موفق السباعي يكتب: الحقائق المطموسة أثناء الهيجان العاطفي والثوران الشعبي

دائماً في خضم الهيجان العاطفي والثوران الشعبي, تُطمس حقائق كثيرة, ويغيب العقل والفكر عن المشهد كلياً.

ويظهر بشكل طاغٍ مصطلح :

( لا صوت يعلو على صوت العاطفة الهائجة .. الثائرة ), ويصبح التمجيد, والتعظيم, والتضخيم, لصانع الحدث أو المتصدي له, هو السمة المهيمنة والمسيطرة على المشهد, مع غياب كلي للموضوعية والواقعية.

لا أحد من شعوب الأرض يعيش برفاهية وسلام وأمان وحرية, يؤيد الإنقلاب العسكري, ويستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير, ويستبدل الديكتاتورية بالحرية.

ماذا لو لم يتمكن رئيس البلد من الكلام إلى الشعب ودعوته لهم للخروج إلى الشارع؟ هل سيخرجون ويتَحدّون أوامر العسكر الذي فرض منع التجول وهدد بإطلاق الرصاص على المخالفين؟.

ماذا لو أطلق العسكر الرصاص على كل من يقترب من الدبابات؟ هل سيتمكن الشعب من الصعود عليها؟

ماذا لو تمكن مرسي رئيس مصر السابق من التواصل مع الشعب ودعاه إلى الخروج إلى الشارع للتنديد بالانقلاب العسكري؟  ألم تكن أعداد الخارجين في الشارع المصري أضعاف الخارجين في الشارع التركي؟

ماذا لو لم يطلق عسكر الأسد الرصاص على المتظاهرين في سورية؟ أما كانت أعداد المتظاهرين أضعافاً مضاعفة  من المتظاهرين الأتراك, ولوصل المتظاهرون إلى القصر الجمهوري وأخرجوا بشار منه في أيام قليلة؟

ماذا لو تمكن ناظم القدسي رئيس سورية أثناء الإنقلاب البعثي الأسود في 1963 – وكان منتخباً من الشعب – من التواصل مع الشعب, ودعوته لرفض الإنقلاب؟ هل تمكن عسكر البعث، ومن بعده عسكر الأسد، من التحكم بالبلد خمسين سنة؟

لا يظهر معدن الشعب الحقيقي إلا حينما يتعرض للموت الزؤام, والقتل اليومي وعلى مدى سنوات, ويصر على الحياة والحرية, ويقابل الرصاص بكلمة ( الله أكبر ) وبسلاح خفيف.

أما إذا لم يتعرض الشعب لمثل هذا وزحف بالمليارات إلى الشارع .. وهو آمن من الموت والقتل, فهذا لا يدل بالضرورة على أن معدنه ثمين.

إن نجاح أي حدث يمكن أن يكون بسبب قوة صانع الحدث أو يمكن أن يكون بسبب ضعف المتصدي للحدث.

وفشل الحدث يمكن أن يكون بسبب ضعف صانع الحدث أو خلل في التخطيط والتنفيذ أو يمكن أن يكون بسبب قوة المتصدي للحدث.

إن استجابة الشعب للحاكم للخروج إلى الشارع ضد الإنقلاب يمكن أن تكون بسبب حبهم له, ويمكن أن تكون بسبب خوفهم من المستقبل المجهول وكرههم لحكم العسكر.

ومن المستحيل التخلص من الأعداء؛ فالذي يظن أنه سيتخلص منهم بالتقرب إليهم واهم, يجري وراء سراب.

حدث الإنقلاب الفاشل في تركيا يظهر الحجم الهائل للأعداء, فالكل رقص وغنى وطرب في بداية الإنقلاب وتأمل نجاحه؛ بدءًا من نظام بشار إلى المليشيات الشيعية، والكردية، والروسية، واليهودية، والأمريكية، والأوربية والأنظمة العرباوية.

حتى أن أحد المماليك العرباوية صرح بأن الشعب التركي خرج بالملايين يلعن أردوغان ويؤيد الجيش!

ولا تغرنك الرسائل الدبلوماسية المنددة بالإنقلاب, فما هي إلا ضحك على الذقون وكذب ونفاق.

فلو نجح الإنقلاب – لا سمح الله – لرأيتهم أنفسهم يتراكضون لتأييده,

وصدق الله العظيم: ( وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ ).

إن وظيفة عقلاء الأمة أن يقرأوا الواقع الميداني ليس بناء على الهيجان  والثوران الشعبي العاطفي, وإنما بناءً على قلب الصورة فيما لو حدثت  كيف تكون ردة الفعل؟.

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب : مغزى قفزة الدولار في مصر وسر عدم تدخّل البنك المركزي

بات السؤال الملح في مصر الآن ليس عن أسباب قفزة سعر الدولار فلها أسبابها المنطقية، …