بعد أن عشنا في مقال سابق أجواء المراحل المختلفة التي أحاطت بعطاء جماعة الإخوان المسلمين في مصر, وفلذات أكبادها من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه – نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحدا – وقد جعل الله سبحانه وتعالى ثمرة هذا العطاء تلك الأجيال المتتابعة التي أضحت أمل الأمة وضميرها الجمعي، وفي مقدمتهم من بقي من رجال “دعوة الحق والقوة والحرية”, غير مضيع ولا مبدل, بالرغم من كل ما يكابدونه من زيف وافتراء يصل إلى حد البهتان الذي يحسب صانعوه أنه هين وهو عند الله عظيم.
ثم تنسمنا أجواء العطاء وتذاكرنا فيه شذرات من حصاده عبر السنين والأزمان..
نعيش هنا تذكرة لعلها تنفعنا وتنفع الجميع حول خلق أصيل علمتنا إياه منة الله على جيلنا وأجيال المسلمين منذ القرن العشرين وحتى اليوم؛ ” الإخوان المسلمون” ثبتنا الله وإياكم على طريقهم غير فاتنين ولا مفتونين .
ونقدم دليلا دامغا جديدا هو رابط الحلقة الثانية عشرة من حلقات المراجعات التي أجرتها قناة “الحوار” مع نائب المرشد العام للجماعة الأستاذ إبراهيم منير:
https://www.youtube.com/watch?v=t7AoukSstIM
فكرة قد تراود العاملين في حقل الدعوة وتؤرق مضاجعهم، فهم لا يندمون على جهد بذلوه، أو عَرَقٍ سكبوه في نصرة هذا الدين، ولا يتحسرون على أوقات ذهبت في تربية الشباب على معاني الإسلام العظيمة، وعلى خلق النبي الكريم، بل يعُدُّون ذلك رصيداً من الأجر والثواب ورفعةً في الدرجات، ولكن أكثر ما يؤرقهم نسيان بعض المدعوين تلك السنين التي تربوا فيها، ولا يذكر أحدهم تلك الأوقات التي كان فيها بعيداً فَقُرَّب، جاهلاً فَعُلَّم، ناسياً فذُكَّر، مغموراً فشُهَّر، ينسى تلك الأيام الجميلة التي قضاها مع مربَّيه أو شيخه، وكأنها من أطلال الماضي الغابر، وقد لا يعبأ بها أو لا يرى الفضل – بعد الله – لهذا المربي الذي صاغ حياته صياغة إسلامية، وأكسبه كثيراً من مهارات التعامل والتوازن، يرى أن تلك الحقبة أشبه بالذكريات المنسية التي عفا عليها الزمان، فلم تعد صالحة للاستعمال!
ما هذا الشعور إلا نقص في الوفاء لهذه الدعوة المباركة وهذا المحضن الذي تربى فيه.
وما أجمل ما قاله الداعية المربي محمد الراشد، وجعله عنواناً مؤثراً ينبض بالأسى (دموع المربي)، وهو عنوان يصور حجم الألم الذي يعتصر قلب الداعية حين يرى من تربوا عنده يبتعدون عنه بمجرد استغنائهم فيقول:
( ولعلها كلمة قاسية – أيها الإخوة- ولكنها من الحق أن نستشهد هاهنا، في هذا الموطن، بقول صادق لسفيان الثوري – رحمه الله- فقد رؤي حزيناً يوماً، فقيل له مالَكَ؟
فقال:( صرناً متجراً لأبناء الدنيا، يلزمنا أحدهم، حتى إذا تعلم, جُعل قاضياً أو عاملاً)، إنها الحقيقة المؤلمة في حياة كثير من الدعاة.
تعلمهم الدعوة الفصاحة واللباقة التي تمكنهم من حيازة فرص جيدة، فإذا حازوها فتروا، أو تفتح لهم الدعوةُ باب الدراسات العليا، ولعل إخوانهم سعوا لهم عند المسؤولين الحكوميين لحيازة البعثات والزمالات، ولربما أعانوه بالمال، ثم يؤنسه إخوانه في غربته ويعصمونه الفتن ويخلُفُونه في أهله، فإذا تخرّج ورجع فَتَر وفكّر في عذر يتملص به من العمل.
كلمة مُرَّة يجب أن يتقبلها الدعاة، فإن كتف الدعوة يئن لكثرة الذين حملهم وتنكروا له.)ا.هـ.
ثم ينادي الراشد الدعاة: هذه الدعوة علمتك دهرا معني الوداد، وأفادتك كل الألفاظ لا مجرد لفظة، فإن كنت حرا، راعيت ودها، وأخلصت لها، وابتعدت عن فتن تتربص بها، وإن سلبك الانتصار للنفس حريتك فشأنك وما اخترت.
ولا ينتصب أحد لفتنة من بعد ستر، ولا يكسل كسلانٌ فينقطع ويترك، ويستبدل أصحابا بأصحاب إلا لنقص معنى الحرية فيه، وإلا لتقمصه بعض أثواب عبودية الدنيا، وإنه ما ثبت داعية على الطريق، وازداد بذلا وإيثارا، إلا لاكتمال معنى الحرية والوفاء فيه، ومراعاته الوداد، وما أرشد إليه الشافعي من الانتماء .
واعلم يا أخي: أن هذه الدعوة منا، ونحن منها وبها، عزها عزنا، ونصرها نصرنا، ونحن أسعد الناس بها .
إن هذه الدعوة وصلت إلينا عبر طريق طويل من الوفاء والتضحية، حتي وصلت إلينا هذه المعاني الجميلة التي تعلمناها في ظلال هذه الدعوة المباركة، فانظر إلي ابن القيم وهو يقول:( يا مخنث العزم: أين أنت والطريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورمي في النار الخليل، وأضجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيي، وقاسى الضرَ أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد, صلى الله وسلم عليهم اجمعين, ثم جاء الدعاة فحملوا الأمانة من بعدهم، واجتهدوا في الوفاء لها ولمن حملها إليهم فساروا على دربهم من الوفاء والتضحية، ولم يعتذروا حتى إذا كانت الأعذار قائمة، والتعلات حاضرة، وضربوا أعظم الأمثلة للحرية والوفاء، فأزهقت أرواح، وتمزقت أجساد، وصودرت أموال وممتلكات، وغيب من غيب في غياهب السجون والمعتقلات، ودفن آخرون في بطون الأودية والجبال فلا يُعرف أين دفنوا، وسل التاريخ ينبئك،
سل المقطم وهو أعدل شاهد ….. كم من شهيد في التلال دفين
** فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم …….. إن التشبه بالرجال فلاح
** هم الرجال بأفياء الجهاد نمـــوا … وتحت سقف المعالي والندى ولدوا جباههم ما انحنت إلا لخالقهـــا …. وغير من أبدع الأكوان ما عبــــدوا
اللهم ثبت أقدامنا وفك رهاننا وثقل ميزاننا ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك ولا أكبر
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات