هناك مراحل فاصلة في التاريخ يتغير فيها شكل العالم .
فالعالم بعد الثورة الفرنسية ليس هو العالم قبلها وكذلك العالم بعد الثورة الروسية ثم سقوط الاتحاد السوفيتي ..
ويبدو أن الذي يمهد لشكل جديد للعالم هو ثورة الربيع العربي.
فبعد أن ظلت ساحة الثورات والحروب العالمية في القرون الثلاثة الأخيرة مسرحها أوروبا وأمريكا، صار مركزها الآن ساحة عالمنا العربي.
والسؤال: ما شكل العالم الجديد المنتظر؟
وما موقعنا منه؟.
قبل الوصول إلي الإجابة ينبغي الوقوف علي بعض المعطيات:
1- ثورة الربيع العربي وضعت العالم أمام ظاهرة احتمال انتقال العالم العربي بمساحته الواسعة ووفرة سكانه وثرواته وموقعه الاستراتيجي من مرحلة الطفو إلي مرحلة الإبحار.
2- الخطورة التي مثلتها محاولة الخروج من مرحلة الطفو بالنسبة للقوي العالمية ليست فقط فقدان مصدر المواد الخام وفقدان الثروة البشرية المستهلِكة للمنتجات الغربية، بل الأخطر والأهم أنها حدثت في المساحة الوحيدة في عالم اليوم التي تمتلك أيديولوجيا تستطيع منافسة الغرب، فبعد أن قدم الاتحاد السوفيتي الشيوعية منافسًا للرأسمالية الغربية وفازت الأيديولوجية الغربية بالضربة القاضية, أفصحت كل دراسات ومراكز أبحاث الغرب أن المنافس المحتمل للأيديولوجية الغربية هي الأيديولوجية الإسلامية.
3- الغرب وأمريكا تعامل مع الأيديولوجية الإسلامية بمفهوم الحرب الاستباقية، ليس من اليوم بل من عدة قرون، وشملت الاحتلال العسكري ثم الاحتلال بالوكالة مع استمرار الغزو الثقافي في الحالتين.
4- ظلت أمنية الغرب أن تبقي بعض دول المنطقة تحت حكم وكلائه شعوبا طافية يتحقق فيها الحد الأدني من الحياة التي تحفظ للغرب خاماته واستهلاك منتجاته، وكان يتمني أن يكفيه الوكلاء تكلفة ومخاطر التدخل المباشر، ولكن ثورة الشعوب العربية فرضت وضعاً جديداً.
5- الغرب وجد أمامه طريقين للتعامل مع ثورة الربيع العربي :
إما النظر من جانب إنساني يرى فيه شعوب هذه المنطقة بشرًا كسائر البشر من حقهم أن يحيوا حياة حرة كريمة ويستثمروا ثروات بلادهم، بل ويقدموا أيديولوجيتهم للعالم ربما يكون فيها ما يفيد.
وإما النظرة الضيقة التي حكمت علاقته بنا لعدة قرون وهي نظرية تعالي الرجل الأبيض وحقه في استغلال سائر الشعوب التي يراها قاصرة.
وللأسف حسم الغرب أمره واختار الطريق الثاني؛ حتي الآن.
ولكن هذا الاختيار الثاني يحمل عدة مخاطر لمستقبل الشرق والغرب معاً:
ا- تهديد التركيب الديموجرافي (السكاني) للغرب عن طريق الهجرات من أماكن الصراع.
ب- ثورة المواصلات جعلت من الغرب الذي كان قابعاً خلف البحار والمحيطات آمناً، هدفاً قريباً ومتاحاً لردات فعل مؤلمة وموجعة في عقر داره.
ج- ثورة الاتصالات نقلت حالة من الوعي العام صار معها الرهان على استمرار الأنظمة القمعية رهانًا خاسرًا أمام شعوبٍ أثبتت تطلعها للحرية والتضحية في سبيلها.
د- التغيرات البيئية والمناخية جعلت من العالم وحدة واحدة، فإذا كانت بيننا حدود علي الأرض فليس هناك حدود في السماء تمنع أثر شرور الإنسان على تلوث الهواء والتغيرات المناخية وما ينتج عنها من تصحر وندرة غذاء ومياه وارتفاع درجات الحرارة .. وكلها تحديات أمام تشكيل عالم جديد يحد من شرور الإنسان وإفساده في الأرض.
وبعد تلك المعطيات والمخاطر نعود إلي الإجابة على سؤال: مآلات ثورة الربيع العربي؟
أو بسؤال أشمل حول شكل العالم الجديد المنتظر.
والجواب: لا أحد يملك إجابة قاطعة، ولم تقدم حتى مراكز الأبحاث في الغرب إجابة على هذا السؤال.
ووفق المعطيات السياسية؛ لم يعد أمام الأشرار الذين يحكمون العالم سوى طريقين: إما العودة إلى الرشد وإعادة التأسيس لعالم أكثر عقلانية، أو استمرار السير قدماً لمزيد من الإفساد الذي سيطال شرره الكون بأسره.
ووفق ما نؤمن به؛ نحن على يقين من أن كل الدماء والآلام والمظالم التي تواجه عالمنا العربي ناتجة عن سُنة تدافع لشعب بدأ يتحرك بعد طول رقاد، ومقاومة حركته تتناسب مع مقدار حركته ودوره التاريخي المنتظر، وفق قانون الميكانيكا: (لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه).
أو بحسب المؤرخ “أرنولد توينبي”: (التحديات الكبرى هي التي تصنع الأمم الكبرى).
وهذه الحركة هي حركة عادلة لشعوب تبحث عن حياة حرة كريمة.
وفوق كل هذا وذاك نحن نعيش في كونٍ له خالق مدبر حكيم هو الذي أجرى سفينة هذه الثورة التي ركدت طويلاً فوق ماء فاسد عفن، وهو من سيرسيها في عالم جديد لن نكون فيه عالمًا ثالثًا, أو من دول الأطراف.
بل سنعود لمكاننا الطبيعي: (الأمة الوسط).
أي محور الكون .
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات