كشف فريق عمل “منصة اللاجئين في مصر”، وهي منصة رقمية مستقلة تهدف لخدمة اللاجئين واللاجئات عن وقوع ضحايا ومصابين واحتجاز عدد كبير من العاملين الأجانب بمناجم استخراج الذهب بمنطقة شلاتين في 17 يوليو 2023 بعدما هاجمتهم قوات كبيرة من الجيش.
تحدثت المنصة عن سلسلة من المداهمات شنتها قوات من الجيش المصري على أحد مواقع التنقيب يطلق عليه “منجم صلاح” ومناجم أخرى في المنطقة استمر عدة أيام، ومازالت عمليات المداهمة مستمرة حتى الآن وتم ترحيل معتقلين قسريا لمعسكرات جيش.
قالت المنصة أنها تابعت تطورات الأوضاع مع مصادر أولية مطلعة على وضع العمال المهاجرين هناك، وتحدثت مع عدد من الشهود من العاملين في الموقع -الذين كتبت لهم النجاة- وأيضا تحدثت مع عدد من النشطاء والقيادات المجتمعية السودانية في محافظات الجنوب المصري ومحامين يعملون على قضايا العمال الأجانب في مصر.
أكدت، بحسب شهادات الناجين من العاملين الذين حضروا الهجوم، إن المداهمة ليست الأولى ولم تكن الأخيرة، لكنها كانت الأكبر واشترك بها عدد كبير من قوات الجيش مصحوبا بتغطية جوية وحدث إطلاق رصاص بشكل عشوائي واستيقاف لعدد من المنقبين وإحراق خيمهم وإتلاف ممتلكاتهم بما في ذلك السوق الواقع أسفل آبار التنقيب والذي يعتمد عليه العاملون في الوصول للطعام، في محاولة لمنعهم من التواجد في هذه المنطقة مرة أخرى.
وحسب المعلومات بدأت عملية استطلاع من قبل قوات الجيش المصري يوم 15 يوليو 2023 حيث زارت قوة من الجيش مُشكلة من 14 سيارة دفع رباعي محملة بالجنود، منجم “صلاح” الذي يقع بمحاذاة محمية وادي الجمال، طريق مرسى علم/أبو الحسن الشاذلي، وسط الصحراء الشرقية، ويتبع إداريا مدينة “شلاتين” التابعة لمحافظة البحر الأحمر.
واستقبل المنقبون قوات الجيش في منجم صلاح وقاموا بالحديث مع قائد القوة المصاحبة لهم، وبحسب شهادة الشهود فإن المنقبين التقطوا صور مع الضباط وقاموا بتدخين بعض السجائر معهم وكان لقائهم وديا ولم تطلب القوة من المنقبين التوقف عن التنقيب أو مغادرة المكان، بل قاموا بالتقاط مجموعة من الصور للموقع وانصرفوا، وأبلغهم الضابط المسؤول أنهم سيرجعون مرة اخرى.
يرجح أحد المنقبين الذين تحدثوا مع “منصة اللاجئين” أن القوة كانت قادمة من أجل فض عمل المنقبين، ولكنهم “فوجئوا بعدد العاملين هناك والذي يعد أضعاف عدد القوة، لذلك قاموا بتصوير المكان فقط دون تنفيذ عملية اقتحام
ويوم 17 يوليو بدأت عملية اقتحام واسعة لمنطقة “منجم صلاح”، بقوة كبيرة من قوات الجيش شملت 20 سيارة أورال كبيرة (حاملة جنود) إضافة لسيارات الدفع الرباعي الصغيرة التي أتت في اليوم الأول، مع تحليق طائرة هليكوبتر حربي على ارتفاع منخفض في منطقة التنقيب، وقال بعض الشهود أنهم رأوا الطائرة تلقي مواد بترولية على الآبار المفتوحة.
استمر هجوم يوم الإثنين حتى الساعة الثالثة عصرا، بدأ باقتحام القوات العسكرية منطقة السوق الواقعة أسفل مواقع التنقيب، وتدمير كل ما فيه واحراقه بالكامل – بحسب ما أجمع عليه الشهود ووثقته المنصة من خلال مواقع فيديو مصورة تم التحقق منها -، ثم قامت القوات بمطاردة العاملين الذين خرجوا مسرعين من آبار التنقيب بعد سماع صوت إطلاق الرصاص والطائرات القريبة منهم، وذلك قبل أن توقفهم السلطات وتعتقل عدد كبير منهم خلال هذا اليوم.
ويقول أحد شهود العيان أن عدد المقبوض عليهم في اليوم الأول من المداهمة زاد عن ألف فرد ويقول شاهد أخر (هروسوا كل السوق وحرقوه، واعتقلوا ناس كتار، أكتر من ألف، وأخدوهم على الشركة في حميدة، ومنها لشلاتين) ويقصد بالشركة مكتب شركة شلاتين في جبل حميده.
قبل نهاية المداهمة في هذا اليوم والتي استمرت لأكثر من تسع ساعات، كانت القوات قد ألقت القبض على مئات العاملين بالمنجم، ودمرت كامل السوق وإحراق أماكن إقامة المنقبين وتسويتها بالأرض، كما تعمدت القوات اتلاف آبار التنقيب من خلال إلقاء أحجار بداخلها أو مواد بترولية واشعالها، تسببت عملية إغلاق وتدمير الآبار في إصابة عدد من العمال إثر سقوط الأحجار بداخل البئر الذي يعملون أو يختبئون من المداهمة داخله أو من آثار حرق الآبار.
ويقول شاهد عيان: (فيه شباب لما شافوا الحاصل دخلوا البير، وواحد من القوات شافهم ألقى حجر عليهم داخل البير واحد منهم ضهره اتكسر ووصلنا أخبار بعدها إنه توفى، وفيه اثنين شباب من الدهابة دخلوا بير تاني والقوات رمت بنزين وولعوا فيه خرجوهم بعد المداهمة واحد مصاب بحروق خطيرة والتاني مات”، بينما قال مصدر آخر قريب من ” منجم صلاح” أنه لا يوجد وفيات بسبب الحريق.
في السادسة صباح 18 يوليو، تكرر هجوم نفس القوات مصحوبا بدعم جوي أيضا، وقامت القوات بالقبض على من استطاعت والعمال الذين أصابهم التعب وقاموا بالنزول من الجبل وتسليم أنفسهم للقوات، بينما استمر بقية العمال في الاختباء داخل آبار التنقيب التي استمرت قوات الجيش في استهدافها بالتدمير.
يقول أحد العمال السودانيين الذين كانوا متواجدين وقت الاقتحام: “أنا ومعايا مجموعة، كنا أكتر من عشرة نفر، دخلنا بير، واحد نزل متأخر شافه عسكري، كنا سامعينهم عايزين يحرقوا البير بس مكنش قريب منهم بنزين، فضلنا عشر ساعات داخل البير، احنا كنا محظوظين عشان البير كان له فتحة من جانب آخر قدرنا نخرج منها بعد 10 ساعات، خرجنا لقينا المكان كله محروق ومتدمر”.
وفي منتصف اليوم بحلول الرابعة عصرا بدأ العمال في الخروج من الآبار بعد تأكدهم من رحيل القوات
ويوم الخميس 19 يوليو، توقفت المداهمات من القوات العسكرية المصرية، ولكن بدأت أزمة الطعام والمياه في التأثير على العاملين المتبقين، حيث كان قد نفذ الطعام وبعد إحراق السوق لم يتبق شيء، كما تسببت المداهمات في توقف إمداد المياه من خلال بعض الأشخاص الذين يعملون بالمنطقة ومهمتهم نقل المياه للعاملين بالمنجم، الأمر الذي -بحسب شهود عيان- سهل مهمة القوات التي قامت بمداهمة المنجم مرة أخرى يومي 20 و21 يوليو، حيث كان العمال قد أصابهم التعب.
ويقول أحد العمال (قام آلاف العمال بتسليم أنفسهم في ذاك اليومين، حيث لم يعد لديهم مياه أو طعام الأمر الذي يستحيل معه بقائهم أحياء في هذا الجو الحار للغاية والظروف القاسية، لذلك كان اختيار الاعتقال أهون من الموت جوعا أو عطشا).
ويقول أحد الناجين الذين وثقت “منصة اللاجئين” شهادتهم: ( أنا كنت مع مجموعة من الشباب، كان معانا مياه بنتشاركها، كنا بنجلس في المغارة طول اليوم ونخرج بالليل، لكن خلصت المياه، ومكنش فيه أي مكان نقدر نجيب مياه قريب، مجموعة قررت تروح منجم تاني، ومجموعة قررت تروح الشركة، وأنا ومجموعة طلعنا أسوان).
ويكمل الشاهد (في الطريق مشينا 4 كيلو وبعد كده لقينا عربية قبل صاحبها يوصلنا أسوان، لقينا فطريقنا مجموعة تانية، بقينا كذا وعشرين واحد، وصلنا أسوان صباح الجمعة).
ويجذب العمل في التنقيب في جنوب مصر عشرات الآلاف من المهاجرين من جنسيات إفريقية مختلفة، معظمهم يكونون من شمال السودان، وبنسبة اقل من جنوب سودانيين وارتريا وإثيوبيا معظم العمال دخلوا إلى البلاد بصورة رسمية وبعضهم مسجل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين كملتمسي لجوء.
وبعض من العمال دخل للبلاد بغرض العمل في التنقيب والبعض الآخر اتجه للتنقيب بعد أن ضاقت به السبل في العثور على عمل آخر، أعمار العمال تبدأ من خمسة عشر عاما وصولا لمن هم فوق الأربعين، يقول أحد العمال القدامى في المنطقة: (في السابق كان هناك نساء يقمن بالطبخ للعمال، ولكن الآن جميع من هم في المناجم ذكور).
ويفيد نشطاء من المجتمع السوداني، أنه وعلى مدار السنوات الماضية شهدت مناطق التنقيب والبحث عن الذهب حالات اختفاء عديدة، (لا يمر أسبوع دون الإبلاغ عن حالات اختفاء من عائلات شباب سودانيين خرجوا في الصحراء بحثا عن الذهب)، بينما تفيد شهادات قيادات مجتمعية أن هذا العمل “التنقيب” يجذب العديد من الشباب المهاجرين بسبب عدم وجود فرص عمل لهم.
والعمل في المناجم دون عقود رسمية ودون تحديد مرتبات أو أجور لهم، حيث يتبع العاملون نظاما عرفيا في احتساب الأجور بالنسبة لكمية الذهب التي تخرجها كل مجموعة، ويكون التاجر مسؤول عن جلب المياه والطعام والبنزين للعاملين داخل آبار التنقيب.
وفيات المداهمات
وتفيد قيادات مجتمعية سودانية أنهم أبلغوا من خلال العاملين في “منجم صلاح” عن وقوع وفيات جراء المداهمات، حيث عثر داخل آبار التنقيب على عاملين اثنين توفوا نتيجة العطش ونقص الأكسجين، كما تم العثور على ثمان جثث في الصحراء ماتوا من العطش.
بينما توفي أحد العمال نتيجة لإصابة كبيرة في الظهر إثر إلقاء القوات حجارة ضخمة في البئر الذي لجأ إليه ولم يتم إسعافه مما أدى إلى وفاته، بينما أفاد بعض العاملين أن ١٧ عامل توفوا في طريقهم إلى مكتب الشركة في شلاتين والذي يبعد ٣١ كيلومترا عن مقر المنجم، كما أفاد عاملون أن واحداً من العمال توفي بعد أيام متأثرا بحرق في جسده أثناء المداهمات.
ورحلت السلطات المصرية مئات من المحتجزين السودانيين كما وثقت شهادات تفيد بتجميعهم فى نقاط محددة ثم ترحيلهم إلى مدينة أوسيف السودانية التابعة لولاية البحر الأحمر.
وتحدثت “منصة اللاجئين” مع عدد من المرحلين والذين أفادوا أنهم لا يمكنهم حصر من تم ترحيلهم معهم، ولكنهم أقروا أن العدد يتجاوز المئات، قامت السلطات المصرية بتجميعهم داخل شركة شلاتين ثم نقلهم تباعا بالليل إلى حدود مدينة أوسيف.
ولكن وسائل إعلام محلية سودانية ذكرت أن عدد المرحلين نحو ٧ آلاف عامل من جنسيات افريقية مختلفة من بينهم نساء وأطفال، وذكرت مصادر من ولاية البحر الأحمر أن أهالي مدينة أوسيف تقدموا بشكاوى إلى السلطات المحلية متخوفين من تواجد هذا العدد الكبير من العمال في المدينة مما استدعى من السلطات المحلية نقل المئات منهم عبر شاحنات نقل كبيرة إلى مدينة بورتسودان.
والهجمة الكبيرة التى شنتها القوات الحكومية على المنجم لم تمنع المنقبين من العودة الى العمل فى المنجم الحدودي مرة أخرى إذ عاد المنقبون للمنجم بعد فترة من الاقتحام وإن كانت بأعداد أقل وما زالت القوات تعاود عمليات الاقتحام والمطاردة المنقبين كان آخرها يوم ١٢ أغسطس ٢٠٢٣، كما امتدت المداهمات لمناجم ( الانجليزي واقبات وابقر ومناطق اخرى قريبة من شركة حميدة للتعدين وصولا الى منطقة العلاقى جنوب الصحراء).
منجم صلاح
وسمي منجم صلاح بهذا الاسم نسبة الى “صلاح جمعة” مكتشفه الأول، حيث يقع بمحاذاة محمية وادي الجمال، طريق مرسى علم/ أبو الحسن الشاذلي، وسط الصحراء الشرقية، قريبة من الحدود المصرية السودانية وبالقرب من شركة حميد للتعدين، يتبع إداريا مدينة شلاتين التابعة لمحافظة البحر الأحمر.
ويتشارك صلاح جمعة ملكيته مع عدد من القيادات الأمنية حسب ما نشرته مدى مصر والذين اختلفوا حول نسبة الملكية في المنجم في الفترة الماضية – ويرجح البعض أن يكون ذلك هو السبب في الهجوم الأخير-، بينما يشير باحثين أن السبب في ذلك هو محاولة القوات المسلحة تحجيم العمل الغير رسمي في التنقيب عن الذهب في المنطقة، وأن الهدف من الأساسي من الحملة كان وضع حدود لعمليات التنقيب غير الرسمية في المنطقة.
والمسؤول عن إصدار رخص التنقيب بالمنطقة هى شركة شلاتين للتعدين والتي يتوزع هيكل ملكيتها بين هيئة الثروة المعدنية بنسبة ٣٥٪ و٣٤٪ لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، و٢٤٪ لبنك الاستثمار القومى، و٧٪ للشركة المصرية للثروات التعدينية.
وتهدف الشركة الى تقنين أوضاع العاملين في التنقيب العشوائي عن الذهب فى الصحراء الشرقية وتحصيل حقوق الدولة وتعظيم الاستفادة من ثروات مصر الطبيعية وتقوم على وضع خطة مستقبلية لتطوير نشاط الشركة بعد ذلك للتنقيب عن الذهب والمعادن بمفردها أو بالشراكة مع الشركات المحلية والعالمية وتعظيم الاستفادة من ثروات مصر الطبيعية حسب ما نشر على صفحتها الرسمية.
وفى نهاية عام 2014 صدّق عبد الفتاح السيسي على قانون جديد للثروة المعدنية، وحدد ضوابط الحصول على ترخيص للتعدين وطرق التعاقد والطرح والترسية للمناجم والمحاجر «دون التقيد بأحكام التشريعات المنظمة للمناقصات والمزايدات». كما فرض القانون رسومًا واتاوات جديدة على النشاط.
وكانت شركة شلاتين للتعدين قد أعلنت يوم 7 ابريل 2023 عن طرح مزايدة في خمس مناطق لاستكشاف الذهب بالصحراء الشرقية وهي ( فطيري، والبرامية، وعقود أم عود، وحماطة) وحددت يوم ١٠ أغسطس كموعد نهائي لعملية الطرح.
تقع معظم مناطق البحث والتنقيب في مناطق محددة كمناطق عسكرية (ممنوعة ومحظورة) طبقا لقرار رئيس الجمهورية ٤٤٤ لسنة ٢٠١٤الخاص بتحديد المناطق المتاخمة للحدود والقواعد المنظمة لها (والمعدل بعض أحكامه بالقرار ٤٢٠ لسنة ٢٠٢١)، وعليه فإن السلطات المسؤولة عن منح تصاريح التواجد والعبور من المنطقة هي السلطات العسكرية في المنطقة.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات