مصطفى إبراهيم: وثيقة العشرة بين الجناية والبداية

وثيقة العشرة, أو وثيقة واشنطن, التي أشعلت الخلاف بين فرقاء الثورة المصرية وفصائلها وكثر حولها الخلاف والنقاش ..آمل أن تكون بداية أو ميلاداً لمرحلة جديدة.

وقبل توضيح ما اقصده, أبداً برأيي اللشخصي المتواضع الذي ينبني  بعضه على مسلمات فقهية وعقلية وتاريخية, وبعضه الآخر استنتاج من وقائع التاريخ والسياسة .. وأقول إنه رأيي المجمل المختصر  في الوثيقة  المذكورة لأن مطلقي الوثيقة قالوا إنها مبادىء عامة وليست تفصيلية, وقابلة للتعديل وليست نهائية .. وسأحرص على عدم الاتهام أو التخوين أو التشكيك وسأهتم بالشق الموضوعي, وأركز على النواحي الشرعية بالدرجة الأولى.

أولا المادة الثالثة .. هوية مصر إسلامية قولا واحدا؛ تاريخا وواقعا واختيارا في خمسة استحقاقات انتخابية بعد ثورة يناير. وتمسك الشعب بالهوية الاسلامية دفع بعض غلاة العلمانيين واليساريين والشيوعيين للإقرار بأن هوية مصر اسلامية ووافقوا على المادة الثانية من دستور ٢٠١٢ ومن قبله الدساتير التي صاغها الليبراليون والعلمانيون  في ١٩٢٣ودستور1970التي نصت على هوية الدولة الاسلامية .. وبالطبع رفض هذه الهوية علمانيون ولادينيون بعضهم شارك في دستور الانقلاب 2014  مثل قادة في حزب التجمع. ووثيقة العشرة تعطي, وتشرعن للعلمانيين بل وللملحدين وأعداء الاسلام مالم يحلموا به, وتلبس على عوام الناس دينهم وتفسد عليهم عقيدتهم وتميع هويتهم, وتدفع العامة والبسطاء والدهماء للقبول بالتنازل عن الدين  كهوية وحيدة.. دولة أغلب شعبها بل اكثر من 90% منه دينه الإسلام السني, هل يمكن تسمية أو توصيف هوية  هذا الشعب بالمختلطة؟.. “يعني بهائي ممكن ..شيعي ممكن ..مسيحي .. بوذي ”  كما قال أحدهم: “معبد صغير للبوذيين والهندوس كده يامنى”.

وليس معنى الهوية الإسلامية الحجر على شركاء الوطن في العبادة أو التضييق عليهم أو عدم التسامح مع المسيحيين ” النصارى”.. وهي الحجة التي تطلق دائماً للتلاعب بالعقول والأفهام والترهيب من إعلان الهوية الإسلامية المنصوص عليها في كل الدساتير ولم يُحارب المسيحيون أو تنتهي المسيحية من مصر ..  والأحداث الطائفية والفردية القليلة لهدم الكنائس معلوم ضلوع الأجهزة الأمنية بقيادة العسكر وراءها. والنبي صلي الله عليه وسلم نص على هوية الأمة في وثيقة المدينة ” في بند المسلمون أمة ” يعني يجمعهم الإسلام .. والقرآن ذكر تسمية المسلمين في قوله تعالى ” هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على الناس” لأن بعض العلمانيين أو المجادلين يقولون إن مفهوم الهوية غير منصوص عليه في القرآن والسنة الصحيحة, ولا يصح القياس على الوضع التركي لاختلاف الظروف .. ولأن أردوغان وجد المسافة والهوة كبيرة زمنيا وواقعياً بين هوية الأتراك الإسلامية ومافعله مصطفى كمال من حرب وتغييب لهذه الهوية الإسلامية فاضطر أردوغان لتغيير أولوياته طبقاً لهذه الظروف القهرية .. والوضع عندنا يختلف عن ذلك كثيراً لأن الشعب متمسك بهويته حتى آخر انتخابات حرة نزيهة شريفة لدستور 2012.. بل والدستور الذي وضعه العسكر قال إن الإسلام دين الدولة وهو مايتفق مع تحديد الهوية الإسلامية لمصر..  ولايجوز خلع الشعب  من هويته والخروج على اختياراته في الانتخابات كلها.. ولايجوز القياس مع الفارق أو القياس الفاسد على النموذج التركي  كماهو متعارف عليه بين علماء الأصول .. واغلب الدول الغربية تنص على هوية الدولة تبعا لدينها بل والمذهب السائد فيها .. والأكثر من ذلك يشترط أن يكون رئيس الدولة يتبع هذا الدين وهذا المذهب.. وبالنسبة لعلاقة الدولة بالدين لا يمكن الفصل بينهما لأن السلطة والحاكم ومن فوقه الخليفة في شريعة الإسلام مهمته حفظ الدين والدنيا ورعايتهما, وبالتالي الإشراف على المؤسسات دون السيطرة على عملها الفني النوعي .. كما أن اثنين من أركان الإسلام يجب لإقامتهما وجود الحاكم والحكومة, وهما الحج والزكاة .. كما أن الجهاد وهو أحد أسهم الإسلام الثمانية طبقا لحديث صحيح يجب لإقامته وإعلانه الحاكم والحكومة, وحديث أسهم الإسلام ثمانية  يشمل أركان الإسلام الخمسة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله.. أخرجه البزار بسند صحيح عن حذيفة رضى الله عنه .. ومعلوم أن الجهاد ذروة سنام الإسلام ..الجهاد بمفهومه الواسع والشامل.. بالاضافة الى ضرورة ووجوب وجود الحاكم والحكومة والسلطة لتنفيذ الشريعة بصفة عامة والقصاص والأحكام الشخصية كالزواج والطلاق والمواريث بصفة خاصة.. كما أن حماية المنظومة الخلقية والنظام السائد في المجتمع منوط بالحاكم والسلطة في أي دولة, فلماذا ينتزع عندنا؟

أما بالنسبة للمؤسسات وفصلها عن بعضها البعض, فالمقبول والمعقول أن تستقل المؤسسات بنفسها فيما يخصها وحدها, وتشترك مع بعضها فيما يجمعها ويسهم في تحقيق مصالح  الرعية “الشعب”, وتنظم السلطات الثلاث العلاقة بين المؤسسات بالأسلوب والآليات المتعارف عليها تبعاً لنظام الحكم المتفق عليه والمرضي عليه من الشعب, وغير مقبول أي تفسير مجتزأ لنصوص الوثيقة بأنها لمعالجة تلاعب وعبث وإفساد الانقلاب لمؤسسات الدولة لأن التعريف جامع مانع يعني جامع لما ورد به ومانع لغيره ولا يختص بحالة أو ظرف إلا بقيود غير مذكورة ولا متفق عليها.

وباقي النقاط بعضها مقبول والآخر قابل للنقاش؛ مثل اللامركزية وهي أمرمقبول ومطلوب, والنظام الإسلامي أول من طبقها, ولكن تبقى معضلات في التطبيق, ويمكن مراعاة فروق أسعارالخدمات والمرافق تبعاً للمستوى الاقتصادي والمجتمعي للمناطق والأقاليم.

أما بالنسبة للقضايا والنقاط الثورية والسياسية فليتقفق رفقاء الثورة على مايرضونه, ولابد من محاسبة المخطئين جميعهم والمنقلبين على اختيار الشعب الذي له القول الفصل فيمن يتولى رئاسته   ومن يتولي شئونه .. وخلع من يشاء عبر الانتخاب وليس الانقلاب        والإتيان بمن يشاء وفق القواعد السياسية وليس حسب الأهواء, وليس إذا فشل فصيل أو تيار يستعين بالجيش للانقلاب على الفائز .. وأمر بديهي أن عدم اعتماد منهج المعاقبة والحساب يفتح الباب لتكرار تلك الجرائم مثلما حدث في تركيا التي يستشهدون بها أحيانا ويتركونها أحايين وفي غير تركيا أيضاً مثل الدول الأفريقية وبعض دول أمريكا اللاتينية.

هذا عن مبادىء الوثيقة.. أما الأغراض والأهداف والنوايا فليس لأحد الحق في القاء التهم إلا بدليل واضح وبين, أما عن الاشخاص مطلقي الوثيقة ومكان إطلاقها فليس لي أن أتحدث عنهم أو عن المكان, ويبقى ىسؤال حول هذه الوثيقة التي وصفها البعض بأنها جنت على الأمة بالموافقة على محو هويتها.. والسؤال هو: لماذا لاتكون تلك الوثيقة بداية حقيقية لاجتماع فصائل المعارضة على المتفق عليه بدءًا بهوية الأمة التي لايمكن التفريط فيها وخاصة أن رموزاً ممن وقعت على الوثيقة أكدت عدم قصدها لمحو الهوية أو تغييب الدين أو جر الأمة إلى الإلحاد أو اللادينية ..فإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يتم الاتفاق على المشترك والمقبول والبناء عليه   لتوحيد الصف الثوري ووضع شروط لقبول العائدين لمعسكر الثورة واعترافهم بأخطائهم .. وإعلان التيار الإسلامي عن أخطائه ومراجعة الأفكار من جميع الأطراف والخروج بخطة لإسقاط الانقلاب ووضع الآليات والسبل والأدوات والتوقيتات لتنفيذ تلك الخطة وخاصة مع وجود حالة غليان شعبي يجب المسارعة باستثمارها؟

هذا ما نأمله وماندعوهم  إليه .. والله من وراء القصد

شاهد أيضاً

محمد السهلي يكتب : الأونروا والعودة.. معركة واحدة

بحكم معناها ورمزيتها ووظيفتها، يصبح الدفاع عن الأونروا معركة واجبة وملحة .. ومفتوحة. ومع أن …