في فرنسا، وعندما تقوم بتصرفات عنصرية ضد المسلمين وتسيء لمقدساتهم فإن الأمر لا يعتبر جريمة، هذا ما خلص إليه المدعي العام لمدينة غرونوبل، وقرر إغلاق ملف اتهام طلاب من النخبة بالإهانة والتحريض على الكراهية ضد زملائهم المسلمين.
في نهاية شهر نوفمبر 2024، انتشرت مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر قيام طلاب بمدرسة الإدارة في مدينة غرونوبل (GEM) جنوب شرق فرنسا بتصرفات عنصرية مسيئة للإسلام والمسلمين، خلال أمسية طلابية.
وبحسب تقرير لموقع “عربي بوست”، فإن ما حدث في غرونوبل من إساءة للإسلام والمسلمين في فرنسا لم يكن الأول من نوعه، حيث وثقت مجموعة من الأحداث كيف أصبحت الجامعات الفرنسية مرتعاً لنشر الكراهية والعنصرية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمسلمين، في ظل قصور قانوني وتمييز كبير بين الأديان.
تخلل بعض الأفعال التي وصفت بالمشينة في مدرسة الإدارة بغرونوبل تقليد بعض الطلاب الفرنسيين “بلاك فيس” من خلال طلاء الوجه باللون الأسود، والسخرية من الدين الإسلامي عن طريق تمثيل أداء الصلاة وأكل لحم الخنزير أثناء الاستماع إلى تلاوة القرآن.
وقع الحادث في إطار حملة انتخابية لمكتب الطلاب (BDE) خارج مباني المدرسة، وأثارت الفضيحة غضباً واستياءً عارمين في صفوف الطلاب المسلمين وغيرهم من زملائهم الأجانب، إذ اعتبروا ما وقع يعكس إسلاموفوبيا واضحة واستهدافاً عنصرياً.
ويضيف التقرير، يتعلق الأمر بخمسة أو ستة طلاب، تم استدعاؤهم من قبل إدارة المؤسسة مباشرة بعد إشعارها بمحتوى الفيديو، كما تم تعليق عضويتهم داخل مكتب الطلبة. وتحسباً لأي تداعيات محتملة للحادثة، طلبت إدارة المدرسة تعزيز أمن الحرم الجامعي، وقدمت بلاغاً إلى المدعي العام بغرونوبل.
لكن وبشكل مفاجئ قرر المدعي العام لمدينة غرونوبل الثلاثاء 10 ديسمبر 2024، إغلاق القضية وحفظ الملف “لعدم وجود جريمة جنائية”، الأمر الذي جعل العديد من الطلاب المتضررين وذويهم يستغربون هذا القرار.
وفقاً لبلاغ النيابة العامة، وبعد فحص دقيق لمقاطع الفيديو، تقرر حفظ البلاغ المُقدم من مدرسة غرونوبل للإدارة دون متابعة قانونية، “إذ إن هذه الفيديوهات لا تسمح بتوصيف أي جريمة جنائية، وخاصة فيما يتعلق بالإهانة العلنية أو التحريض على الكراهية العنصرية.”
المدعي العام لمدينة غرونوبل، إيريك فييان، أوضح في بيانه أن “الأمر متروك لمدرسة الإدارة (GEM) وحدها لتقييم ما إذا كان سلوك طلابها يستدعي فرض عقوبات تأديبية بسبب انتهاك اللوائح الداخلية للمدرسة.”
عقب ذلك، اتخذت المدرسة إجراءات تأديبية أولية ضد المتورطين وقررت عقد مجلس تأديبي خلال الأيام القليلة المقبلة. وتدخلت وحدة مكافحة الكراهية على الإنترنت التابعة للنيابة العامة في باريس للتحقيق في التهديدات ومنشورات التشهير التي أعقبت نشر هذه الفيديوهات.
يلديز أريفي، مسؤولة التواصل المؤسسي بالمدرسة، قالت لـ”عربي بوست” إن الطلبة الدوليين بمدرسة الإدارة يشكلون نحو 30%. هذا التنوع والغنى الثقافي يعد حسب الإدارة قيمة مضافة ومكسباً يثري الحياة الطلابية. كما أن 30% من موظفي المؤسسة ينحدرون من دول أجنبية.
من جهتها، مديرة مدرسة الإدارة في غرونوبل، فوزية بوزردة، عبرت في تصريحات إعلامية أعقبت انتشار الفضيحة عن شعورها بـ”الإحباط من أن هذه السلوكيات التي تسيء لسمعة المؤسسة، رغم أنها تصدر عن أقلية صغيرة جداً.”
في المقابل، أكدت مسؤولة التواصل المؤسسي بمدرسة الإدارة في غرونوبل اعتزام إدارة المؤسسة عقد مجلس تأديبي قريباً لاتخاذ عقوبات زجرية صارمة في حق الطلبة المسيئين، مشيرة إلى أنه “لا تسامح مع مثل هذه التصرفات“.
وإذ لم تستبعد المسؤولة في حديثها لـ”عربي بوست” احتمال طرد الطلاب المتورطين في الواقعة نهائياً، فإنها أوضحت أن ذلك “لن يكون خياراً مثالياً ولن يحل المشكلة”، مشيرة إلى ضرورة التفكير في حلول أنجع وخيارات أكثر عمقاً”، على حد تعبيرها.
وأعادت قضية مدرسة غرونوبل النقاش حول تفشي العنصرية داخل الجامعات الفرنسية، إذ ربط البعض ذلك بتصاعد الخطاب اليميني المتطرف وانتشار الأفكار العنصرية في وسائل الإعلام، ما يغذي لدى الجيل الجديد والشباب الناشئ مشاعر الكراهية والعداء.
وتجدر الإشارة إلى أن حادثة مدرسة غرونوبل ليست الأولى، بل سبقتها عشرات الحوادث التي كان ضحيتها طلبة مسلمون، أبرزها ما حدث خلال فترة الامتحانات بإحدى كليات جامعة السوربون بباريس، حيث اشتكى طلاب من عدم السماح لهم بأخذ استراحة للصلاة أو توفير خيارات غذائية تتلاءم ونظامهم خلال الأنشطة الجامعية.
كما سبق أن شهدت جامعة بوردو سنة 2023 احتجاجات كبيرة بسبب تصريحات عنصرية وإسلاموفوبية صدرت عن أحد الأساتذة، مما دفع الطلاب لتنظيم مظاهرات مطالبة بإقالته. الجامعة أطلقت تحقيقاً داخلياً وأعلنت التزامها بالتصدي للتمييز بكافة أشكاله.
وفي فبراير سنة 2023، قررت جامعة فرساي إيقاف أحد الأساتذة لديها في إطار إجراء احترازي إثر وصفه طالباً من أصول عربية بـ”العربي القذر”، الأمر الذي خلف غضباً واسعاً بين الهيئات الطلابية داخل الجامعة.
قبل ذلك، كانت نتائج تحقيق أجراه المرصد الوطني للتمييز والمساواة في التعليم العالي، شمل أكثر من ألفي طالب متوزعين على مختلف المدن الفرنسية، كشفت أن الطلبة الذين يحملون أسماء عربية عجزوا تقريباً عن إيجاد أساتذة من أجل التدريب الجامعي.
إذ لما حاول طلبة مراسلة أساتذة بأسماء مستعارة عبر البريد الإلكتروني قصد الاستفسار عن محاولة الحصول على تدريب خاص، من بينهم محمد مسعودي ورشيدة سعيد وتوماس برنارد وفاليري ليروي، فوجئ محمد ورشيدة بإقصائهما وعدم حصول طلبيهما على تفاعل إيجابي، خلافاً لمن استخدما اسمين فرنسيين.
مسؤولة التواصل بمدرسة غرونوبل أكدت أن ما حدث لا يمكن فصله عن مشاعر الفرقة ونبذ التسامح التي بات يعرفها المجتمع الفرنسي، إذ لم تستبعد أن يكون ذلك مرتبطاً بخطاب إعلامي متطرف وجو سياسي عام غير صحي يؤثر سلباً على الحياة الطلابية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات