بلاد لطالما حلمت بأن أراها، خففت الوطء وأنا أدوس ثراها، فهذا الثرى يحمل رفات الأجداد الذين بنوا صروح المجد والعلم والعرفان .
هنا البلاد التي تخيلتها وتُيِمتُ بها وأنا أهيم مع شعر “ابن زيدون” و”ابن هانئ”
هنا بلاد “ابن رشد” و”ابن الطفيل” أعلام الفكر والفقه والفلسفة .
هنا “الشاطبي” و”أبو العباس المرسي” أعلام العلم والنور والعرفان .
عشت بخيالي في هذه البلاد متيماً بمغامرة “صقر قريش” وبطولات “يوسف بن تاشفين”
طربت لذكراها وأنا أسمع :
جادَكَ الـغيْثُ إذا الغيْثُ هَمى يا زَمـانَ الـوصْلِ بـالأندَلُسِ .
هنا النجم الذي سطع في سماء أوروبا المظلمة في العصور الوسطى، هنا مركز الإشعاع الذي خرق جدار الفقر والجهل والحقد والتخلف الذي كانت تعيشه أوروبا .
هنا مقصد الدارسين، ومشفى المستطبين، وبهجة الناظرين الزائرين من ربوع أوروبا .
هنا عاش المسلمون واليهود والنصاري تحت حكم المسلمين في نموذج للتعايش والتسامح لم تعهده ولم تعرفه أوروبا .
تجولت في ربوعها أتلمس آثار حضارتنا .
أسأل: أين المنازل والمدارس والمساجد والحمامات والأسبلة (أماكن سقيا الماء للعابرين) والخانات (مأوى عابري السبيل) التي كانت آثاراً ناطقة وعلامات بارزة على التقدم والعلم والنظافة والخير والضيافة .
فوجدت أطلال حضارة لم يبق منها إلا نزر يسير، قدر الله إنقاذه من يد الحقد والجهل والتعصب .
مسجد قرطبة الجامع الذي يتسع لأربعين ألف مصلٍ مازال بنيانه قائماً ولكن تحول إلى كاتدرائية، ولم ينج من داخله إلا جزء من أعمدته وأقواسه، وشواهد جمال وإبداع قل نظيره في زخارف المحراب وبعض أجزاء المسجد .
أما مسجد أشبيلية الجامع فقد تهدم بنيانه وتم بناء كاتدرائية على أطلاله، ولم يبق من آثار المسجد سوى المنارة، أراد الله لها البقاء لتظل شاهدة على عظمة من بناها، منارة مربعة قل نظيرها ضخامة وفخامة وارتفاعا وتناسقا وزخرفة وجمالاً، صعدت إلى قمتها ( ارتفاعها 98 مترًا ) لأرى مدينة أشبيلية كلها تحتي كأني أنظر من طائرة .
ظللت أنتقل من أثر إلى أثر، وأتذكر تلك المساجد والمعالم التي كانت عامرة بذكر الله، والعلم والعرفان، ويرن في أذني مطلع قصيدة ” دِعْبِل الخُزاعي ” في آل البيت :
مدارسُ آياتٍ خلتْ من تلاوةٍ ومنزلُ وحيٍ مُقفِرُ العَرَصاتِ .
وفي الجنوب في آخر معاقل المسلمين في “غرناطة” أيقونة العمارة العالمية والشاهدة الناطقة علي عظمة وجمال فن العمارة الإسلامية “مدينة الحمراء“.
وفي “مالقا” على ساحل البحر الأبيض أقصى الجنوب “قلعة القصبة” وهي علامة مصغرة لقلعة ومدينة الحمراء بغرناطة .
شواهد حضارة وعظمة وجلال وجمال، آثار ناطقة بفضل المسلمين وشوكة في حلوق الحاقدين المزيفين للتاريخ .
هنا اختلاج المشاعر بين شعور العزة بأطلال حضارتنا الناطقة، وشعور الأسى والحزن على غروب شمس حضارتنا عن الفردوس المفقود، وسكب العبرات تجاوباً مع مرثية الأندلس للشاعر ” أبو البقاء الرندي”:
تَـبكِي الحَنيفِيَّةُ البَيضَاءُ مِن أَسَفٍ كَـما بَـكى لِفِراقِ الإِلفِ هَيمَانُ
عَـلى دِيـارٍ مـنَ الإِسلامِ خالِيَةٍ قَـد أَقـفَرَت وَلَها بالكُفرِ عُمرانُ
حَيثُ المَساجِدُ قَد صارَت كَنائِس ما فـيـهِنَّ إِلّا نَـواقِيسٌ وصـلبانُ
حَـتّى المَحاريبُ تَبكي وَهيَ جامِدَةٌ حَـتّى الـمَنابِرُ تَـبكي وَهيَ عيدَانُ
لِـمثلِ هَذا يَبكِي القَلبُ مِن كَمَدٍ إِن كـانَ فـي القَلبِ إِسلامٌ وَإِيمان
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات