية، عن وثائق تكشف أن «دحلان» وعائلته ومعاونيه حصلوا على الجنسية الصربية خلال الفترة من فبراير 2013 وحتى يونيو 2014.
وقالت الصحيفة إن الحكومة الصربية، اتخذت قراراتها بمنح الجنسية لدحلان وعائلته خلال اجتماعات مغلقة عقدتها، وعللت – بحسب الوثائق – منح الجنسية لهم بقولها إنهم خدموا مصالح الدولة، دون أن تكشف عن تفاصيل تلك المصالح التي تجمع بين جمهورية صربيا ودحلان.
وأضافت «جارديان» أن دحلان قدم وعودا لصربيا بتسهيل استثمارات إماراتية فيها بمليارات اليوروهات، إلا أن الحكومة في بلجراد رفضت الكشف أو الإفصاح عن سبب منح الجنسية لــ11 فلسطينيا، ومن بينهم دحلان، ولم تربط بين هذه الوعود وبين الجنسية.
وأوضح التقرير أن دحلان أدى دوراً في تعزيز العلاقات التجارية والدبلوماسية بين محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي، والحكومة الصربية، قبل أن يمنحه الرئيس الصربي ميدالية العلم الصربي في أبريل 2013؛ لدوره في “تطوير وتقوية التعاون السلمي والصداقة” بين صربيا والإمارات.
وعقدت أبوظبي صفقة، لتطوير صناعة الأسلحة الصربية، واشترت أيضا حصة كبيرة في شركة الطيران الوطنية، وقدمت مليارات الدولارات كقروض للحكومة.
وتم التوقيع على اتفاق تتجاوز قيمته مليارات الدولارات بين شركة الأسلحة الصربية «Yugoimport SDPR» وبين الشركة الإماراتية القابضة للبحوث المتقدمة والتكنولوجيا في معرض الدفاع الدولي في أبوظبي العام الماضي.
وقال مصدر صربي، إن الأمر يتعلق بالاستثمار في نظام صاروخي صربي، وهو نظام هجومي متعدد الأغراض يعمل كسلاح مضاد للدروع وله مدى يصل إلى 60 كيلومترا.
وبين التقرير أن شركة الطيران الإماراتية «الاتحاد»، اشترت 49 % من شركة الطيران الصربية «جات».
ويقول دوسان بافلوفيتش الذي عمل مستشارا لوزير الاقتصاد الصربي بين سبتمبر 2013 ويناير 2014، إن صفقة «الاتحاد» شابها فساد كبير لصالح رئيس الوزراء الصربي.
ووفقا لاتفاق إماراتي صربي، في مارس 2013، يتم الإبقاء على الصفقات بين الدولتين سرية.
وكانت شركة «الدار» المملوكة لحكومة أبوظبي ستستثمر 150 مليون يورو في مشاريع زراعية في صربيا، ولكن بعد احتجاجات من المواطنين قررت الشركة شراء حصة من شركة محلية.
ووقعت شركات مرتبطة بالعائلة الحاكمة في أبو ظبي عقوداً أخرى في مجال الزراعة والكهرباء والإلكترونيات، بالإضافة إلى مشروع عقاري في بلجراد بقيمة 2.8 مليار يورو، وبالرغم من هذه الصفقات كلها، إلا أن أثراً قليلاً ظهر على الأرض.
وكشف التقرير الصربي أن دحلان استأجر شقة فاخرة في حي راق في العاصمة بلجراد، التي يفضلها الدبلوماسيون، وكانت حتى وقت قريب مقراً للرئيس بوريس تادتيش، وتم تعزيز حراسة الفيلا قبل وصول دحلان إلى بلجراد.
عمل دحلان كمحور رئيسي لتحسين العلاقات أو بنائها بين صربيا والإمارات في 2012، بعد أن توترت تلك عقب اعتراف أبو ظبي بدولة كوسوفو، دولة مستقلة.
ومارس دوره في أوروبا الشرقية، وحصل على الجنسية من دولة مونتنيجرو (الجبل الأسود)، رغم ما توصف به، من أنها شديدة الانغلاق، ولا تسمح بازدواج الجنسية.
لم يعلق المسؤولون من مونتنيجرو، على أسباب إعطاء دحلان جواز سفر بلادهم، لكن قال محللون إن الأخير يستخدم الجبل الأسود في غسل أموال، كان قد اختلسها من السلطة الفلسطينية.
وأسس دحلان العديد من الشركات في مونتنيجرو، ولا توجد تفاصيل علنية متاحة لهذه الشركات، لكن هناك تقييمات بأن ثروته هناك تتجاوز 120 مليون دولار.
يُتهم بن زايد عادة بأنه وكيل للولايات المتحدة و(إسرائيل) في أوروبا الشرقية، واستغلال سوق السلاح الصربية لتوزيع الأسلحة على حلفائه في الشرق الأوسط.
وبينما يساعد دحلان الإماراتيين والصرب، يساعد في التقريب بين الإماراتيين والأمريكيين والإسرائيليين، بفضل علاقاته الوثيقة بمدير وكالة المخابرات المركزية السابق «جورج تينيت» و«آمنون شاحاك» من الجيش الإسرائيلي و«يعقوب بيري» من «الموساد».
تقول المصادر أيضا إن دحلان لديه علاقات مع عملاء إسرائيليين تم كشفهم في أوروبا الشرقية من خلال عدنان ياسين، الفلسطيني الذي يعيش حاليا في سراييفو، والذي كان يعمل سابقا في «منظمة التحرير الفلسطينية» واعتُقل في تونس عام 1993، واعترف في 2001 بتعاونه السابق مع الموساد.
الانقلاب التركي
وعقب محاولة الانقلاب الفاشلة، التي وقعت منتصف يوليو الماضي، بدأت السلطات التركية التحقيق في تورط دحلان بها، بعد بروز بعض الشبهات القوية حول تورطه بالتعاون مع «فتح الله جولن».
مركز بحثي غير حكومي في سراييفو، قال إن دحلان تربطه علاقات صداقة مع أتباع جولن؛ المتهم بمحاولة الانقلاب في تركيا، والعدو اللدود للرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
المركز ذاته، كشف أيضا أن دحلان وعد المسؤولين في تركيا، بجلب استثمارات إماراتية بالملايين في بلادهم، من أجل إنعاش الاقتصاد، عقب الانقلاب.
لاحقا، كشف موقع «ميدل ايست آي» البريطاني عن مصادر خاصة أن دحلان – كالعادة دائما – لعب دور الوسيط الرئيسي بين أبوظبي وجولن نفسه عبر رجل أعمال فلسطيني في الولايات المتحدة.
ليس من الواضح تماما طبيعة الوعود التي قدمها دحلان لمخططي الانقلاب التركي الفاشل؛ لكنّ أدوات أبوظبي لا تتغير غالبا: وعود مالية لتعويض كلفة الانقلاب، فضلا عن استخدام موارد أبوظبي الناعمة في المنطقة وأوروبا وواشنطن لدعم الانقلاب وفتح القنوات السياسية والإعلامية أمامه في حال نجاحه.
وكشف مصدر مقرب من الاستخبارات التركية لموقع «ميدل إيست آي» أن حكومة الإمارات تعاونت مع المشاركين في محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا قبل أسابيع من المحاولة، من خلال استخدام دحلان وسيطًا مع جولن.
وأوضح المصدر أن دحلان، حول أموالًا إلى مدبري الانقلاب في تركيا قبل أسابيع من محاولة الانقلاب، وتواصل مع جولن من خلال رجل أعمال فلسطيني مقيم في أمريكا ومعروف لدى جهاز الاستخبارات التركية.
ليبيا وتونس وسوريا
ويُعتقد حسب «ميدل إيست آي»، أن دحلان قد استُعمِل كقناة للاتصال والتمويل للإمارات في عدد من العمليات بالشرق الأوسط.
فهو لديه خبرة في تجارة الأسلحة بشكل خاص، وتتهمه حركة «فتح» بأنه شحن أسلحة إسرائيلية الصنع للديكتاتور الليبي السابق معمر القذافي، وهو ما كشفته برقية «ويكيليكس» في 2010 بشأن اجتماع تم عقده في إسبانيا مع نجل القذافي.
وعقب الثورة، وفي تسجيل سري لعباس كامل؛ مدير مكتب عبد الفتاح السيسي في ذلك الحين، كشف كامل أن دحلان قد يزور ليبيا بصحبة 3 أشخاص في طائرة خاصة. وأوصى كامل بأن يسمح مسؤول عسكري لدحلان بمغادرة المطار الليبي سرا.
وقال كامل في التسريب الذي أذيع في مارس 2015، إن دحلان تسبب في مشكلة للسلطات المصرية لأنه يسافر حسب أوامر من الإمارات التي تراقب كل تحركاته.
وفي يناير الماضي، نقلت شبكة «تونس الآن» عن مصادر خاصة قولها إن دحلان موجود في تونس منذ أسبوع، وكانت له لقاءات في منطقة البحيرة تحت غطاء المال والأعمال.
وقالت المصادر إن دحلان أتى لتونس عندما تأكد أن أحزابا قريبة من الإمارات قد هزمت سياسيا؛ لذا جاء لتنفيذ خطتها لإزاحة حزب النهضة الإسلامي من المشهد التونسي، مشيرا إلى أنه عندما تأكدوا أن هذه الخطة فشلت، وأن النهضة أصبحت جزءا رئيسيا من البناء السياسي التونسي، أتى دحلان ليُعْلمهم بالخطة الجديدة وهي تدمير هذا البناء السياسي، والقضاء على التجربة التونسية وإشاعة الفوضى وإلحاقها بالدول والثورات الفاشلة.
يشار إلى أن ما يثار حول دور دحلان، في ليبيا خاصة، يتسق مع التوجه الروسى في المنطقة، واستقباله في موسكو يعكس تحسنًا في العلاقة بين موسكو والإمارات التي يعمل فيها دحلان مستشارا للشؤون الأمنية.
ويبدو أن الرئيس الروسي بوتين يريد اللعب بورقة دحلان والاستفادة منه مستغلًا العلاقة الوثيقة التي تجمع بينهما، خاصة أن هناك مؤيدين لدحلان في سوريا يمكنه تحريك الأحداث من خلالهم بما يتناغم وينسجم مع التوجه الروسى الداعم لنظام بشار الأسد.
وفي أواسط مارس2015 ، دشن المعارض السوري أحمد الجربا في القاهرة تيارا سياسيا جديدا أطلق عليه “الغد السوري”.
وكان من اللافت أن أعلان تأسيس التيار بحضور عدد من الشخصيات المعارضة السورية، ومندوب عن السفارة الروسية في القاهرة، وبحضور محمد دحلان نفسه!
ويمثل التيار تتويجا لجهود مصرية إماراتية لخلق معارضة سورية تقبل بالعمل مع النظام السوري وغير موالية للسعودية أو قطر أو تركيا.
سعى نحو رئاسة السلطة
عدة مصادر، كشفت عن مساعٍ حثيثة بذلتها مصر والأردن والإمارات والسعودية وأيضا لبنان لإتمام مصالحة «مستحيلة» بين دحلان وعباس لكنها باءت بالفشل.
المصادر قالت إن عباس يرفض بإصرار وعناد كل محاولات إنهاء القطيعة، ويصر على محاكمة دحلان، رافضا كل الوساطات الداخلية والخارجية التي تجرى من أجل التصالح معه وإعادته إلى صفوف الحركة، وأمر بإغلاق ملفه بشكل قاطع.
واشتدت حدة الخلافات بين دحلان وعباس في مارس الماضي، حيث اتهم عباس، «دحلان» في اجتماع للمجلس الثوري لحركة «فتح»، بالتخابر مع إسرائيل، والوقوف وراء اغتيال قيادات فلسطينية والمشاركة في اغتيال ياسر عرفات، وهو الأمر الذي نفاه دحلان، متهما عباس بتحقيق أجندة أجنبية وإسرائيلية.
وتجدد التوتر بينهما، عقب إعلان «رفيق النتشة»، رئيس هيئة مكافحة الفساد الفلسطينية، في ديسمبر 2014، إحالة ملف دحلان إلى محكمة جرائم الفساد، بتهمة «الفساد والكسب غير المشروع»، وهو ما اعتبره دحلان محاكمة سياسية يدبرها له عباس.
وأشارت الصحيفة إلى أن أوساطًا خليجية معنية بملف المصالحة بين الطرفين حاولت جسر الهوة السحيقة بينهما، واقترحت أن يقوم عباس بتعيين دحلان نائبا له، لكنه حسم قراره تماما، ويصر على محاكمته وتقديمه للقضاء فور وصوله إلى الضفة الغربية، بتهم فساد مالى وإدارى وقضايا قتل، فضلا عن التهم المتعلقة بالتآمر عليه شخصيا.
تواصل الأحاديث الهامسة حول الإطاحة بعباس، وظهور دحلان في خلفية المشهد يعكس نوايا دحلان لخلافة الرئيس، وأن ما قاله ديفيد هيرست؛ رئيس تحرير موقع «ميدل إيست آى» الذي يلفت إلى مخطط يحاك في الغرف المغلقة لتهيئة دحلان لخلافة عباس.
ويبدو، بحسب المصادر، أن كون هذا المخطط ليس بعيدا عن علم عباس، فقد جاء الرفض القاطع لأى مصالحة قد تتم بينه وبين دحلان، فقطع الطريق على أي وساطة بينهما، حتى لو كان الثمن فتور العلاقة بين عباس وبعض الدول العربية المحورية والفاعلة في المشهد الفلسطينى.
وفي وقت سابق، كشفته القناة العاشرة في التليفزيون الإسرائيلي، عن مخطط لوزير الدفاع الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان لتهيئة الظروف أمام إحلال دحلان، مكان أبي مازن.
وهو ما يتزامن مع ما كشفه موقع «ميدل إيست آي» عن تحرك عربي تقوده الإمارات لنفس الغرض.
وأوضح الموقع البريطاني، أن مصادر أردنية وفلسطينية أكدت له بشكل منفصل الأنباء بشأن هذا الخطة، التي تحظى بقبول مصري وأردني.
وقال «ميدل إيست آي» إن الإمارات أطلعت تل أبيب بالفعل على الخطة الساعية لإحلال دحلان مكان عباس، فيما سيقوم الأول والدول العربية الثلاث بإطلاع السعودية على الخطة حين اكتمالها.
ويعتقد أن الإمارات تقوم بدعم دحلان مالياً وسياسياً أملا منها في القضاء على حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في قطاع غزة.
ولفت الموقع إلى أن الأهداف الرئيسية للخطة تتمثل في توحيد وتعزيز حركة فتح من أجل تجهيزها للانتخابات المقبلة في مواجهة حماس، وإضعاف حماس من خلال تقسميها إلى فصائل متنافسة، والسيطرة على المؤسسات الفلسطينية ذات السيادة، والسلطة الوطنية الفلسطينية، ورئاسة منظمة التحرير الفلسطينية، وقيادة حركة فتح، وعودة دحلان لعرش حركة فتح والسلطة.
وكانت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، قد كشفت أن رئيس الوزراء الفلسطيني السابق؛ سلام فياض، قبض 10 ملايين دولار من الإمارات، في محاولة لشراء ولائه لصالح دحلان، وهو ما أغضب عباس بصورة كبيرة.
كما تشير الصحيفة إلى أن دحلان أغدق الأموال على جرحى العدوان الإسرائيلي على غزة، في محاولة لاستعطاف الناس في الأراضي الفلسطينية وشراء ولائهم، وإشعارهم بأنه ودولة الإمارات يقدمان لهم أفضل مما تقدمه حماس والسلطة الفلسطينية.
وتؤكد التقديرات العامة التي تجمع عليها المؤسسة الأمنية ومحافل التقدير الإستراتيجي في تل أبيب على أنه لا يمكن أن تخلف عباس إلا شخصية «متطرفة وذات خط متشدد»، ولم ترصد مصادر سياسية وإعلامية دور دحلان في المصالحة الفلسطينية التي ترعاها المخابرات المصرية .
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات