مصطفى إبراهيم : “جاستا” والغارة على العالم الإسلامي

لم تعد الغارة والحرب على العالم الإسلامي خافية على ذي عينين بل وعلى فاقد النظر أيضاَ .. ورغم تحذير الله لنا نحن المسلمين بعداوة أهل الكفر وملل الضلال كقوله تعالى في سورة البقرة “ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا”  وأيضاً في قوله تعالى في سورة التوبة  ” ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء”..ورغم تأليف كبار العلماء المخلصين مؤلفات بهذا الاسم أو معناه أشهرها كتاب “الغارة على العالم الإسلامي”, للعلامة الراحل محب الدين الخطيب؛ لكن الأنظمة الحاكمة تتعمد تضليل شعوبها لصالح الاستعمار الغربي الذي خرج وترك حكامنا وكلاء ينفذون خططه ويتبعون أوامره ويتلقون توجيهاته بانصياع تام وخضوع كامل.

الحرب على العالم الإسلامي مستعرة ومشتعلة في مختلف ربوع الكرة الأرضية, بعضها عسكرية وأخرى اقتصادية أو فكرية.. ومؤخراً صدر قانون “جاستا” الذي أقره الكونجرس الأمريكي والذي يسمح لضحايا غارات 11سبتمبر بمقاضاة السعودية؛ هذا القانون نزع بقايا ورقة التوت التي يتستر بها النظام العالمي بقيادة أمريكا ومن وراءها الغرب وإسرائيل. وبغض النظر عن الموقف أو الرأي من حكام السعودية لأن الأمر أو الكارثة تتعلق بمصير الأراضي المقدسة ومصير الأمة الإسلامية كلها, فإن القانون مخلب قط وذريعة لإعلان الحرب السافرة على أي جزء في الأمة الإسلامية.

 وذلك لأن القانون يسمح للولايات المتحدة بمقاضاة السعودية وغيرها من الدول ولو لمجرد الاشتباه بضلوع أو علم حكومة أو سلطة أي بلد بأي حادث عنف على غرار ما حدث مع العراق في أكذوبة امتلاك اسلحة نووية، وكذلك ليبيا في حادث طائرة لوكيربي.. وبالطبع سيطبق ذلك القانون إن لم يتم التراجع عنه على الدول العربية والإسلامية, ولن يطال دول الغرب الكبرى مثل فرنسا أو بريطانيا  فضلاً عن روسيا التي تدك المستشفيات والمدن السكنية في سوريا باستخدام كل أنواع الاسلحة بما فيها الكيماوية، والفوسفور الأبيض, وقطعاً لن يطال امريكا التي دمرت العراق وتشارك في تدمير سوريا وتخنق العالم العربي وتمد الكيان الصهيوني بالأسلحة المحرمة دوليا مثل الفوسفور الأبيض والمخضب.  

وإسقاط الكونجرس لفيتو أوباما الرافض لسن القانون يظهر تعاظم التيار العنصري في أمريكا على حساب دهاة الساسة أو مغلبي المصالح وأصحاب نظريات التدرج في القضاء على العالم الإسلامي ومحاربة أهله.

 ورغم ظهور بوادر للتراجع عن “جاستا” لكن الراجح أن القانون سيمضي وإن تم تخفيفه أو تجميده لفترة, بعدما أبدى كل من زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ، ميتش ماكوونل، ورئيس مجلس النواب، بول رايان، استعدادهما لإجراء بعض التعديلات على القانون, ولكن لماذا؟ لحماية الجنود والدبلوماسيين الأميركيين من التعرض لملاحقات قانونية في الدول الأجنبية! هذا مايدفعهم لإعادة النظر فيه وليس حرصاً على مصلحة أو مصير العالم الإسلامي.

 القانون يؤكد ما سبق تسريبه عن مخططات تقسيم دول إسلامية وتدشين سايكس بيكو جديدة، وتفتيت دولنا الكبرى لكيانات أو كانتونات صغرى، ومقدمات الخطة بدأ تنفيذها بالفعل على الأرض بالحديث عن تقسيم سوريا والتغيير الديموجرافي لسكانها لصالح الشيعة والعلويين، وسبقه الحرب الشيعية الشرسة على العراق وتقسيمه وتغيير التركيب الديموجرافي  لسكانه فضلاً عن تأسيس كردستان العراق. وهاقد بدأ الحديث عن دور السعودية … ومن بعدها مصر وليبيا وباقي الدول حتى تكون كانتونات على غرار لبنان, وبالطبع يتبع ذلك أو يتزامن معه  تأسيس إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات بل أبعد من ذلك ببسط سيطرة الصهاينة ونفوذهم على المنطقة بأسرها.

 

وقد بدأ تنفيذ القانون بالفعل؛ فحسب وكالة بلومبرج الأمريكية، تقدمت السيدة ستيفاني روس بدعوى قضائية في واشنطن تتهم فيها السعودية بتقديم الدعم المادي لمنفذي الهجمات الإرهابية والتسبب في مقتل زوجها الضابط البحري باتريك دون، وكانت حاملا عندما لقي زوجها حتفه في الهجمات.

 وسبق للوكالة نفسها “بلومبرج” ذكر أن لجنة أمريكية قامت بالعديد من التحقيقات في عام 2004 أثبتت عدم صلة السعودية بالهجمات إلا أن اللجنة الأخرى التي شكلها الكونجرس أشارت إلى احتمال ” مجرد احتمال” تلقي منفذي هجمات 11 سبتمبر دعما من أحد المسؤولين السعوديين مما أتاح للكونجرس أن يمرر قانون مقاضاة السعودية على الرغم من اعتراض البيت الأبيض.

 وأكرر أن الراجح تنفيذ القانون أو التلويح بتنفيذه عاجلاً أو على المدى القريب والمنظور رغم بوادر التراجع عنه.

آثار تطبيق القانون

 ورغم تحذيرات سياسيين أمريكيين من أن القانون سيفتح أبوابا كثيرة أمام قوانين مشابهة ستطال الولايات المتحدة ودولا أخرى، وسيكون من الصعب أن تصمد هذه الإجراءات أمام العلاقات والمصالح الاستراتيجية للدول, وأنه سيضع دولا كثيرة في مرمى دعاوى التعويضات الأمريكية دون أن يكون لهذه الدول أي علاقة بجماعات أو أفراد متهمين في أعمال إرهابية. وليست الولايات المتحدة فقط التي يمكن أن تتورط في هذا الشأن فالعديد من الدول الأوروبية مثل فرنسا وبريطانيا لديها عمليات خارج حدودها، كما أن روسيا المتورطة في حرب مباشرة في سوريا دون قرار من مجلس الأمن، تدخل ضمن السياق ذاته.

  ورغم حديث المحللين عن أسلحة السعودية ودول التعاون الخليجي الاقتصادية والسياسية التي يمكن أن تستخدمها لكنها تحليلات تغفل موازين القوى وطبيعة العلاقة بين الدول النفطية وأمريكا. والأرجح أن السعودية ودول الخليج يصعب بل يكاد يستحيل عليها  سحب أرصدتها  من السوق الأمريكية “طبقاً لتقدير معهد باترسون للاقتصاديات الدولية فإن حجم الأصول الرسمية السعودية في الولايات المتحدة بين 500 مليار دولار وتريليون دولار. و96.5 مليار دولار في أصول تحت إدارة وزارة الخزانة تجعل منها المستثمر رقم 15 في لائحة مالكي أصول الخزانة الأمريكية، كما تملك الحكومة السعودية طبقاً للتقدير ذاته سندات من ديون الخزانة الأمريكية قيمتها 117 مليار دولار.. كل هذه الأرصدة والأصول والاستثمارات الأرجح بل شبه المؤكد أن السعودية لا تستطيع سحبها من البنوك أو الاسواق الأمريكية, كما لا تستطيع الرياض منع واشنطن من استخدام قواعد المنطقة العسكرية.

 وإذا ربطنا هذا القانون بالاتفاق النووي الأمريكي الإيراني، وتزايد نفوذ طهران في المنطقة، ودورها في الحرب على الشعب السوري وكذلك تقسيم العراق وإحداث فتنة الحوثيين باليمن ومطالبتها مؤخراً بالإشراف الدولي على الحج،  كل ماسبق مؤداه بزوغ نجم إيران كوكيل جديد للنفوذ والسياسة الأمريكية في منطقتنا العربية والإسلامية ..ويؤكد كل ماسبق  بوادر انتهاء عصر سايكس بيكو والاستغناء عن الأنظمة الحاكمة القديمة التي قام عليها هذا التقسيم ..والبدء في تنفيذ المخطط الجديد لمزيد من التقسيم والإضعاف للعالم الإسلامي.

الحل الإسلامي

وليس هناك من حل سوى بحلف إسلامي يجب تدشينه في التو واللحظة؛ ويجب أن يضم كل دول العالم الإسلامي الكبرى بدءاً بماليزيا وأندونيسيا مروراً بباكستان وكل الدول العربية وتركيا ودول البلقان الإسلامية وكذلك دول آسيا الوسطى الإسلامية. كما يجب على حكام السعودية والخليج إعادة حساباتهم والتوقف الفوري عن دعم الانقلاب العسكري في مصر بقيادة السيسي بل والمساعدة على إسقاطه والتوقف عن مده بأنابيب الأوكسجين التي تبقيه على قيد الحياة. وعليهم العمل بكل السبل للقضاء على حفتر ليبيا والإسراع بالتخلص من بشار بأي ثمن, لأن هؤلاء هم أدوات تنفيذ مخطط الأعداء ومخلب قط له. وعلى حكام الخليج تمكين ثورات الربيع العربي من حكم شعوبها كقيادات ثورية وطنية مخلصة  ممثلة لشعوبها ومحافظة على مصالحها.. لأن انتصار الثورات هو الضمانة الوحيدة وحائط الصد المنيع أمام تنفيذ مخططات الأعداء .. وعلى حكام الإمارات العربية المتحدة إدراك أن الطوفان إذا جاء لن يبقي عليهم رغم دعمهم للمخططات الصليبية في صربيا, وللمخططات الصهيونية في تمويلهم لتهويد القدس والحرب على غزة وعداوتهم لكل ما هو إسلامي بمعاداة أي فصيل سياسي إسلامي..لكن كل ذلك لن يغني عنهم من المخطط الجديد شيئاً ..ولن يبقى الغرب والشرق إماراتهم متحدة, وستصبح الإمارات العربية المفككة وليست المتحدة. لذلك عليهم تغيير بوصلة سياساتهم والانضمام إلى ركب إخوانهم لإنقاذ عروشهم من باب المصلحة إن لم يكن من  باب الإسلام.. وإلا فالهلاك مصيرهم, بل إن التقسيم والتفتيت قد يطال إيران أيضاً وقد أشارت إليه خرائط مسربة لتقسيم إيران إلى إقليم بلوشستان وإقليم كردي وآخر آذري ولكن سيؤجل ذلك لما بعد تنفيذ مخططهم في دول الإسلام السني.

 

شاهد أيضاً

محمد السهلي يكتب : الأونروا والعودة.. معركة واحدة

بحكم معناها ورمزيتها ووظيفتها، يصبح الدفاع عن الأونروا معركة واجبة وملحة .. ومفتوحة. ومع أن …