“الأحد الدامي” بات عنوانا وذكرى أليمة ترافق أقباط مصر، خلال احتفالاتهم ومناسباتهم الدينية، بعد تكرار استهدافهم في نفس الزمان، وربما المكان، وبذات الأسلوب، متكبدين خسائر في الأرواح، مقابل وعود كاذبة من رأس السلطة بتوفير الأمن لهم.
“الأحد الدامي”.. حدث تجدد بعد سقوط 46 قتيلا وإصابة أكثر من 100 آخرين في انفجارين وقع أولهما في كنيسة بطنطا وسط الدلتا، والثاني أمام كنيسة بالأسكندرية على ساحل المتوسط، وأعلن تنظيم «الدولة» مسؤوليته عنهما.
لكن أحد أول أمس, ليس ككل الآحاد السابقة, فهو يأتي قبل نفاد مهلة الشهور الست التي طلبها رئيس سلطة الانقلاب العسكري في مصر “عبدالفتاح السيسي” من المصريين واقتراب انتهاء فترة ترأسه لسلطة الانقلاب على إرادة المصريين، وبدء حملة لأبواق السلطة تطالب المصريين بأن يمنحوه أصواتهم في الانتخابات المقبلة حتى دون أن يتقدم ببرنامج أو رؤية، لأن “من واجبهم أن يمنحوه الفرصة” لكي يستكمل دراسة المشاكل التي يعانون منها ويختار معاونيه! ويضع معهم الخطط الكفيلة بالتغلب عليها بعد أن توقع مراقبون أنه سيتقدم بترشيح نفسه لإعادة فرض نفسه مرة ثانية.
المعنى السابق كتبه على سبيل المثال, صلاح عيسى؛ الشيوعي السابق, في مقاله بصحيفة «المصري اليوم»، تحت زعم وجود تهديدات بإدخال الدولة المصرية دوامة عنف تتجدد معها “فوبيا” تحول مصر إلى النموذج السوري أو العراقي.
فرض حالة الطوارئ
مجلس وزراء حكومة الانقلاب العسكري “وافق” على قرار السيسي فرض حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر، على أن تتولى القوات المسلحة وهيئة الشرطة اتخاذ ما يلزم لمواجهة أخطار الإرهاب وتمويله، وحفظ الأمن بجميع أنحاء البلاد، وحماية الممتلكات العامة والخاصة، وحفظ أرواح المواطنين.
المستغرب في رصد التداعيات ما كشفه مقطع فيديو لأحد أبواق سلطة الانقلاب «عبد الرحيم علي» الذي انتقد قرار فرض حالة الطوارئ دون اجتماع مجلس النواب للموافقة على القرار، مما يعده عبدالرحيم ضربا بالدستور عرض الحائط، مشيرا إلى أن مصر تتجه لـ«الحضيض»، وتساءل: هل يعقل أن يعلن رئيس الحكومة حالة الطوارئ منفردا في وقت كان فيه البرلمان غير مجتمع، رغم أن الدستور ينص على موافقة ثلثي البرلمان؟
عبد الرحيم؛ وهو صحفي وعضو في “برلمان التحية العسكرية” ورئيس مجلس إدارة جريدة «البوابة نيوز» المدعومة من الألف إلى الياء من دولة الإمارات كفيل رئيس سلطة الانقلاب تساءل: إلى هذا الحد الاستهانة بالدستور، إلى هذا الحد تصادر صحيفته (البوابة) لأنها تحدثت عن تقصير أمني، وطالبت بإقالة وزير الداخلية؟
وتابع عبدالرحيم :«قيل لنا يا تشيل الخبر يا نصادر الصحيفة”، وردا على سؤال حول من الذي خيره بين حذف الخبر أو مصادرة الصحيفة، أجاب: المطبعة.
وحول موقف نقابة الصحفيين، قال: ننتظر موقف النقيب الجديد من أزمة مصادرة عدد البوابة، وسأكتب مجددا عن مطلب إقالة وزير الداخلية في الصفحة الأولى وسأكتبها على جبهتي.
وقال: «سأنشره اليوم وغدا وبعد غد في الصفحة الأولى وأقول إن 50 شهيدا في رقبة وزير الداخلية».
وتساءل: المتفجرات وصلت وسط الدلتا وأعدت في أحزمة ناسفة وتم تفجيرها وفي النهاية لا تريدني أن أقول تقصير أمني؟.
والعدد المصادر من “البوابة ” شمل عناوين بانتقادات لجهات رسمية عدّة، من بينها «من يحمي أقباط مصر”، و«حاسبوه قبل أن تُحاسبوا» مع صورة لوزير الداخلية مجدي عبد الغفار، إضافة إلى صورة للسيسي مع سؤال: «متى تشفي غليلنا؟».
وكان السيسي أعلن سلسلة إجراءات عقب ترؤسه اجتماعا لمجلس الدفاع الوطني وعلى رأسها إعلان حالة الطوارئ لمدة 3 أشهر في جميع أنحاء الجمهورية، وتشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب والتطرف بعد استيفاء الإجراءات القانونية والدستورية، مدعيا أن ذلك يأتي بهدف حماية مصر والحفاظ عليها ومنع المساس بقدرتها ومقدراتها.
مخالفة لدستور سلطة الانقلاب
المادة (145) من دستور سلطة الانقلاب حددت إجراءات إعلان حالة الطوارئ, ونصت في فقرتها الأولى على «يعلن رئيس الجمهورية، بعد أخذ رأى مجلس الوزراء حالة الطوارئ، على النحو الذي ينظمه القانون، ويجب عرض هذا الإعلان على مجلس النواب خلال الأيام السبعة التالية ليقرر ما يراه بشأنه».
وتابعت المادة: «وإذا حدث الإعلان في غير دور الانعقاد العادي، وجب دعوة المجلس للانعقاد فورًا للعرض عليه».
«وفي جميع الأحوال تجب موافقة أغلبية عدد أعضاء المجلس على إعلان حالة الطوارئ، ويكون إعلانها لمدة محددة لا تجاوز ثلاثة أشهر، ولا تمد إلا لمدة أخرى مماثلة، بعد موافقة ثلثي عدد أعضاء المجلس.. واذا كان المجلس غير قائم، يعرض الأمر على مجلس الوزراء للموافقة، على أن يعرض على مجلس النواب الجديد في أول اجتماع له. ولا يجوز حل مجلس النواب أثناء سريان حالة الطوارئ».
لكن الالتفاف على قيد عدم تمديد حالة الطوارئ، ليس بالأمر العسير، حيث يمكن إعلان الطوارئ من جديد بعد بضعة أيام أو أسابيع من انقضاء الشهور الثلاثة، وهو ما لجأت إليه الحكومة ومجلس النواب لضمان استمرار فرض أحكام الطوارئ وحظر التجوال في شمال سيناء، منذ أكتوبر 2014.
وخلال الأشهر الثلاثة القادمة (أو الستة في حالة التمديد)، سيكون من حق السيسي تخصيص دوائر للطوارئ في كافة المحاكم الابتدائية والاستئنافية، مع حقه في ضم ضباط الجيش إلى تلك المحاكم!
وبحسب المادة (9) من القانون، يمكن لرئيس الجمهورية، أو لمن يقوم مقامه، أن يحيل إلى محاكم أمن الدولة طوارئ أية جرائم يعاقب عليها القانون العام.
ولا يجوز الطعن بأي وجه من الوجوه على الأحكام الصادرة من محكمة أمن الدولة طوارئ (المادة 12)، وهو ربما ما سيحقق الغرض الأهم من إعلان حالة الطوارئ الآن، نظرًا للصعوبات التي واجهتها الحكومة في تعديل قانون الإجراءات الجنائية من أجل تسريع إجراءات إدانة المتهمين في قضايا الإرهاب، وهو ما يعني أن محكمة النقض لن تتدخل في مراجعة الأحكام الصادرة.
ويمنح قانون الطوارئ رئيس الجمهورية سلطات واسعة في التدخل في أحكام محاكم الطوارئ، حيث يحق له إلغاء الحكم الصادر بالإدانة بعد التصديق عليه، مع الأمر بإعادة المحاكمة من جديد.
وتنص المادة (4) من حالة الطوارئ على أن تتولى القوات المسلحة «تنفيذ الأوامر الصادرة من رئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه.
وفي حالة الطوارئ أيضا، تعطى السلطة التنفيذية، سلطات واسعة لوضع القيود على حرية الأفراد وحقوقهم الدستورية؛ بوضع قيود على حرية الأشخاص في الإجتماع والإنتقال والإقامة والمرور في أماكن أو أوقات معينة والقبض على المشتبه فيهم أو الخطرين على الأمن والنظام العام وإعتقالهم والترخيص في تفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الاجراءات الجنائية وكذلك تكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الأعمال.
فضلا عن الأمر بمراقبة الرسائل أيا كان نوعها ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم، وكافة وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وإغلاق أماكن طباعتها.
كما يحق للسلطة التنفيذية، تحديد مواعيد فتح المحال العامة وإغلاقها وكذلك الأمر بإغلاق هذه المحال كلها أو بعضها.
ويحق للسلطة التنفيذية أيضا، الاستيلاء على أي منقول أو عقار والأمر بفرض الحراسة على الشركات والمؤسسات، وكذلك تأجيل أداء الديون والإلتزامات المستحقة والتي تستحق على ما تستولى عليه أو على ما تفرض عليه الحراسة.
فضلا عن سحب التراخيص بالأسلحة أو الذخائر أو المواد القابلة للإنفجار أو المفرقعات على اختلاف أنواعها، والأمر بتسليمها وضبطها وإغلاق مخازن الأسلحة.
كما يحق للسلطة التنفيذية، إخلاء بعض المناطق أو عزلها وتنظيم وسائل النقل وحصر المواصلات وتحديدها بين المناطق المختلفة.
لا جديد
الحقوقي «أحمد مفرح»، علق على إعلان حالة الطوارئ بالقول، إنها لا تحمل جديدا, فالقانون مطبق بالفعل عن طريق قوانين مختلفة، مثل قانون التظاهر والذي تم اقرارة في نوفمبر 2013، وقانون مكافحة الإرهاب الصادر في أغسطس 2015، وقانون حماية المنشات العامة الصادر في أكتوبر 2015.
وتابع: «أمن المجتمع لا يتم بإقرار القوانين العرفية القمعية للحريات وحقوق الإنسان، وإنما بالتنمية والحوار المجتمعي».
تداعيات اقتصادية
صحيفة «المصريون»، نقلت عن خبراء اقتصاديين، قولهم إن «فرض حالة الطوارئ في مصر لمدة 3 أشهر، سيكون له عوامل سلبية فيما يتعلق بجذب الاستثمارات الخارجية».
وأشاروا إلى أن البورصة المصرية ستكون أكبر المتأثرين سلبيًا بالقرار الذي سيجهض جميع محاولات إعادة السياحة في الوقت الحالي.
وتراجعت مؤشرات البورصة خلال جلسة أول أمس الأحد، متأثرة بالتفجيرات، وفقد رأس مالها السوقي نحو 6 مليارات جنيه (333.3 مليون دولار) بعد مبيعات مكثفة من قبل المصريين.
تاريخ الطوارئ
وقد عرفت مصر الأحكام العرفية منذ العام 1914، إبان الحرب العالمية الأولى، بعد أن فرضت قوات الاحتلال البريطاني الأحكام العرفية في جميع أنحاء البلاد، لحماية مصالح بريطانيا وقواتها المتواجدة في مصر حينئذ.
وفرضت ثانية مع الحرب العالمية الثانية في 1939، لكنها كانت هذه المرة أحكام عرفية مصرية.
وأعلنت الطوارئ للمرة الثالثة في مصر عام 1948، بمناسبة مشاركة الجيش في حرب فلسطين، واستمرت عامين، قبل أن تفرض ثانية في 1952.
وطبقت الطوارئ لأول مرة عقب الثورة في يونيو 1967، بسبب دخول مصر في حرب ضد (إسرائيل)، وذلك حتى عام 1980.
وبعد اغتيال الرئيس الأسبق أنور السادات، في أكتوبر1981، فُرضت حالة الطوارئ واستمرت حتى قيام ثورة 2011.
واستمر العمل بحالة الطوارئ، بعد الثورة، مارس2011، ثم عاد العمل به مرة أخرى في سبتمبر2011، بسبب الأحداث التي وقعت أمام السفارة الإسرائيلية، وأُعلن رسميًا إيقاف العمل بقانون الطوارئ في مايو 2012.
وفي عهد الرئيس محمد مرسي، فرضت قانون الطوارئ في الذكري الثانية لثورة يناير، لمدة شهر بسبب أحداث الشغب في مدن القناة فحسب.
وعقب الانقلاب، وتزامنا مع فض اعتصام رابعة، أعلن أول رئيس لسلطة الانقلاب في مصر «عدلى منصور» إعادة العمل بقانون الطوارئ وفرض حالة الطوارئ لمدة شهر، ومع السيسي، فرضت حالة الطوارئ في سيناء منذ أكتوبر 2014، وحتى الآن.
لماذا الحرب الآن على مسيحيي مصر؟
إعلان تنظيم الدولة مسؤوليته في غضون ساعات عن هجمات “الأحد الدامي”، لم تكن مفاجأة لدأب التنظيم على إثارة النزعة الطائفية داخل مصر، ولم تتمكن السلطات المصرية من مواكبة هذا التهديد المتصاعد، وقد يرجع ذلك إلى حدٍ كبير إلى عدم كفاءتها، لكنّه يعكس أيضًا التطور المتزايد لقدرات تنظيم الدولة الموجهة إلى مصر، ومع دخول التنظيم في حالة دفاع في أماكن أخرى، تصبح أرض مصر جذابة للغاية لتصبح جبهة محتملة في أجندة التنظيم، ويبدو أنّ تنظيم الدولة يركز الآن المزيد من الوقت والموارد ومواهب التنظيم في مصر، الأمر الذي يجعل من المحتمل أن يزداد الوضع سوءًا في المستقبل بحسب مجلة ” ذي أتلانتيك”.
وحسب المجلة فإن تنظيم الدولة يخططط أن يكون إشعال الفتنة الطائفية في مصر خطوةً أولى في طريق تفكك البلاد، وقد هزت العديد من الانفجارات القاهرة والدلتا منذ عام 2013، وقد نفذها كل من تنظيم الدولة ومبايعوه في أنصار بيت المقدس، ومع ذلك، فإنّ جهود التنظيم كانت معتلة بشكلٍ كبير حتى الآن في البر الرئيسي لمصر، وكان التنظيم قد حقق نجاحات أفضل بكثير في شمال سيناء النائية، حيث قتل أكثر من ألف جندي حكومي في الأعوام الأخيرة، لكنّ المنطقة بعيدة للغاية عن القاهرة لكي تشكل تهديدًا وجوديًا للحكومة.
حرب وجود للسيسي
صحف عبرية اعتبرت “الأحد الدامي” بمثابة ضرب للبطن الطرية لمصر، وللتشكيك بقدرة قوات الامن المصرية في الدفاع عن الاقلية المسيحية، وصفعة لـ “السيسي “، فيما ذهب معارضون مسيحيون لاعتبار “السيسي” المسؤول الأول عن الدم، وانتقدوا الإجراءات الأمنية لحماية الكنائس، ووصفوها بالفاشلة، وقالوا إن السيسي، فشل في الملف الأمني، الذي استخدمه في استمداد شرعيته في الحكم.
ووجه شباب أقباط معارضون انتقادات حادة لنظام السيسي، وقال فادي إسكندر، القيادي في حزب التيار الشعبي تحت التأسيس لـ «القدس العربي»،: «السيسي لا يستطيع تأمين ضباط الجيش أو المسيحيين أو المسلمين، أو حل الأزمة الاقتصادية، أو اختيار حكومة قوية».
فيما أكد هاني رياض الناشط السياسي والحقوقي، أن نظام السيسي يتحمل المسؤولية كاملة عما يحدث للأقباط في مصر، لأنه تفرغ لفرض القبضة الأمنية على السياسيين، فيما فشل، في حماية المصريين من الإرهاب.
وأضاف: «لعنة الدم تطارد الجميع من أول نقطة دم سالت في ميدان التحرير حتى مذبحة رابعة، مروراً بأحداث ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء، فهناك آلاف من الأبرياء سقطوا دون ذنب سوى إيمانهم بالحرية، فيما هرب المسؤولون دون محاسبة حقيقية فمازال القاتل الحقيقي طليقا وينعم بالحرية بل والسلطة أيضاً».
وتابع: «قاتل تلوثت يداه بدم المصريين؛ مسلمين ومسيحيين على السواء، ووحدهم الغلابة هم قربان المذبح ووقود المعركة فى لعبة الدم التي لن تنتهي سوى بمحاسبة جميع المقصرين والمسؤولين عن إراقة الدماء من جنرالات الجيش ».
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات