محمد عزت الشريف يكتب: لا تهادنوا المحتل .. إنه عمل غير صالح

ليست دروشةً ..

ولا هي العصبية، أو القبلية، أو حتى الوطنية والقومية..

وإنما نعتمد هنا منطق الإنسانية؛

نتفاهم، ونتدارس، ونتناقش مستخدمين في براهيننا منطق الإنسان؛

الإنسان الذي هو الخليفة لله على الأرض،

وأمّا أصحاب العمائم، واللِّحى، والدراويش: فلنترك لهم الحق في الحديث عن الأمر بمنطق السماء.

 

حسناً، ما هو إذن مفهوم الصلاح بمنطق أهل الأرض؛ أولئك المحبين الحريصين على حياة؛ المعتمدين (السالكين) دروب العلم؟

إنّ الصلاح بمنطق أهل الأرض ـ حتماً ـ لن يخرج عن مفهومه في الإطار العام الذي هو (النفع)

والنفع هنا: إنما هو النفع العام لأهل الأرض؛ لا لفئة دون فئة.

 

وهنا تبرز لنا حقيقة الحاجة إلى معيارٍ يُحدِّد لنا الخط الفاصل بين النافع، وغير النافع؛

وهذا المعيار: إنما هو العلم.

كما ونحتاج بالتالي إلى مَرجع يُنظم لنا العلاقة بين أهل الأرض؛ بعضهم ببعض، ويُقيم العدالة في توزيع النفع، كما في توزيع التكاليف، والعِبء؛

وهذا المرجع: إنما هو القانون.

ومن العلم، والقانون، والنفع، تكتسب الأعمالُ شرعيتَها.

 

ولكن ما أهمية أن تكتسب الأعمال شرعيتها؟

إنَّ الأعباء، والتكاليف اللتين يُنظمهما العلم، ويُرتبهما القانون تُوجبان أن يسعى الإنسان على الأرض إلى عمار (صلاح) الأرض، ومن مُتمِّمات مفهوم الصلاح العام هنا هو الإصلاح؛ وهو إزالة ما لحق بالشيء من فساد.

ومن نافلة القول أنْ نقولَ بأنَّ الله عندما خلق الأرض فقد خلقها صالحة للحياة، وأنّ ما يمكن أن نراه عليها من فساد؛ إنما هو بالضرورة ناتج عن إفسادٍ حادثٍ، غير أصيل؛ قام به محدثون (مفسدون).

 فالعمل الشرعيّ إذن: هو عملٌ أقرّ نفعَه العلمُ، وكلفنا القانونُ القيام به، وتبَنِّيه.

والعمل غير الشرعيّ بالتالي: هو العمل الذي أقرّ العلمُ فساده، وكلفنا القانون تَجَنُّبه، ودَفعه، ومجاهدته، وإزالة آثاره.

 

من المفارقات العجيبة حقاً أنّ المفسدين في الأرض أسموا أنفسهم بأنفسهم (مستعمرين)؛ وهم في حقيقة أمرهم إنما هم (مستخربون).

والحاصل أنّ أصحاب الأرض المسلوبة أخذوا (وبسلامة نيّة) المصطلح بلغة المحتل الغاصب للأرض، وترجموه حرفياً بلغتهم الأصلية، وخرجوا علينا بمصطلحات تؤدّي عكس المعنى المقصود تماماً؛ من قبيل “استعمار”، و”مستعمرين” والمقصود هو: استخراب، ومستخربين!

 فعندما نتجاوز القانون الذي تعارفنا عليه ونتعدّى الحدود المرسومة بين حق الإنسان وأخيه الإنسان، فهذا ولا شك عملٌ غير شرعيّ يؤدي إلى غير ما تُعُورِفَ عليه من أعمال تسير في درب تحصيل المنفعة المتحققة من إعمار الأرض؛ بل هو عكس ذلك تماماً؛ إنه في حقيقته ليس إلا إفساداً في الأرض.

 وعندما يكون على الأرض فسادٌ ومفسدون، فمن الواجب والشرع (القانون والعلم) دفع الفساد، ومجاهدة المفسدين؛ وإلا نكون قد غيّبنا القانون، أو أنَّنا أهملنا دورنا في القيام بواجباتنا، وتَحَمُّلِ أعبائنا؛ في سبيل هدفنا في النفع الناتج عن إعمار الأرض، والأخذ على أيدي المفسدين فيها، العابثين بصلاحها؛

وهنا نكون إزاء فساد آخر؛ من نوعٍ آخر؛ ونحن أنفسنا ـ هذه المرة ـ أبطاله!

 وهنا يصبح التقاعُس عن دفع فساد المفسدين وإزالة آثاره، عملاً غير شرعيّ، موازٍ لفساد المتجاوزِ على القانون ـ نفسه ـ ؛

القانون الذي أقرّه العالَمون, القانون الذي وضع الحدَّ بين حق الإنسان، وأخيه الإنسان.

 إنني أتعجب لأولئك الذين يَدبُّون بأرجلهم على الأرض، يروحون ويجييئون؛ يحللون ويُنظـِّرون هنا وهناك، لهذا وذاك من الحكام والشعوب؛ يُوَصِّفون الحالة بين المحتل، المستحِلّ لأرض الغير، وبين أهل الحق؛ أهل الأرض الأصليين ـ ويُفنِّطون القول ويَتفنَّنونه من قبيل:” هذا ما يحق للمُحتل المُستَـَحِلّ، وهذا ما لا يحق لصاحب الأرض المغتصبة، والعِرضْ!

إنني لا أتوجه باستعجابي واستغرابي هذا لأصحاب الحق، والأرض المنتهكة، والعرض؛ من العرب والفلسطينيين وكل المظلومين والمستضعفين على الأرض فحسب, بل أتوجه إلى المفكرين والمُنظـِّرين المتفذلكين، وإلى كل أصحاب القوة، والسلطة، والجاه؛ من الحكام والملوك، والأمراء والسلاطين، ومنهم وعلى رأسهم دوائر أهل الرأي، وصُنعِ واتخاذ القرار في العالم،

 أنْ: كفاكم دجلاً يا سادة، وحسبكم كذباً نفاقاً..

فلا أمريكا ولا بريطانيا ولا روسيا، ولا كل قوى الضغط لدى بني صهيون، ولا غيرهم من الكثيرين الكثيرين، بقادرِين على قلب الحقائق، وفبركة الشرائع والقوانين، ولـَيّ الأذرع، وتعديل نواميس الكون؛ ليسير الكون على أمزجتهم، وهديهم السافر المبين.

ولا مجلس الأمن ولا جامعة الدول (ولا غيرهم) يستطيعون تغيير العالم، أو إضلاله بورقة؛ استيقظوا ليجدوها جاهزة على مكاتبهم؛ ممليَّةً عليهم؛ ليأتوا هم بدورهم ويُملوها علينا؛ لعلـّهم يخدعون مَن ينخدع!

 كما وليست اسرائيل بالكيان الذي يمكن أن نـُضحي بأمان العالم، وصلاحه؛ من أجل أن نقيم لها دولة على أشلاء ودماء أصحاب البلاد الأصليين، وعلى حساب أرضهم، وعرضهم، ومقدّراتهم، ووجودهم نفسه.

 فاحتلال، واستحلال حرمة الغير من قبيل اغتصاب الأرض، وهتك العرض، والعبث بمقدرات الشعوب هو جُرمٌ إنسانيّ، وكبيرة من الكبائر، وسابقةٌ نوعية تهدِّد بني البشر، وتعبث بمستقبل عيشهم على الأرض؛ وليس من النفع، ولا من القانون أو العلم أنْ تقفوا ـ يا أنتم ـ إلى جانب المجرمين الخارجين على القوانين، ولا أنْ تـُجافوا أصول وقوانين العلم، وتهتكوا عذريّة الأرض!

بل من الجُرمِ، والجهل في تعاملنا، وردود أفعالنا إزاء الفاسد، العابث، المجرم، المحتل؛ أنْ نُداهنَ، أو نهادنَ، أو نـُسالم، أو نـُصالح!

فإنَّ هذا يا السادة، أقول لكم ـ وباللـّيِّن من القول ـ

وبمنطق شريعة أهل الأرض:

لا هو من العلم ..

ولا هو من الشرع ..

 إنه عملٌ غيرَ صالح.

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب : مغزى قفزة الدولار في مصر وسر عدم تدخّل البنك المركزي

بات السؤال الملح في مصر الآن ليس عن أسباب قفزة سعر الدولار فلها أسبابها المنطقية، …