موريتانيا: عَلَم ونشيد وطني جديدان .. وأزمة سياسية مستمرة

يرتفع اليوم فوق المباني الحكومية الموريتانية العلم الجديد الذي أقره الاستفتاء الشعبي الأخير وقاطعته المعارضة. ولم يضع الشريطان الأحمران اللذان أضيفا للعلم القديم؛ وفاء للمقاومة بحسب تبريرات المسئولين، أو النشيد الوطني الجديد, حدا ولا حلا للازمة السياسية في نواكشوط.
الحكومة اختارت الذكرى السابعة والخمسين لاستقلال موريتانيا عن فرنسا التي توافق اليوم الثلاثاء؛ الثامن والعشرين من نوفمبر، للبدء في استخدام هذين الرمزين الوطنيين, وقوبل رفع العلم الجديد بنداء للمعارضة قبل يومين دعت فيه الجميع لنشر تدوينات تحت هاشتاج «هذا علمي» مع صورة للعلم القديم على صفحاتهم بالفيس بوك، مع الدعوة لرفع العلم القديم فوق السيارات وعلى أسطح المنازل إمعانا في رفض العلم الجديد.
وفي مقابل ذلك بدأ مدونو “الموالاة” نشر صورة العلم الجديد على صفحاتهم وسياراتهم، شارحين في تدويناتهم أهمية إضافة شريطين أحمرين للعلم القديم تخليدا للمقاومة!
وتتزامن هذه التطورات مع ازدياد التأزم السياسي، بعد أن رفضت السلطات الترخيص لمهرجان كبير كانت مجموعة الثماني المعارضة تخطط لتنظيمه السبت الماضي.
ومع أن السلطات الإدارية أرجعت رفضها للمهرجان لتزامن طلب تنظيمه مع إحياء ذكرى الاستقلال التي تعتبر شاغلا وطنيا للجميع، فقد احتجت المعارضة على منع المهرجان، على لسان يحيى ولد الوقف؛ رئيس حزب «عادل» والوزير الأول الأسبق الذي أكد أن رفض المهرجان يندرج ضمن انغلاق هذا النظام الذي توسع ظلمه نحو الاعتداء على الشيوخ والصحافيين والنقابيين.
وانشغل عدد من الكتاب بالأزمة السياسية حيث كتب محمد الأمين ولد الفاضل؛ عن النظام والمعارضة وتوازن الضعف, يقول: «تعودنا أن نسمع عن توازن في القوة أو توازن في الرعب، ولكن الجديد هنا هو أن نسمع عن توازن في الضعف، فلم يحدث أن عرفت السلطة والمعارضة ضعفا متزامنا مثل ما هو حاصل الآن، فالسلطة الحاكمة تعيش اليوم أشد لحظات ضعفها، ولم تعد تمتلك من نقاط القوة إلا نقطة واحدة هي أن معارضتها ضعيفة جدا، والمعارضة تعيش اليوم أشد لحظات ضعفها، ولم تعد تمتلك، هي أيضا، من نقاط القوة إلا نقطة واحدة تتمثل في ضعف السلطة الحاكمة».
ويضيف الكاتب: إن هذا التوازن اللافت في الضعف، لا بد وأن يختل في لحظة ما، ولكننا لا نعرف بالضبط متى ستأتي تلك اللحظة، ولا كيف، والشيء الذي يمكن قوله الآن هو أن هناك مظاهر مصاحبة ودالة على هذا التوازن في الضعف بين السلطة والمعارضة.

 واتهم الكاتب المعارضة الموريتانية بالانتقال من روح الرفض إلى روح الاستسلام مؤكدا أن المتأمل في حالها في الفترة الأخيرة لا بد أن يلاحظ أن هذه المعارضة كانت تمتلك روحا رافضة من قبل استفتاء 5 أغسطس 2017 (لنتذكر المسيرات غير المرخصة التي قادها بعض زعماء المعارضة قبيل الاستفتاء)، ولكن هذه المعارضة أصبحت بعد استفتاء 5 أغسطس تستبطن روحا مستسلمة، حتى لا أقول روحا انهزامية.
وزاد «إن قبول المعارضة بالأمر الواقع، وقبولها الضمني لاستفتاء 5 أغسطس، ولما ترتب عليه من نتائج كتغيير العلم وإلغاء مجلس الشيوخ، سيجعلها مجبرة على القبول بولاية ثالثة إن شرعتها الجمعية الوطنية، وعموما فإن تشريع ولاية ثالثة سيكون أكثر دستورية، على الأقل من الناحية الشكلية، من إلغاء مجلس الشيوخ وتغيير العلم الذي قبلت به المعارضة عمليا».
سجال مأزوم

ومن صور الأزمة السياسية في البلاد يرقب أبناء المجتمع سجالا ساخنا مأزوما حول تسيير الدعم العمومي للصحافة الخاصة، بعدما قوبلت معايير حددتها اللجنة المكلفة بتسيير وتوزيع موارد صندوق دعم الصحافة الخاصة بانتقادات واسعة من طرف مواقع واتحادات إعلامية موريتانية مستقلة اعتبرتها «تضييقا وترهيبا للصحافيين».
وكانت اللجنة قد أعلنت «أنها ستحرم من الدعم كل مؤسسة أو هيئة تنشر أو ترعى إساءة للمقدسات الدينية أو الرموز الوطنية أو تبث خطابا متطرفا أو تنشر ما يهدد السلم الأهلي أو الحوزة الترابية أو تسرب أسرارا عسكرية للدولة أو تنشر قذفا أو سبا شخصيا لرئيس الجمهورية أو رجال القضاء أو أعضاء الحكومة أو القيادات العسكرية والأمنية أو رئيس وأعضاء السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية أو أعضاء اللجنة المكلفة بتسيير وتوزيع موارد صندوق دعم الصحافة الموريتانية الخاصة».
كما أكدت أنها «ستمنع كذلك كل مؤسسة إعلامية تقوم بنشرٍ يهدف إلى التأثير أو التشويش على سير أو نتائج أعمال القضاء أو السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية أو اللجنة المكلفة بتسيير وتوزيع موارد صندوق الدعم العمومي للصحافة الموريتانية الخاصة».
واعترضت نقابة الصحافيين الموريتانيين واتحاد الصحافة الإلكترونية وشبكة الصحافيات الموريتانيات وتجمع الناشرين الموريتانيين، على المعايير التي حددتها اللجنة المكلفة بتسيير وتوزيع موارد صندوق دعم الصحافة الخاصة الموريتانية.
وأكدت الاتحادات والنقابات المعترضة في بيان «أن الحقل الإعلامي فوجئ لبيان موقع باسم رئيس لجنة توزيع صندوق دعم الصحافة الخاصة لسنة 2017، لما حمله في طياته من ترهيب الصحافيين وتخويف الهيئات والمؤسسات الإعلامية ووضع الكثير من العراقيل والقيود كشروط لاستفادتها من الدعم العمومي للصحافة الخاصة».
وأضافت الهيئات المعترضة «أنه تأسيسا على قانون الصحافة في موريتانيا الذي يضمن الحريات الإعلامية، وبعد الاطلاع على مقتضيات القانون 024 /2011 وترتيبات المرسوم 156/2011 المنشئ للجنة توزيع صندوق دعم الصحافة الخاصة فمن الواضح أن الأخيرة قد تجاوزت كل الحدود وأقحمت نفسها فيما لا يعنيها، لأن المحاسبة على النشر من اختصاص القضاء حصرا، فمنذ عام 2006 انتقلت الرقابة إلى القضاء وأصبحت بعدية، ولم يعد يحق قانونيا لأية جهة أخرى حق رقابة ما ينشر في الإعلام»، وأما ربط اللجنة بين دعم أية هيئة أو مؤسسة إعلامية بما ينشر فهو فقط، نوع من الابتزاز.
ودعت الهيئات الموقعة على بيان الاعتراض إلى «وضع معايير شفافة ونزيهة لاختيار ممثلي الصحافة في لجنة توزيع دعم الصحافة الخاصة، واختيار أصحاب الكفاءة والتجربة من الصحافيين المهنيين المعروفين بالاستقامة والنزاهة»، مسجلين «تحفظهم على أي تمثيل يقصي أبرز الهيئات الصحافية الفاعلة من لجنة تسيير الدعم».
وشددت الهيئات المعترضة على تمسكها بحقها في اتخاذ الإجراءات المناسبة للوقوف في وجه أي مسار لا يخدم المصلحة العامة للصحافيين أو نهج يرسخ أو يسعى إلى التضييق على الحريات الإعلامية.
وقد أثارت المعايير التي حددتها اللجنة المكلفة بتسيير وتوزيع موارد صندوق دعم الصحافة الخاصة، اعتراض 42 هيئة إعلامية من المؤسسات الإعلامية المستقلة في موريتانيا.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …