منذ سنوات قليلة بدأت جريدة الجارديان البريطانية العريقة خطة طموحة للتحول الرقمى وتعديل ميزان الإيرادات والنفقات، وهذا العام بعد سبع سنوات من انطلاق المسيرة تمكنت الجارديان من تحقيق الأرباح للمرة الأولى، هذه التجربة تمثل إلهاما للكثير من المؤسسات وتقدم دروسا يمكن الاستفادة منها، الكاتب “جوشوا بنتون” رصد فى مقال مفصل عبر موقع “نيمان لاب” تفاصيل التجربة وهو المقال الذى نستعرض أبرز مافيه فى السطور المقبلة.
….
تمثل صحيفة الجارديان البريطانية حالة فريدة على العديد من المستويات، فهى على سبيل المثال تجتذب أكثر من ثلثا القراء من بلدان غير بلد الصدور الأصلى، كما أنها من الصحف النادرة التى بدأت الصدور فى مدينة ثم انتقلت إلى مدينة أخرى لتحقق فيها نجاحا كبيرا، كما أنها من الصحف النادرة التى يمتلكها “صندوق استثمار” هدفه الرسمى هو “ترويج الصحافة الليبرالية فى بريطانيا وغيرها”.

كما أن الجارديان كانت تتميز بأنها ظلت على مدى سنوات طويلة تخسر الأموال دون أى أمل فى تحقيق التوازن أو الأرباح، بطبيعة الحال هناك صحف يمتلكها بعض الأغنياء الذين لا يهتمون بالخسائر مقابل التأثير والنفوذ، كما أن هناك بعض عائلات “البيزنس” الشهيرة على مستوى العالم اختارت خدمة الصالح العام عبر الإعلام دون تفكير فى الأرباح والخسائر، ولكن المعتاد فى عالم الصحافة هو أنه عندما تنخفض إيرادات الصحف يصحب ذلك تخفيض للنفقات بغض النظر عن نوع الملكية، لأن الصحف التى تستمر فى الخسارة المتلاحقة تموت.

إلا أن الجارديان تستمر فى الصدور والتواجد رغم الخسائر المتوالية، ذلك النوع من الخسائر الذى تصفه مؤسسة BBC بالقول إنه النوع “الذى لا تتسامح معه مؤسسات القطاع الخاص”، ولكن السر وراء تحمل هذه الخسائر أن الجارديان كانت تعتمد دائما على أرباح صناديق أو مؤسسات أخرى يمتلكها الصندوق الاستثمارى المالك للصحيفة لتحقيق التعادل الرقمى فى النفقات.
هذا الأمر الذى استمر لسنوات طويلة تغير مؤخرا وبشكل يمنح الأمل لمؤسسات الصحافة الجادة حول العالم، حيث أعلنت الصحيفة أن الحسابات المالية أظهرت تحقيقها أرباحا مالية للمرة الأولى فى التاريخ الحديث، حيث سجلت المؤسسة أرباحا تقدر بنحو 800 ألف جنيه استرلينى، ولنا أن نتخيل حجم القفزة عندما ندرك أن الجارديان حققت خسائر بلغت 57 مليون جنيه استرلينى منذ ثلاثة أعوام فقط.
كاثرين فينر، رئيس تحرير الجارديان، تحدثت عن تلك الطفرة بالقول: “اليوم نعلن أن الجارديان أكملت بنجاح استراتيجتها للتحول التى استمرت ثلاث سنوات، حيت تمكنت الصحيفة من تحقيق التوازن بين المصروفات والإيرادات، بالإضافة إلى بعض الأرباح التشغيلية الصغيرة فى الطريق إلى حالة الاستدامة. وهذا يعنى أن الأموال التى تأتى من المعلنين، إضافة إلى ما نتلقاه من الدعم من القراء، قد غطت هذا العام تكاليف إنتاج الصحافة التى تعلم الناس حول العالم وتلهمهم. إن نموذج الملكية الفريد الخاص بنا يعنى أننا لا نخضع لسيطرة ملياردير، أو مجموعة من المساهمين الذين يطالبون بالأرباح المالية، ويعنى أن جميع الأرباح التى يتم تحقيقها تستثمر من جديد مباشرة فى الصحافة التى نقدمها”.
تحقيق الأموال من المنتج الرقمى
النتائج التى تحققت هذا العام هى نتيجة لعملية تحول طويلة استمرت على مدار سبع أعوام، كان هدفها الأساسى تحويل أغلب مصادر الإيرادات لتكون من المحتوى الرقمى، بالإضافة إلى استكشاف أفضل الوسائل للحصول على الدعم المالى من القارىء سواء كان ذلك عبر الاشتراك أو التبرع، وهى العناصر التى نجح فيها المؤسسة العريقة.
على سبيل المثال فإن معدلات الزيارات لموقع جارديان فى تصاعد مستمر، ومعدل مشاهدة الصفحات الشهرى يرتفع بنسبة 70% منذ عام 2016، وبطبيعة الحال يعود هذا الأمر فى جزء منه إلى حدثين كبيرين هما فوز ترامب بالانتخابات الأمريكية واستفتاء “بريكست”، ورغم أن معدلات القراءة لا تترجم دائما إلى أموال، إلا أن 55% من إيرادات الجارديان تأتى اليوم من مصادر رقمية، وهو إنجاز فعلى لعملية الانتقال. وهو مستوى لم تحققه إلا عدد قليل من وسائل الإعلام يمكن أن نذكر منها “فايننشال تايمز”، أما “نيويورك تايمز” فهى تأتى على مسافة قريبة بنسبة 40% من إجمالى إيرادتها من المصادر الرقمية ومن المفترض أن تتجاوز تلك النسبة 50% بحلول العام المقبل. وشهدت الجارديان زيادة فى كلا من الإعلانات الرقمية والاشتراكات الرقمية، وهو مزيج لم يستطع الكثيرون تحقيقه.
وربما يكون أهم ما تكشف عنه هذه تجربة التحول فى الجارديان هو أن نسبة الإيرادات القادمة من الإعلانات الورقية لا يتجاوز حاليا 8% فقط من إجمالى العائدات، وتلك الإعلانات كانت منذ بدء الصحافة هى حجر الزاوية فى صناعة الصحافة بأكملها. هذه الأرقام تقول إن الصحف المطبوعة مازالت تدر الأموال، ولكن لم يعد بمقدورها أن تكون المرشد الأساسى فى الصناعة.
احصل على الأموال من القارىء
الصحف الكبرى المؤثرة والتى تتشابه مع الجارديان فى الحجم والتأثير مثل نيويورك تايمز، وواشنطون بوست، وول ستريت جورنال بنت استراتيجية التطوير لديها على فكرة بيع الاشتراكات الرقمية، وكانت منطقها بسيطا للغاية، وهو أن المؤسسة تقدم محتوى متميز يجب الدفع من أجل الحصول عليه، مع رهان أن القارىء سيدفع، وكل ما على المؤسسة الإعلامية هو وضع بوابة الاشتراكات وسوف تبدأ الإيرادات فى التدفق.
تلك الاستراتيجية البسيطة والناجحة لتلك الصحف، لم تناسب الجارديان التى كانت ترفض دائما وضع بوابات الدفع لأن الصندوق المالك للجريدة هدفه الأساسى هو نشر القيم الليبرالية عبر الصحافة الجادة، وهو ما لن يحدث إذا لم يصل المحتوى مجانا للجماهير العريضة، ولذا استخدمت الجارديان رهانا مختلفا تماما وهو الدفع التطوعى من القارىء المخلص للجريدة ورسالتها.
والغريب أن تلك الاستراتيجية نجحت فى نهاية المطاف، وكانت الفكرة ترتكز على محورين: الأول هو تقديم منتج رقمى مميز مخصص للمشتركين، والثانى هو طلب المال دائما.
بالنسبة للشق الأول، جميع تطبيقات الهاتف المحمول من الجارديان مجانية لجميع المستخدمين، إلا أن هناك ترقية صغيرة لبعض المميزات مثل إزالة الإعلانات وإمكانية التصفح دون الانترنت بطريقة أفضل، والكلمات المتقاطعة اليومية، وبعض الاختلافات فى الواجهة تتاح للمشتركين مقابل 6.99 دولارات فى الشهر. وفى الغالب تدفع غالبية المشتركين لدعم دور الجارديان فى تقديم صحافة تخدم الصالح العام، بينما يشترك البعض بحثا عن الكلمات المتقاطعة ولا يمكن إغفال هذا الأمر، وقد تمكنت جارديان من بيع 190 ألف اشتراك حتى الآن.

أما بالنسبة للشق الثانى وهو الطلب المتكرر، يلاحظ القارىء مربعا صغيرا يتحدث عن ضرورة دعم الصحافة الحرة، وفى نهايته يطرح وسيلة لتقديم التبرعات إلى الصحيفة، وإذا شعر القارىء بالرغبة فى الضغط على الرابط فإن الخيار الأول سيكون هو تكرار عملية التبرع شهريا، ويقترح النظام 15 دولارا فى الشهر أو 180 دولارا فى العام، وفى الحقيقة فإنه يمكن الاشتراك الرقمى فى نيويورك تايمز أو واشنطون بوست بمبالغ أقل من هذه. ولكن هناك خيار آخر بالتبرع لمرة واحدة. وخلال العام الماضى قدم أكثر من 300 ألف شخص تبرعا لمرة واحدة إلى الجريدة، ولكن الأهم من ذلك أن هناك 365 ألف مشترك يقدمون تبرعات بشكل آلى.

العائدات المتكررة أمر بالغ الأهمية بالنسبة للمؤسسة التى تقدم المزيد من الصحافة كل يوم، ولكن المساهمات لمرة واحدة هو تحول جيد فى الإيرادات من مناطق غير تقليدية وهو أمر لا تستطيع الكثير من الصحف الأخرى المنافسة فيه، وجريدة نيويورك تايمز هى واحدة من الصحف النادرة التى استكشفت هذا المسار، حيث تتيح للقارىء خيار “دعم اشتراك طالب” من أجل جذب الأجيال الجديدة للقراءة، وهى إحدى الأفكار المبتكرة من أفكار التبرع لأن الاشتراك الرقمى لا يكلف التايمز شيئا، ولكنهم فى الوقت نفسه لديهم 30 ألف قارىء يدعمون ثلاثة ملايين اشتراك للطلاب الأمر الذى يوفر مبلغا فى حدود 10 ملايين دولار إيرادات للتايمز فقط بمجرد السؤال.
تجربة الجارديان تمنح الأمل للكثير من المؤسسات الصحفية المتعثرة، أن الحلول غير التقليدية والاعتماد على ولاء القارىء، والأهم من ذلك تقديم المحتوى الذى يحترم عقل القارىء يمكن أن يغير الوضع تماما إلى الأفضل.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات