يحكى في التراث العربي أن حاكمًا ظالمًا مات وورثه ابنه وكان الأب قد اعتاد على الذهاب إلى الحمام كل أسبوع, وعندما جاء الولد إلى سدة الحكم نصحه مستشاروه بالسير على خطى أبيه وأن يذهب إلى الحمام كل أسبوع, وفعلًا ذهب هذا الولد إلى الحمام وكان قد سأل مستشاريه عن الأجرة فقالوا نصف دينار. وبعد الانتهاء دفع الولد نصف دينار لصاحب الحمام إلا أن صاحب الحمام طلب دينارًا فسأله الولد مستغربًا: لم؟ فقد كان أبي يستحم بنصف دينار, فكان الجواب صادمًا: لأنك أوسخ من أبيك!
وكما نعلم أن الشجرة أصلها من جذرها وأن الفرع هو تبع للأصل فلا يتصور أن يكون الفرع مثمرًا والأصل قاحلًا, كما أنه نادرًا ما يكون الفرع جيدًا والأصل حقيرًا, و النادر لا حكم له, وربما يتصور الأمر إذا كان طعم الفرع مختلفًا عن الأصل.
في ثمانينيات القرن الماضي ظهرت حركة في سورية قادها عدد من الشباب المسلم المتحمس وقد أطلقوا على حركتهم حركة الإخوان المسلمين وكان من أبرز سماتها تغيير الواقع القائم والإطاحة بالرئيس حافظ الأسد في ذلك الوقت وبحزبه الحاكم المسمى حزب البعث العربي الاشتراكي – العلماني – وإقامة حكومة إسلامية, إلا أنه سرعان ما افتُضِح أمر هذه الجماعة التي لم تكن بعد في طور القوة والقدرة على المواجهة، واستطاع حافظ الأسد بترسانته العسكرية التي كان يتبجح بها لقتال إسرائيل من سحق هذه الجماعة فقتل من قتل, وهجّر من هجّر, وشرد من شرد, وأعتقل من اعتقل, وكان لأبناء حماه وحلب وإدلب النصيب الأكبر من القتل والتدمير والتهجير, وهذه الكلمات الثلاثة لم تكن بعيدة عن مخيلة أبناء الشعب السوري في هذه المدن الثلاثة.
وينقل شهود عيان عاصروا الأحداث كيف أن حزب البعث ومن خلال أذرعه في الجيش والمخابرات قام بارتكاب فظائع في حق المدنيين, وقد حكى لي والدي رحمه الله الكثير من تلك القصص التى سمعها وشاهدها بأم عينه وذلك بسب موقعه في سلك المخابرات, ونظرًا لأنه لم يكن بعثيًا وكان ناصريًا, فلم يُسمح له ولأقرانه بالمشاركة مع العصابات آنذاك – والحمد الله – فكل من لا ينتمي لحزب البعث كان مهمشًا. لقد روى لي عن المحاكم التي كانت بأمر من “توفيق صالحة” في ذلك الوقت في إدلب (جسر الشغور), فقد كانت عصابات البعث تجمع الرجال ووجوههم إلى الحائط وتصدر قرارها بعد أن تتلو نص الحكم الشفهي (حكمت عليكم المحكمة العسكرية بالقتل رمياً بالرصاص لانتسابكم إلى عصابة الإخوان المسلمين، وبهذا قتل الآلاف من الناس بلا ذنب حتى أن الكثير منهم حقيقة لا يعرف ما حركة الإخوان المسلمين. ولم تكن محاكم جسر الشغور, المحاكم الأخيرة في تاريخ الأسد الأب بل كانت هناك أحداث حماه ومجازرها ومحاكمها الميدانية وحلب ومحاكم حي المشارقة في حلب, وحمص, وسجن تدمر, و… يطول الكلام.
ولم يكتفِ الأب بذلك, بل أجبر مجلس الشعب عل إصدار قانون (49) بتاريخ 7/7/1980 بالحكم بالإعدام على كل منتسب لجماعة الإخوان وبذلك أصبح هذا القانون ورقة يلعب بها كل كلب لاعق لحذاء الأسد وأصبحت التهمة الرئيسة التي تودي بصاحبها إلى السجن والقتل هي تهمة الانتساب للجماعة المحظورة.
وما أشبه الأمس باليوم؛ فعند وصول الابن إلى سدة الحكم قام بعملية فرض الأمر الواقع على إرادة السوريين وعدل الدستور وفصّل الحكم والكرسي على مقاسه ونصب رئيسًا للدولة السورية على الرغم من أنف الجميع, ومع ذلك استبشر الناس به خيرًا كونه يحمل شهادة في الطب وإن لم يُعرف مصدرها, وقد درس في المدارس الغربية ويحمل فكرًا تقدميًا، إلا أن أمل السوريين خاب بعدما ظهرت تصرفات الابن والتي كانت أسوأ من تصرفات أبيه, فانطبقت عليه القصة التي سردناها في البداية, وخرج الولد أوسخ من أبيه!
وعلى ما يبدو كانت وصية الأب لابنه أن استعن بالشيطان ولا تترك الكرسي, وهذا ما حدث فعلًا؛ فقد استجلب كل مرتزقة العالم لقتال أبناء شعبه إذا افترضنا جدلًا أنه من أبناء هذا الشعب.
واليوم يدخلُ أحياءَ حلب بمساعدة جحافل المغول وبرابرة العصر بعد حصار دامٍ لعدة أشهر, ويكرر ما فعله أبوه في ثمانينيات القرن المنصرم من قتل الناس بالشبهة لانتمائهم لجماعة محظورة من خلال المحاكم الميدانية والتقارير التي تأتي من خلال النشطاء على الأرض تؤكد قتل أكثر من 260 مدنيًا بتهم شتى ومن أبرز التهم الانتماء إلى جماعات إرهابية مسلحة.
ولكن هناك فرق جوهري بين الأمس واليوم؛ فعلى زمن الأب لم يكن هناك إعلام وتصوير على القدر الكافي من المهارة التي هو عليها اليوم, وإن وُجد في تلك الاثناء كان نادرًا, وكان النظام يقوم بعملية تمويه وإخفاء ممنهجة وكان التصوير في تلك الأيام جريمة لا تغتفر, والذي وصل إلى الإعلام الغربي دعونا نقول إنه نادر وربما يكون جلّه من صنع النظام, وكنا ربما نلتمس للمجتمع الدولي عذراً بأنه لم يكن حاضراً أو شاهداً على ما حدث.
أما اليوم فما هي حجة العالم من منع هذه المحاكم والمجازر علماً أن كل وسائل الإعلام تتناقل الأخبار بسرعة البرق ولا تخفى خافية على الإعلام, إلا أن الجبن والخوف والانحياز إلى القاتل هي من أبرز سمات الإعلام الغربي اليوم, وإن كانوا كل يوم يتبجحون بحماية حقوق الإنسان إلا أن هذا كله محض كذب وافتراء، وكما صمد الشعب السوري في وجه العالم سيصمد حتى ينتصر ولن نستصرخ أحدًا ولن نستجدي أحدًا وسنعود لمقولتنا المشهورة التي انطلقت مع بداية الثورة (ما لنا غيرك يا الله).
خدمة ترك برس
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات