محمد محفوظ عزام : العالم أم المثقف؟

على مدار السنوات الماضية ومن خلال قراءتي واستقرائي للعديد من المقالات، وكذلك  التغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي وكان آخرها ما كتبه الأسبوع الماضي الصديق العزيز الصحفي سيد حمدي في أحد تغريداته، يلخص مشهدين لا ينساهما من تجربته في إحدى الدول العربية التي عاش وعمل فيها، حيث قابل خلالها شخصيتين (نموذجين) كان كل منهما عالماً، وعبقرياً في تخصصه، أولهما كان عالم ذرة هندي مشهور وصل إلى هذه المكانة العلمية في الوقت الذي كان يعبد بقرة من دون الله!

 والثاني من الهند أيضاً وكان مهندساً للميكانيكا استقدمته الشركة التي كان يعمل فيها بعدما فشل قبله جميع المهندسين المتخصصين في إصلاح مولد عملاق فنجح في دقائق في تشغيله, ولكن الغريب هنا أنه كان يعبد (رجلاً مثله) من دون الله وكان يعلق صورته في سلسلة برقبته, وكان يقبل الصورة تعبداً على مدار اليوم.

وأشير إلى أن كتابته لهذين النموذجين كان تعليقاً على كلام العالم فاروق الباز مؤخراً (إن سقوط السيسي يعنى نهاية مصر وتحولها لخرابة وسيحتلها السودانيون وهنروح فى ستين داهية!).

أود تلخيص رؤيتي لواقعنا من خلال خبرتي وعملي وسفري للدراسات العليا بالخارج، ومشاركتي في العمل السياسي لسنوات تتجاوز ربع قرن من الزمن، وتواصلي مع أصدقائي وإخواني زبدة شباب ورجال أمتنا ممن يحملون شهادات الدكتوراة، ويعيشون في أوروبا وأمريكا ووصلوا إلى مكانة عالية في هذه الدول، كما لا أخفى تأثري بعدد من النماذج التي قابلتها وتشرفت بمعايشتها أثناء فعاليات ثورة 25 يناير وتوابعها، فقد علمتنا الثورة – ولا تزال تعلم الجميع وإن لم يوقن البعض بذلك فهذه مشكلته – أن كثيراً ممن يطلقون عليهم نجوم العلم والفكر والسياسة في الصحف والفضائيات إذا سمعناهم يتحدثون عن العلم فحدث ولا حرج, إذا كان في تخصصه الفيزيائي أو الهندسي، ومن الممكن لمعظمنا وأنا أولهم ألا نفهم من كلامهم شيئا غير أننا ننبهر بما يقولونه إيمانا منا بعلمهم وعبقريتهم الفذة!

ولكن في المقابل من هؤلاء من سقط للأسف في يد أعداء الأمة وخاصة إسرائيل والولايات المتحدة بعد أن نجحوا في استدراجهم ليكونوا نماذج ممسوخة لا قيمة لها، ولا نفع منها، وقد نجد أيضاً من هؤلاء من يؤيد الاستبداد والديكتاتورية بالرغم من تعلمه وتربيته في الغرب حيث عايش فيه الديمقراطية وحقوق الإنسان!

ونتذكر جميعا أن رؤساء وزراء مصر ووزراءها على مدار ستين سنة تقريباً كانوا ممن يحملون أعلى الشهادات وعلى رأسها الدكتوراة بل وصلوا إلى عمادة كلياتهم ورئاسة جامعاتهم ومعظمهم كان متخصصاً في الاقتصاد أو المحاسبة.

ويبقى السؤال: كيف لهؤلاء أن يفشلوا في قيادة بلد تمتلك كافة مقومات التنمية والازدهار ووصلنا معهم إلى أوضاع متردية على كافة المستويات،  والمؤسف أن هؤلاء عاشوا على الكراسي لسنوات كالموظفين يأتمرون بتعليمات الرئيس ومنهم من عايش أكثر من رئيس!

وأود الإشارة هنا إلى بعد أخلاقي آخر وهو أنه بالرغم من تربية معظمهم على النظام الاشتراكي في الستينيات من القرن الماضي إلا أننا وجدناهم ولا زال بعضهم على نفس مقاعدهم في عصور الانفتاح والتحول إلى الرأسمالية المتوحشة وبيعهم أصول ومقدرات البلد, خدمة وإخلاصاً للكيان الصهيوني.

وأعود لما بدأت به, فقد لفت نظري عدد من النماذج الرائدة التي تعيش في الخارج وتحديدا أوروبا والولايات المتحدة، قد رأيتهم منفتحين يقبلون النقد بل يرحبون به ويدافعون عن من يقوم بنقدهم حتى لو كان هذا النقد لما ينتمون له وتربوا عليه، وذلك لأنهم يعيشون في مجتمعات تحترم الرأي والرأي الأخر وتقدر جيداً (ثقافة) الاعتراف بالخطأ.

وفي هذا الإطار أذكر نموذجاً وهو لإحدى السيدات؛ التي تربطني بها صلة قرابة وهى لم تكن لها علاقة بالعمل السياسي أو الحزبي، ولا تنتمي لأي حزب أو فصيل أو تنظيم أو جماعة من أقصى اليمين لأقصى اليسار، وقد رأيتها تشارك بفعالية منذ أول تحرك يوم 25 يناير 2011 (وليس بعده) وقد تصدي لها الأمن وهددها وضربها، لكنها راوغته وأصرت على الاستكمال. هذه السيدة المصرية إذا استعرضت لكم موقفها وتحليلاتها ومشاركتها في الفعاليات اليومية على مدار خمس سنوات مضت أستطيع القول بثقة إنها حصلت على العلامة الكاملة دون خطأ أو تقدير موقف واحد!

وقد يهاجمني البعض: لماذا أقول ذلك؟ وهل أحتكر الصواب؟

بالطبع لا ، ولكن وفقاٌ لما نحن فيه الآن, ومن واقع رؤية الأحداث, أرى ويرى معظم الناس أن الصورة أصبحت واضحة, ويعلم الجميع أين أصاب وأين أخطأ, وهذا مما يشهد بروعة وجمال ونقاء ثورة يناير.

ولذلك فقد استنتجت أن كثيراً من عوام الناس قد يكون أكثر فهماً وتضحية وإخلاصاً ممن نراهم يتصدرون المشهد، وهذا ليس بخساً لحق الفصائل والقوى المنظمة, ولكن إيماني العميق بأن الله ناصرنا (في القريب العاجل) وقد تكون بداية النصر والتحول نحو ما نصبو إليه على يد شخص أو فئة لا يؤبه له أو لها، وليكون ذلك عبرة وعظة للجميع.

شاهد أيضاً

محمد السهلي يكتب : الأونروا والعودة.. معركة واحدة

بحكم معناها ورمزيتها ووظيفتها، يصبح الدفاع عن الأونروا معركة واجبة وملحة .. ومفتوحة. ومع أن …