كشفت مصادر قضائية عن فتح مخابرات السيسي، قنوات سرية للتواصل مع أعضاء الهيئات القضائية المختلفة للتفاوض معهم حول استقلال ميزانيتهم مقابل التبعية السياسية.
وقالت المصادر لـ”العربي الجديد” أنه تم التفاوض مع أعضاء الهيئات القضائية المختلفة حول الملاحظات التي أبداها القضاة على التعديلات الدستورية الخاصة بمواد القضاء في الدستور، خلال الجلسة الثانية مما يسمى “الحوار المجتمعي حول التعديلات”.
وكشفت مصادر قضائية رفيعة المستوى في محكمة النقض، أن الجلسة سبقتها محاولات للتنسيق بين القضاة الذين تم اختيارهم للحضور وإبداء الرأي، للاتفاق على معادلة تتضمن الخروج بأقل الخسائر الممكنة، بالتركيز على مسألتين فقط من دون باقي المشاكل التي تتضمنها التعديلات في ما يخص استقلال القضاء، هما موضوع استقلال موازنات الجهات والهيئات القضائية، وعدم ترؤس وزير العدل للمجلس الأعلى للهيئات القضائية الجديد في حال غياب رئيس الجمهورية.
وأضافت المصادر أن “إدارة مجلس النواب اختارت الشخصيات القضائية على أسس أمنية بحتة، فتمّ أولاً استطلاع آراء أكثر من 150 قاضياً سابقاً وحالياً من جميع الهيئات، ووُجّهت الدعوة إلى عدد محدود بناء على بيان من الأجهزة الأمنية وكذلك مدى قابلية الحضور لتوجيه انتقادات بسيطة أو صورية للتعديلات، مع عدم الحديث عن عيوب المواد الخاصة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، والسماح فقط بتناول المواد الخاصة بالسلطتين القضائية والتشريعية”.
وبحسب المصادر فإنه تم استبعاد قضاة مجلس الدولة بشكل واضح من قائمة الحضور، فاقتصر تمثيل المجلس على رئيسه الأسبق فريد نزيه تناغو، صاحب حكم حل حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية للإخوان المسلمين، ورفض باقي القضاة السابقين والحاليين بمجلس الدولة الذين اقترحت أسماؤهم لحضور الحوار.
وبات واضحاً من هذا الانتقاء أن النظام ماض بثبات إلى هدفه بتخريب مجلس الدولة وإلغاء دوره الكبير الذي اكتسبه في الدساتير المتلاحقة، بسبب إصداره أحكامه القاضية بمصرية جزيرتي تيران وصنافير، وتعطيله عدداً من مشاريع الحكومة لإصدار قوانين مشوبة بعدم الدستورية أو سيئة السمعة.
وأوضحت المصادر القضائية أنه “قبل انعقاد الجلسة ببضعة أيام تلقت الهيئات المختلفة إشارات من وزارة العدل وأجهزة مختلفة، كالمخابرات العامة والأمن الوطني، بأن القضاة إذا لم يعارضوا علنا دسترة تعيين رئيس الجمهورية لرؤساء الهيئات القضائية، فإنه من الممكن إبداء بعض المرونة بشأن استقلال الموازنات الخاصة بالهيئات، وصرف النظر عن مقترح إعادتها مركزية التحكم بيد وزارة العدل كما كان الوضع في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك”.
وإزاء هذه الإشارات التي تحاول معاملة القضاة بأسلوب “العصا والجزرة”، رجّحت المصادر ذاتها أن “يكون النظام قد تعمد حذف نص استقلال الموازنات من مقترح التعديلات الدستورية، حتى ينشغل القضاة في الدفاع عنه والاصطفاف حوله لأنه مطلب موحّد بالنسبة لهم، وغضّ النظر عن المواضيع الأكثر أهمية لمشروع سيطرة السيسي على القضاء، من خلال تعيين رؤساء الهيئات جميعاً، بما في ذلك المحكمة الدستورية العليا التي تحظى حتى الآن بوضع مستقل، وضمان التحكم الرئاسي في الأعضاء الجدد بالمحكمة الدستورية وهيئة مفوضيها وعدم تركها للجمعية العمومية للمحكمة، وتجريد مجلس الدولة من صلاحياته التي يمكن أن تمثل أزمة للنظام، إلى جانب التحكم الكامل أيضاً في منصب النائب العام”.
وقالت مصادر أخرى في مجلس الدولة إن “هناك غضباً متزايداً بسبب تعمّد السكوت على التعديلات الدستورية الخاصة بالمجلس”، مشيرة إلى أن “مسألة استقلال الموازنات تعني القضاة فقط، لكن صلاحيات المجلس تعني جميع المواطنين، كما أن المحاكم كانت تقوم بدورها بفاعلية في العديد من المراحل التاريخية في ظل موازنات غير مستقلة ويحكمها وزير العدل”.
وذكرت المصادر أن “رئيس المجلس المعين باختيار السيسي، المستشار أحمد أبو العزم، قرر عدم الاستجابة لأي مطالبة بعقد جمعية عمومية للاعتراض على التعديلات.
وحذّر بإحالة القضاة المخالفين للمحاذير الإعلامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى التفتيش تمهيداً لفصلهم، وهو ما تسبب في شيوع دعوة مقاطعة القضاة لأعمال الإشراف على الاستفتاء المقرر إجراؤه في نهاية إبريل أو مطلع مايو المقبلين”.
وعلى الرغم من اعتراض القضاة الجماعي على هدر استقلال الموازنات، فإن التعديلات الحالية قد تكون مُرضية للبعض بهدف إحداث تغيير جذري في حجم مخصصات الهيئات، لأن أعضاء النيابة الإدارية وقضايا الدولة والقضاء العادي، بنسب متفاوتة، لطالما شكوا عدم استفادتهم من فوائض الميزانيات أسوة بمجلس الدولة والمحكمة الدستورية، نظراً لانخفاض عدد أعضاء وموظفي الهيئتين الأخيرتين.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات