محمد عبدالرحمن صادق: إنذار باليستي وليس صاروخا باليستيا

أعلنت قيادة التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، أن قوات الدفاع الجوي السعودي اعترضت فجر الثلاثاء 15 نوفمبر 2016 م ، صاروخا باليستيا تم إطلاقه من الأراضي اليمنية باتجاه مدينة نجران جنوب المملكة.

وسبق أن قام الحوثيون بإطلاق صاروخ ( باليستي ) تجاه مكة المكرمة يوم الخميس 27 أكتوبر 2016 م .

إن ما حدث يعتبر إنذاراً وجرساً مدوياً قبل أن يكون صاروخاً, فهذه ليست المرة الأولى بل يعد الصاروخ الأخير هو الـصاروخ رقم 36 الذي أطلقته مليشيات الحوثي باتجاه السعودية منذ بداية عمليات التحالف في اليمن في 26 مارس 2015م .

وتتمثل خطورة الصاروخ الأخير في نوعه حيث أن هذا النوع يطلق عليه (الصاروخ القوسي) وهو صاروخ يتّبع مساراً منحنياً (أو شبه مداري) والمسار المنحني يسبقه مسار تسارع ناتج عن محرك صاروخي يمنح الصّاروخ الدفع المناسب للوصول إلى هدفه. أي أن الحوثيين يطورون كل مرة في هجومهم وإصرارهم على إصابة الهدف الذي يرمون له.

ودون الدخول في تحليلات سياسية ومهاترات لا تسمن ولا تغني من جوع, فإن ما حدث بالفعل يعد حُجَّة على ما يزيد من مليار ونصف المليار من المسلمين . أعلم أن هناك من يتشدق ويتنهد ثم يقول (للبيت رب يحميه), لكنها كلمة حق يراد بها باطل؛ بالفعل (للبيت رب يحميه ) ولكن لابد من التذكير بموقفين هامين:

الأول: عندما حاول أبرهة الأشرم هدم الكعبة عام 570 م ( عام الفيل ) أرسل الله تعالى الطير الأبابيل وجعلت من أبرهة وجيشه عِبرة إلى يوم القيامة.

الثاني: عندما قام القرامطة عام 317 هـ بالهجوم على الحُجاج يوم التروية وذبحهم والإلقاء بهم في بئر زمزم وخلع باب الكعبة وتمزيق سترها وخلع الحجر الأسود وسرقته وظل عندهم لمدة 22 عاما, واستمر القرامطة في التنكيل بالمسلمين وتدنيس البيت وتخريبه لمدة 11 يوما

وبلغ بهم الفجر والتجبر إلى تحدي القدرة الإلهية, فمنهم من وقف صارخا: ( أين الطير الأبابيل), ومنهم من قال: أين قولكم ( ومن دخله كان آمناً ), ومنهم من أنشد قائلاً : ( أنا بالله وبالله أنا … يخلق الخلق وأفنيهم أنا) .

ومنهم من كان يأتي بفرسه إلى ساحة الكعبة ثم ( يصفر) للفرس لكي يتبول في مكانه, إلى غير ذلك من الفُجر والممارسات الإلحادية التي لم يشهد الزمان مثلها . 

والسؤال الذي يتبادر للذهن هنا: لماذا ترك الله تعالى هؤلاء يُلحدون في الحرم ولم ينتقم منهم كما فعل مع أصحاب الفيل من قبل؟

هذا السؤال أجاب عليه الإمام ابن كثير – رحمه الله – في تعليقه على الحادثة فقال: ” إن أصحاب الفيل إنما عوقبوا إظهارًا لشرف هذا البيت، ولما يراد به من التشريف العظيم بإرسال النبي الكريم من البلد الذي فيه البيت الحرام فلما أرادوا إهانة هذه البقعة التي يُراد تشريفها وإرسال الرسول منها أهلكهم سريعًا عاجلاً، ولم يكن شرائع مقررة تدل على فضله فلو دخلوه وأخربوه لأنكرت القلوب فضله.

أما هؤلاء القرامطة فإنما فعلوا ما فعلوا بعد تقرير الشرائع وتمهيد القواعد بشرف مكة والكعبة، وكل مؤمن يعلم أن هؤلاء قد ألحدوا في الحرم إلحادًا بالغًا عظيمًا وعلم أنهم من أعظم الملحدين الكافرين، فأخرهم الرب تعالى ليوم تشخص فيه الأبصار والله سبحانه يُمهل ويُملي ويستدرج ثم يأخذ أخذ عزيز مُقتدر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته” .

وأزيد قائلاً: إن الله تعالى جعل الطير الأبابيل من المعجزات التي تلفت الأنظار كلها للبيت وعظمته وفضله وكرامته .

أما بعد أن تأكد هذا الفضل, وبعد أن أصبحت هناك شريعة سماوية اتخذت من البيت مركزا لها, وبعد أن أصبح للدين أتباع في قلوبهم عقيدة تزلزل الجبال الرواسي, وبعد أن جعل الله تعالى الجهاد في سبيله ذروة سنام الإسلام, كان لابد من ابتلاء العقيدة وتمحيصها في النفوس بأحداث مزلزلة تعيد للأمة مجدها وهيبتها وتلقي عنها أدرانها وتزيل عنها غفوتها . 

إن الله تعالى يريد من الأمة أن تتولى الدفاع عن نفسها بكل وسيلة – مشروعة ممكنة – حتى لا يكون هناك جيل من المسلمين ( التنابلة ) كما سماهم الأستاذ سيد قطب في كتاب (الظلال) في تفسير سورة الحج.    

ما أود أن أقوله أنه ليس كل مرة يصح لنا أن نقول: ( للبيت رب يحميه ) ثم نتكاسل ونتخاذل إلى أن تقع الطامة الكبرى لا قدر الله .

لقد كانت هناك حناجر تملأ الدنيا ضجيجاً بالدعاء على الشيعة والحوثيين وبعد أن رفعت لهم صور في قاهرة المعز, وبعدها قاموا بإطلاق صاروخا ( حديثاً ) على مكة فلم نسمع لهذه الحناجر صوتاً ولم يحرك أصحابها ساكناً .

يا سادة إن كنتم تخاذلتم عن نصرة الشرعية فما حجتكم وأنتم تتخاذلون عن نصرة بيت الله الحرام؟

وأذكر الدول والهيئات والمنظمات بقول: ( إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض ) .

أما العلماء فأقول لهم: ( لا تنشغلوا بنواقض الوضوء عن نواقض الإسلام) .

التمسوا لمثلي العُذر في شدة لهجتي وقسوة كلامي, فلقد حمي الوطيس وكشر العدو عن أنيابه و( لا خير فيَّ إن لم أقولها ولا خير فيكم إن لم تسمعوها) .

شاهد أيضاً

محمد السهلي يكتب : الأونروا والعودة.. معركة واحدة

بحكم معناها ورمزيتها ووظيفتها، يصبح الدفاع عن الأونروا معركة واجبة وملحة .. ومفتوحة. ومع أن …