الابتلاء عطاء من الله لمن أحبهم من عباده، ومنحة عظيمة لمن اصطفاهم من رسله وأنبيائه وأوليائه، ولا يدرك هذه الحقيقة إلا من مس الإيمانُ شغاف قلبه، وصار الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فذاق طعم الإيمان، ولمس حلاوته، فغدا العذاب في سبيله عذباً سائغاً شرابه.
الله الرؤوف اللطيف أعلم بما يصلح عباده، وأعلم بما يطيقون، وحين يُنزِّل عطاءه ويمنحه لأوليائه ينزله بالقدر الذي يرفعهم ويقويهم, أو إن شئت فقل: “يسويهم بنور عطاياه”, واعلم أن المواجهة قد طالت بين الرسل ومن معهم؛ حملة الدعوة الحق, وبين أعدائهم، حتى أنهم ليهتفون متى نصر الله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ}[البقرة214: ] وهذا التأكيد القرآني يجعل المسلم يمضي في طريقه، ثابت القدم، هادئ النفس، مطمئن الفؤاد، لا يبالي بالمحن، مهما أناخت بداره، ولا يحفل بالشدائد، وإن ألمت به من كل جانب، وإنما يمضي إلى غايته، وهو على يقين وثقة من أن نصر الله قريب.
إن نصر الله فوق رؤوسنا ولكننا لا نراه, وهو آت ولو كره المجرمون. إن ما نعيشه في هذه الأيام من شدائد, لله فيها حكم عظيمة منها :
- أن تلك الشدائد تزيد الفئة المبتلاة تماسكا والتصاقاً, وما أشبه الشدائد بقطعة الإسفنج التي كلما زاد الضغط عليها، تقاربت أجزاؤها وطردت الهواء من فجواتها. والهواء لا وزن له يذكر.
- إن الفئة المبتلاة تكسب من وراء تلك الشدائد أنصاراً وأعواناً؛ لأن آهات المعذبين تسمعها الأذان من وراء الحجب، وتتلقفها القلوب من وراء الجدر، وتكون في بيانها لحقيقة الدعوة أبلغ من قول كل خطيب يتربع على عرش البيان، كما أن قطرات الدماء هي ماءُ حياة الدعوات وسرُ بقائها وخلودها، ولقد كسبت الدعوة أنصارا عظماء من وراء التعذيب، ألا تعلم أن مفتاح قلب خليفة المسلمين الثاني عمر بن الخطاب كان في قطرات الدماء التي سالت من وجه أخته؟ وأن أسد الله حمزة بن عبد المطلب قد سرى نور الإيمان إلى قلبه حين علم بأن أبا جهل آذى رسول الله؟ وأن أصحاب الأخدود آمنوا بعد قتل الغلام، وفضلوا القتل حرقا على النكوص في إيمانهم؟
وفي عصرنا الحاضر هل آمن سيد قطب إلا حين رأى الفرحة العارمة تغمر شوارع أمريكا لقتل حسن البنا، وحينها أدرك نبل رسالته، وأنها هي التي تغيظ الأعداء، فآمن بدعوته، وقدم دمه فداءً لما آمن به.
- إن هذه الشدائد بينت للدنيا الصادق من الكاذب: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}(العنكبوت 2). كما أنها بينت المجاهدين الصابرين من غيرهم: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} (محمد31). لقد اختار الله تعالي بعلمه وحكمته ورحمته من بين من نعرف شهداء؛ اختارهم إلي جواره الكريم، ورفع درجتهم ومنزلتهم، وجعل منهم منارات لأجيال الدعوة يهتدي بها من يأتي بعدهم؛ فهم مثل التضحية والفداء، والثبات والوفاء، مضوا علي الدرب ولم يبدلوا أو يغيروا، واختارنا الله تعالي بعلمه وحكمته ورحمته ليضيف إلي تاريخنا عمراً جديداً من الجهاد والصبر والثبات ومراغمة الظالمين والخلوة مع الله والتفكير العميق في مستقبل الدعوة. وأعلم أنك بصبرك وثباتك تمد إخوانك المبتلين في السجون والمعتقلات بمدد لا ينفد من القوة المعنوية, وتمد من يعمل ويتصدى لمواجهة الظلم والظالمين بمدد مثله, واعلم أن إخوانك في جهادهم لا تغيب عن أعينهم الدماء الطاهرة الزكية التي أريقت في سبيل الحق، ويتألمون لأنات المعذبين، وما يلحق بأسرهم من ألم وحرمان، ومن أجل ذلك يضعون نصب أعينهم حقوق الشهداء والمعتقلين، بل إن ذلك خط أحمر لا يملك أحد أن يتجاوزه أو يتخطاه, وكيف لا وما استمرار الثورة المباركة على مدار الأعوام السابقة وإلى الآن إلا من عطاء تلك الدماء الطاهرة وثبات المعتقلين والمعتقلات وصبرهم على الأذى والتعذيب، والحرمان من الأبناء والآباء والزوجات والأهل.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات