محمد عبدالرحمن صادق: سيمُر كلُ مُر

عندما نتفكر فيما يحدث في العالم من أحداث، نرى أن هناك فئة مُستضعفة تكال لها كل الاتهامات وتمارس ضدها كل الجرائم والانتهاكات، وتلصق بها كل نقيصة.

وعندما نغمض أعيننا ونضع أصبعنا على أي مكان من خريطة العالم نشعر وكأن تحت هذا الأصبع شلالات من الدماء وصرخات وجراحاً وآلاماً.

– وعندما نرى أن كل المتناقضات والأضداد قد اتفقت على أن تلتقي على مائدة واحدة في مشهد واحد فلابد أن ندرك أن الهدف الأساسي لهذا الاجتماع هو القضاء على هذه الفئة المستضعفة.  

– نرى الشيوعي والعلماني والليبرالي والرأسمالي والفاشي واليميني واليساري جميعهم يتعانقون ويشدون على أيدي بعضهم بعضاً، لا لشيء سوى أن هناك مؤامرة كبرى تحاك لإبادة هذه الفئة التي ينظرون إليها على أنها مسلوبة الإرادة مستباحة الدماء.

– إن من لطف الله تعالى بعباده أنه قبل أن يشترط عليهم عبادته أعلمهم  بطبيعة الطريق الذي سيسلكونه، وأطلعهم كذلك على سيرة من سبقوهم على هذا الطريق حتى يؤمن من يؤمن عن بيِّنة وحتى يهيئ نفسه لدفع ضريبة هذا الاتباع وهذا الإيمان.

– ومن لطف الله أيضاً أن كل المواقف التي يُطلع  الله تعالى عليها عباده بتفاصيلها الموحشة المؤلمة تنتهي نهاية كلها نصر وتمكين وفرح وسعادة، ومن هنا يوقن أتباع هذا الطريق أنه سيمُر كل مُر.

– سيمُر كل مُر … وسيكون مُجرد ذكريات نتذكرها فنبتسم ونعلم مدى قدرة الله تعالى على منحنا القدرة والصبر والتحمل.

– سيمُر كل مُر … بعد أن ننجح في اختبار الله تعالى لنا، وبعد أن يُطهرنا الله تعالى من كل ذنب اقترفناه، ومن كل تقصير فعلناه.

– سيمُر كل مُر … بعد أن يُخرِج الله تعالى كل ما بداخلنا من قوة كامنة لم نعرف بها أو لم نشعر بوجودها فينا أو تكاسلنا عن إخراجها يوماً ما، فنراها وقد انقلبت إلى دُرر من الخير ولآلئ من الخبرات التي تغير مفهومنا للحياة فنسعد، والتي نستخدمها لإصلاح ما أفسده الظالمون.

– سيمُر كل مُر … بعد أن نعرك الصِّعاب وتعركنا الصِّعاب، وبعد أن نعرف كيف نتعامل مع الذئاب، وحينها سنكون أهلاً لحمل دعوة الإسلام، وأهلاً لأن نكون سيف لله على رقاب الظالمين.

– سيمُر كل مُر … وسيرينا الله تعالى في كل من تسبب في هذا المُر ما يُشفي صدورنا وما يزيدنا يقيناً بوعد ربنا أنه سبحانه يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته.

عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُمْلِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْه، ثُمَّ قَرَأَ (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ، إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (رواه مسلم).

– سيمُر كل مُر … وسيهلك كل من أذل نفسه لغير الله، وكل من تعلق بما عند الطغاة.

– سيمُر كل مُر … بعد أن يُعرِّي الله تعالى الباطل وأهله ويفضحهم فينقلبوا خزايا مدحورين.

– سيمُر كل مُر … بعد أن يكتوي كل من أعان ظالماً بناره، وبعد أن يذيقه الله تعالى وبال أمره حسرة وندامة على ما اقترف في حق نفسه وفي حق عباد الله، مصداقاً لقول الله تعالى:

(وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ) (هود: 113)

قال الطبري في تفسيره: قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: “ولا تميلوا، أيها الناس، إلى قول هؤلاء الذين كفروا بالله، فتقبلوا منهم وترضوا أعمالهم، (فتمسكم النار)، بفعلكم ذلك، وما لكم من دون الله من ناصر ينصركم ووليّ يليكم، (ثم لا تنصرون)، يقول: فإنكم إن فعلتم ذلك لم ينصركم الله، بل يخلِّيكم من نصرته ويسلط عليكم عدوّكم.

– سيمُر كل مُر… وسيسعد كل شريف حُر حتى لو فقدنا كل شيء ما دام الله معنا.

– سيمُر كل مُر… وسيعوضنا الله تعالى عن كل دقيقة احتسبناها لله، وكل غصَّة وكل مرارة أعواماً من البركة في الصحة والعمر والذرية.

– سيمُر كل مُر… وستنجلي كل الأحزان، وستُشفى الجراح، وستعود البسمة، وسيجتمع الشمل، وستشرق الشمس من جديد.

– سيمُر كل مُر… لأنها سُنة الله تعالى في كونه، ولأن الله تعالى لا يُخلف عباده ما وعدهم به من النصر والتمكين.

– سيمُر كل مُر… فالملك ملكه والسلطان سلطانه والقدرة قدرته والمشيئة مشيئته، هو سبحانه الرافع وهو سبحانه الباسط وهو سبحانه الذي يُعز من يشاء ويُذل من يشاء.

– سيمُر كل مُر… لأننا نعرف أن سنة الله تعالى في خلقه ألا يُمكّن للحق حتى يُبتلى، وأن الابتلاء يكون على قدر الإيمان.

– سيمُر كل مُر… لأن عهدنا مع الله كان وما زال للجنة الباقية والنعيم الأبدي وليس للدنيا الفانية.

– أقسمت بربي موقناً إن من حفظ المرسلين وأتباعهم في المشاهد كلها سيحفظنا.

– أقسمت بربي موقناً إن من هزم الأحزاب وحده سيُرينا في الظالمين وأعوانهم عجائب قدرته.

– أقسمت بربي مُوقناً إن كل مُر سيمُر.

الحمد لله على مرارة لا تفارق الحلق، ودمعة لا تجف من العين، وهمّ لا يفارق القلب، حتى إذا دعوناك وأنت أعلم بحالنا منا أيقنا أنك – برحمتك – ستستجيب.

شاهد أيضاً

محمد السهلي يكتب : الأونروا والعودة.. معركة واحدة

بحكم معناها ورمزيتها ووظيفتها، يصبح الدفاع عن الأونروا معركة واجبة وملحة .. ومفتوحة. ومع أن …