في أغسطس 1948 عرض الإمام البنا علي الهيئة التأسيسية مسألة خوض جماعة الإخوان المسلمين الانتخابات النيابية التي كانت مزمعة في أواخر عام 1949 … وكان اهتمام البنا واضحا ببلورة موقف مبكر من هذه الانتخابات لإتاحة الفرصة للجماعة للإعداد الجيد لخوضها إن قررت ذلك، وقدم البنا للهيئة سردا تاريخيا لمواقف الجماعة من الانتخابات النيابية السابقة التي مرت بها، وأشار إلى أن الانتخابات المنتظرة ليست كسابقاتها فقد تصاعدت القوة السياسية للجماعة وتنامى نفوذها الشعبي، ولن تقتصر أهداف المشاركة وفق وضع الجماعة الجديد على مجرد البحث عن منبر آخر لطرح مقاصدها، ولكنها السبيل الدستورية لإنفاذ هذه المقاصد, بتعبير الإمام البنا.
وقد أنهى البنا بيانه بعرض وجهة النظر المؤيدة للتقدم لخوض هذه الانتخابات، ووجهة النظر الداعية للإحجام عن التقدم, وذلك من منظوره الخاص، ثم كلف اللجنة السياسية بعمل استبيان لتحديد اتجاهات الرأي داخل صفوف الجماعة بشأن المشاركه في هذه الانتخاب, وطرح البنا في حيثيات تأييد المشاركة التساؤل التالي:( هل أمام أصحاب الدعوات في هذا العصر من سبيل مشروع إلى تحقيق مقاصدهم إلا هذه السبيل الدستورية؟؛ السلطه التشريعية فالسلطة التنفيذية بعد ذلك؟ وإلا فما هي الوسيلة التي يراها الإخوان لتحقيق رسالتهم غير التقدم للبرلمان؟)[1]
في المقابل؛ فإن تعبير البنا عن وجهة النظر المعارضة للمشاركة في الانتخابات كان أقرب للطرح العقيدي الذي يعلو على الآليات والوسائل: (إذا قيل ما الوسيلة إذن إلى تحقيق الفكرة؟ كان الجواب على ذلك: لا دخول للانتخابات, وعلى الجميع أن يستقيموا على أمر الله العزيز الحميد بعيدين عن مواطن الشبهات ومزالق الاتهامات, دعاةً مؤمنين مجاهدين حتي يفتح بيننا وبين الناس بالحق وهو خير الفاتحين وذلك دين القيمة)[2]. وكما هو معلوم فقد عاجلت الأحداث جماعة الإخوان بدايةً من قرار حلها في ديسمبر 1948، ثم ظل حسم هذين الخيارين مؤجلا مع ليل الاستبداد الطويل طيلة عقدين من الزمان لم تكن المسألة مطروحة فيهما أصلا … إلى أن وصلنا إلى مرحلة عودة الجماعة – مرة أخرى – إلى ساحة العمل العام حيث تبين لقيادتها – بعد أن قطعت شوطا في هذه المرحلة – أنها أصبحت مُطالبة – أو على وجه الدقة ما زالت مُطالبة – بحسم الخيار الذي طرحه الإمام البنا قبيل استشهاده، والإجابة على تساؤله عن كيفية توظيف ما أحرزته من تقدم في تغيير المجتمع ليصبح عدتها في إصلاح الحكم.
يمكن النظر لوثيقة ” الشورى وتعدد الأحزاب ” التي أصدرتها الجماعة في مارس عام 1994 – والتي يعد صدورها حدثا تاريخيا في حياة الجماعة – باعتبارها تمثل حسمًا لاختيار الإخوان المسلمين في مصر بين المسارين الذين طرحهما البنا منذ عقود رغم بعد الزمان, وبالطبع فإن لهذا الحسم تداعياته في استبعاد أية آليات تتناقض والمسار المختار، وأولها إمكانية استخدام العنف. انظر إلى هذه الوثيقة وهي تتحدث عن المنهج السلمي الذي تؤمن به الجماعة حتى في محاسبة الحكام وتقويمهم وإبدالهم إذا لزم الأمر عن طريق المجلس النيابي، وأن هذا يتطلب إعلان دستور تتفق عليه الأمة ( يحدد كيفية محاسبة الحكام وتصويبهم، وتقويم اعوجاجهم بطريقه سلمية ناجحة، إذا ما قصروا، وإبدالهم إذا لزم الأمر، وهذا يقتضي وجود مجلس نيابي له سلطات تشريعية ورقابية ذات فاعلية تتمثل فيه الإرادة الشعبية الحقيقية نتيجة انتخابات حرة نزيهة, وتكون قراراته ملزمة)[3] . وهنا نعود إلى القضية التي تعرضنا لها أكثر من مرة. وهي ما دلالة مثل هذا النص مع ماهو معلوم من عدم فاعلية المجالس النيابية وعدم تمثيلها للإرادة الشعبية؟. وبالطبع فإن عدم الفاعلية معلوم للقاصي والداني غير أنه تبقى للنص دلالته المهمة, وهي أن منهج الإخوان المسلمين هو السعي لتحقيق هذه الفاعلية للمجالس النيابية للقيام بالدور المنوط بها، وليس تجاوزها للبحث عن وسائل أخرى لتقويم الحكام وإبدالهم .
على أنه من الواجب الالتفات إلى أن المنهجية التي اعتمدتها الجماعة في وثيقتها عن إدارة الحياة السياسية ” وثيقة الشورى وتعدد الأحزاب” لا تتسق مع استخدام مسار العنف, فعندما تتحدث هذه الوثيقة عن أهمية التوازن داخل المنظومة السياسية، أو عن قدرة الأحزاب على كبح جماح الحكام المستبدين، أو عن تداول السلطة بين تلك الأحزاب, فكيف نتصور وجود فرصة حقيقية لأن يتحقق هذا التوازن، وتلك القدرة ، وهذا التداول في حالة نجاح أحد الأطراف في الوصول للسلطة بقوة السلاح؟.
والحقيقة أنه إذا كان التغلب على الخصوم يمثل تحديا صعبا أمام الحركة الإسلامية، فإن القدرة – بعد تحقيق ذلك – على الاستمرار، وعلى إنفاذ المشروع الإسلامي، وعلى إدارة الأمور بكفاءة يمثل تحديات لا تقل صعوبة، ومن غير الحكمة أن نترك تحديا من التحديات لينفرد بتحديد مسارات الحركة بما قد يضر بالقدرة على التعامل مع غيره من التحديات. علي أن ما ورد بوثيقة جماعة الإخوان المسلمين عن ” الشورى وتعدد الأحزاب ” يتخطى التعبير عن سلمية منهجها في التعامل مع الحكام، إلى إنضاج موقف الجماعة من نموذج الدولة الوطنية الحديثة، وتعميق المسار الذي خطه الإمام البنا في عدم التصادم مع هذا النموذج والبحث عن نقاط الالتقاء معه، والبناء عليها، وتطويرها في اتجاه الاتساق – تدريجيا – مع المشروع الإسلامي .. وهو اتجاه مناقض تماما لموقف الفكر الذي يتبني استخدام العنف إزاء هذه الدولة.
خاتمة
لا خلاف على أن الانقلاب الغاشم عام 2013م الذي أتى بعد ثورة أثارت لدى المصريين آمالا ضخمة باستعادة حقهم الطبيعي في تولي زمام أمورهم يمثل تحديا صعبا لم يسبق لهم أن واجهوا مثله, وإذا كان الأمر كذلك لعموم المصريين فإنه هكذا بوجه أخص لأبناء التيار الإسلامي – وفي القلب منهم أبناء جماعة الإخوان المسلمين – وكانوا قد بدأوا في استعادة حقوقهم السياسية والإنسانية الطبيعية التي طالما حرمهم منها استبداد الحكام. ولا حرج من أن نتصارح بأن الانقلاب – في ذاته – كان صدمة كبيرة لهم، ثم عمّقَ هذه الصدمة السلوكُ الإجراميُ للنظام الانقلابي – بعد وقوعه – مما لا يحتاج منا إلى بيان. والمطلوب من هؤلاء – في ظل هذا الشعور بالصدمة أن يسعوا في التصدي لهذا الانقلاب ما استطاعوا, وهي مهمة صعبة اجتهادا وجهادا. نقول هذا لمحاولة فهم موقف من تدفعه هذه الصعوبة للتفكير في اللجوء للعنف بدرجة أو أخرى. وقد سبق أن قلنا إن المسألة تحتمل الحوار شرط الالتزام بضوابطه… ولكن هناك ثلاث محاذير يتعين ابتداءً التوافق عليها:
الأول: إننا نسلم أن الرفض الصلب للانقلاب المشئوم – وما ينشأ عنه – أصبح يمثل واجبا أخلاقيا, وفاءً لثورة يناير، ووفاء للجمهور الواسع الذي أقبل على المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية الحرة بعد الثورة، وقبل ذلك وفاءً للنبلاء الذين ضحوا – وما زالوا يضحون – وبذلوا من دمائهم وحرياتهم وأمنهم خلال حراكهم في الشارع رفضا لإضفاء الشرعية الشعبية على هذا الانقلاب الغادر, غير أنه من غير المقبول محاولة فرض فكرة استخدام العنف على جموع رافضي الانقلاب، دون دراسة ودون إقناع واقتناع, وكأن الواجب الأخلاقي يحتم ذلك، وكأن الشعور بهذا الواجب يتعارض مع النظر في المصالح والمفاسد والمآلات المترتبة علي الخوض في مثل هذا المسار.
الثاني: أن استخدام العنف لن يكون بمثابة إضافة لمسارات العمل بالجماعة اقتضاها التحدي الجديد المفروض عليها وفق ما يأمله من يريد دفع الجماعة إليه، ولكنه سيؤول – إن كُتب للجماعة أن تتورط فيه – إلى إعادة صياغة لمشروع الإخوان المسلمين بجوانبه المختلفة – أدرك ذلك محبذوا العنف أم لم يدركوه – تحت وطأة قمع النظام الوحشي، وردود الأفعال المتوالية من الطرفين، ودون وعي كافٍ بأبعاد ومآلات ما نحن مقدمون عليه، وفي ذلك من الخطورة والرعونة ما فيه.
الثالث: نود التأكيد هنا على أننا لم ننشغل في الحلقات السابقة بمدى الصواب والخطأ في مواقف جماعة الإخوان المسلمين من مسألة العنف والسلمية في مراحل عمرها الماضية، وكان جل همها أن تعرض لتلك المواقف بالوضوح الكافي لنتبين جوهر رؤية الجماعة لهذه المسألة، وكيف – ولماذا – نضجت وتطورت من مرحلة لأخرى حتى انتهت لإعلان الجماعة عن تبنيها للسلمية الواضحة منذ عودتها لاستئناف نشاطها في سبعينيات القرن الماضي. وفيما يتعلق بالتحديات الصعبة التي تواجه الجماعة إليوم فلا شك أن للمستجدات على أرض الواقع متطلباتها التي يتعين تلبيتها، ومن الوارد أن تتسع مساحات الاختلاف بين وجهات النظر عند تحديد أي الخيارات أجدى أو أصوب للتعامل مع هذه التحديات وذلك لتعدد العوامل المؤثرة بين ما له علاقة بالمنهج، وما له علاقه بالواقع، ثم بالتفاصيل الواردة داخل هذا العامل أو ذاك … غير أنه من المفترض أن تضيق مساحات الاختلاف إذا كان السؤال محصورا في أي هذه الخيارات – محل التباين في الرأي – أكثر إنسجاما مع منهج الجماعة وجوهر فكرتها؟. فإذا رأي البعض – وفقا لاجتهاداتهم – أن التعامل مع هذه التحديات يفرض خروجا عن منهج الجماعة المستقر فليعلنوا هذا بشفافية ووضوح، وليسردوا حيثيات ما انتهوا إليه، وليطرحوها للحوار بالكيفية المناسبة… وعلى أية حال فقد كان الهدف من إعداد هذه السلسلة التيسير على أصحاب الخيارات المختلفة في تلمس مدى إنسجامها مع منهج الإخوان المسلمين من خلال عرض فكر الجماعة وتجربتها فيما يتعلق بمسألة العنف على نحو أكثر شمولا وتركيزا … مرحبين بالحوار حول ما ورد بها من وقائع وما رجحته من دلالات فهي اجتهادات مطروحة للمناقشة, منتظرين بعد ذلك ممن يرى في قناعاته مخالفةً لمنهج الجماعة وجوهر فكرتها أن يبادر إلى مراجعة هذه القناعات، أو لطرحها للحوار مع رفقاء الدرب, فإن لم يجد هذا ولا ذاك فعليه أن يسعى في شجاعة للعمل بعيدا عن جماعة لا ينسجم مع منهجها، ولا تنسجم مع أفكاره، فهو الاختيار الأكثر رشدا وأمانة.
والله الموفق والمستعان.
………………………
[1] ) حسن البنا – رسالة الإخوان والانتخابات – ص 19
[2] ) حسن البنا – رسالة الإخوان والانتخابات – ص 24
[3] ) جماعة الإخوان المسلمين – وثيقة التعددية وتداول السلطة
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات