نفوذ الإمارات يتمدد في مياه شرق أفريقيا

أحداث الربيع العربي في عام 2011، وثقة إيران المتزايدة, وهروبها من العقوبات النووية، بالإضافة إلى صعود تنظيم “الدولة” .. أمور أقنعت “عيال زايد” أن يصبحوا أكثر فاعلية في إدارة المخاطر التي تواجه اتحاد إماراتهم. ومن هنا يمكن فهم ما رصده تقرير “لـوور أون ذا روكس” حول تكثيف التمدد العسكري الإماراتي في منطقة «غرب السويس».

وفي الآونة الأخيرة أنشأت الإمارات أول قاعدة لتكريس نفوذها خارج شبه الجزيرة العربية وتحديدا في ميناء عصب الإريتري.

وخلال العام الماضي، تم بناء الميناء وتحويل المكان من صحراء قاحلة إلى قاعدة جوية حديثة، وميناء على المياه العميقة، ومنشأة للتدريب العسكري.

بعد الربيع العربي عام 2011، أرسلت دولة الإمارات قواتها إلى جانب الجيش السعودي بدعوى تحقيق الاستقرار في العاصمة البحرينية؛ المنامة، بالتوازي مع حملة محلية ضد جماعة الإخوان المسلمين داخل أراضيها، وتدخلت قواتها العسكرية في ليبيا لدعم الميليشيات القبلية ضد نظام «القذافي»، والمتشددين السلفيين، ومؤخرا ضد تحالف الإسلاميين الذين يتمركزون في طرابلس.

لم تكتف الإمارات بذلك بل كانت من أوائل الدول الداعمة والمرحبة بالانقلاب العسكري في مصر عام 2013 بعد عام من المؤمرات الخفية والمعلنة.

منذ ذلك الحين عملت الإمارات على تعزيز العلاقات العسكرية مع القاهرة، بما في ذلك شن غارات جوية مشتركة داخل ليبيا من القواعد الجوية المصرية، والمشاركة في تدريبات بحرية، وتوفير معدات تملكها دولة الإمارات وطائرات لمكافحة تنظيم الدولة في سيناء.

 

خسارة جيبوتي وكسب إريتريا   

اتجه الإماراتيون نحو منطقة القرن الإفريقي والمحيط الهندي، وتُعزى هذه العملية إلى التدخل العسكري في اليمن، الذي بدأ عندما أطيح بالرئيس «عبد ربه منصور هادي» من عدن من قبل المتمردين الحوثيين، وطلبت السعودية بعد ذلك التدخل العسكري وفقا للمادة 51 (الدفاع عن النفس) من ميثاق الأمم المتحدة، وكذلك ميثاق جامعة الدول العربية.

ثم أعلنت السعودية بداية عملية «عاصفة الحزم»، في مارس 2015, وهي عملية عسكرية عربية لوقف زحف ميليشيا الحوثي في اليمن.

عمدت السعودية والإمارات في البداية إلى استخدام جيبوتي، عبر خليج عدن، لدعم تحرير المدينة الاستراتيجية, ولكن لمسة من القدر تدخلت.

في أواخر شهر أبريل عام 2015، حصلت مشادة كلامية بين رئيس سلاح الجو الجيبوتي والدبلوماسيين الإماراتيين وأدت إلى إفساد العلاقات بين البلدين.

كانت هناك فعلا مشكلة بعد أن هبطت طائرة إماراتية تشارك في عمليات التحالف الخليجي في اليمن في مطار جيبوتي الدولي دون ترخيص.

وقد تلقى نائب القنصل الإماراتي «علي الشحي»، صفعة على وجهه تسببت في نزاع دبلوماسي.

تصاعد الخلاف بسرعة بسبب التوترات القائمة من قبل بشأن نزاع قانوني مستمر منذ فترة طويلة على عقد لمحطة حاويات دوراليه، وهي أكبر ميناء للحاويات في أفريقيا، وتديرها شركة موانئ دبي العالمية، وهي مشغل المحطات البحرية الإماراتية، وواحدة من أكبر أصول القوة الناعمة للإمارات.

في 4 مايو 2015 قُطعت العلاقات الدبلوماسية بين الإمارات وجيبوتي رسميا.

طردت جيبوتي القوات السعودية والإماراتية من منشأة مجاورة لمعسكر «ليمونير»، وهو مركز الفيلق الأجنبي الفرنسي السابق وقد تم تأجيرها للتحالف الخليجي في أوائل أبريل لدعم عملياته في اليمن.

لكن السعودية والإمارات لديهما بديل وهو إريتريا؛ المنافس الإقليمي لجيبوتي المجاورة، والتي تضم منافذ بدائية على البحر الأحمر بطول 150 كيلومتر شمالا.

في 29 إبريل، وهو اليوم ذاته الذي أخرجت جيبوتي فيه القوات الخليجية، التقى الرئيس الأريتري أسياس أفورقي مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وأبرمت الاتفاقية الأمنية والشراكة العسكرية مع دول الخليج.

والتقت وفود رفيعة المستوى من دول مجلس التعاون الخليجي بالفعل مسؤولين إريتريين لمناقشة استخدام إريتريا كقاعدة محتملة للعمليات.

وبهذه السياسة تم التغلب على خطر استراتيجي يهدد حملة مكافحة الحوثي بالشلل حيث أن فقدان جيبوتي تم التغلب عليه بكل سهولة وفي غضون أيام.

 

الحشد في عصب

كجزء من اتفاقية الشراكة المبرمة، حصلت الإمارات على عقد إيجار لمدة 30 عاما للاستخدام العسكري لميناء عصب, ومطار بمدرج بطول 3500 متر، يمكن لطائرات النقل الكبيرة الهبوط عليه بما في ذلك طائرات «سي 17 جلوب ماستر » الضخمة.

ووافقت دول الخليج على تقديم حزمة مساعدات مالية، وتحديث مطار أسمرة الدولي، وبناء بنية تحتية جديدة، وزيادة إمدادات الوقود إلى إريتريا، وكانت العمليات الأولى في عصب متسارعة ولكنها فعالة.

في 13 أبريل، حملت طائرة «شينوك» فريقا من ثمانية أفراد من القوات الخاصة الإماراتية وشنت هجوما على مصفاة نفط وموقع تخزين للدبابات في عدن، مما مكن القوات الموالية للرئيس «عبد ربه منصور هادي» ولجان المقاومة الشعبية المحلية من السيطرة على اثنين من الجيوب الدفاعية.

أصبح ميناء عصب شريان للحياة البحرية وقاعدة جوية سمحت للقوات الموالية لـ«هادي» باستعادة عدن في أغسطس 2015.

وتكرر تحرك سفن الإنزال الإماراتية والسفن التجارية المستأجرة بين قاعدة الإمارات البحرية الجديدة في الفجيرة وميناء عصب البدائي، وشوهدت القوات الجوية الإماراتية أيضا في مطار أسمرة الدولي.

بحلول أواخر يوليو 2015 ، كان الحشد في مطار عصب كاملا، مع قاعدة تخدم كمنطقة دعم لوجستي ومركز قتالي يسع لواءا إماراتيا مدرعا .

وتتألف هذه القوات من سربين من دبابات القتال الرئيسية، وكتيبة من عربات القتال، وبطاريتين من مدافع الهاوتزر G6.

كما شحنت الإمارات أيضا قوة ضاربة من 1500 رجل من القوات اليمنية المدربة محمولة على عربات مدرعة قدمتها الإمارات بعد تدريبها في عصب.

في منتصف شهر يوليو 2015 ، بدأت المقاتلات الإماراتية تهبط في محطة نفط عدن، وقطعت سفينة الفطيسي الإماراتية وغيرها من سفن الإنزال بما في ذلك، سويفت، سفينة البحرية الأمريكية السابقة، قطعت أشواطا بين ميناء عصب وعدن.

في أكتوبر ونوفمبرمن عام 2015، خدم عصب كمركز لوجستي لنشر 450 رجلا من الكتائب السودانية في عدن.

يخدم ميناء عصب أيضا كقاعدة لفرض حصار بحري على موانئ اليمن على البحر الأحمر مثل الحديدة، ومنذ الهجوم ضد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية (القاعدة في جزيرة العرب) في حضرموت في أبريل عام 2016، عمل ميناء عصب أيضا كمركز عبور للسفن الإماراتية لتقديم المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار، بما في ذلك مولدات الكهرباء والوقود إلى المكلا باليمن.

حوّل التوسعُ الكبير في مطار عصب الموقعَ من مكان تشغيل متقشف إلى قاعدة تدخل سريع قوية، وهو أول موقع إماراتي خارج الوطن كما ضاعفت القوات الإماراتية مساحة المدرج وبنت برج مراقبة للحركة الجوية وأماكن جديدة.

في أوائل عام 2016، استضاف المطار عدة طائرات هليكوبتر هجومية من طراز أباتشي وكذلك طائرات قيادة العمليات الخاصة من طراز شينوك، بلاك هوك، وطائرات الهليكوبتر بيل سيفن، التي تقوم بعمليات فوق جنوب غرب اليمن.

في نوفمبرعام 2015، بدأت الطلعات الهجومية عبر مضيق باب المندب من عصب، والجديد أن الطيارين اليمنيين المدربين عن طريق الإمارات هم من قادوا طائرات تبرعت بها الإمارات.

تم بناء مدينة سكنية ضخمة أيضا وتم تطوير قاعدة لقوات مكافحة الإرهاب اليمنية المدربة والمجهزة من قبل دولة الإمارات لتحرير المدن اليمنية الجنوبية مثل المكلا.

وتم نقل وحدات من قوة مكافحة الإرهاب إلى عدن وحضرموت من عصب.

وكان حجم وسرعة جهود التدريب مثيرا للإعجاب حيث شمل الأمر وحدات جديدة مدربة، كما قدمت المركبات التكتيكية قبل أن يتم نقلها مرة أخرى إلى عدن للهجوم على تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في مايو الماضي.

وظلت الوحدات القتالية في مقرها في عصب طوال فصلي الربيع والصيف من عام 2016، بما سمح للإمارات بتدوير قوات قتالية مماثلة في الحجم تشارك في عمليات ضد القاعدة في جزيرة العرب في اليمن ثم العودة إلى موقع الراحة والاستجمام في مكان قريب.

في أواخر عام 2015، بدأت الإمارات بناء مرافق ميناء في المياه العميقة على الساحل المجاور لمطار عصب، وفتح طريق للقوافل العسكرية التي كانت تسافر من القاعدة الجوية إلى الميناء عشرة كيلومترات إلى الجنوب.

وبحلول مايو 2016، كان مساحة 60 ألف متر مربع من الساحل قد تم حفرها وبني رصيف طوله 700 متر، وتمددت القوات الإماراتية أيضا حول مرافق المطار والميناء وتم إعادة توجيه الطريق السريع الساحلي بين عصب ومصوع ليدور حول المحيط الخارجي للقاعدة.

تمدد إماراتي في القرن الأفريقي

على الرغم من تعاون السعودية والإمارات في مشاريع أمنية كبرى مثل تدخلهما في المنامة في عام 2011 وحرب اليمن منذ عام 2015، وهما أبرز القوى العسكرية في مجلس التعاون الخليجي، من حيث عدد السكان، وإنتاج النفط، والإنفاق على الدفاع، إلا أن أهداف الدولتين تبدو متباينة في اليمن، إذ يدعم السعوديون فصائل إسلامية ضد الحوثيين في الشمال، في حين تركز الإمارات على مواجهة القاعدة في جنوب البلاد.

في منطقة القرن الإفريقي، هناك دلائل على المنافسة أيضا، صححت السعودية الأمور مع جيبوتي في أكتوبر 2015، وتم استعادة المطار في معسكر «ليمونير»، وتبرعت السعودية بزوارق ومروحيات وأسلحة وسيارات إسعاف.

في مارس 2016، كانت المناقشات جارية بين الرياض وجيبوتي لتوقيع اتفاق أمني ثنائي شامل بما في ذلك عودة القاعدة العسكرية السعودية على المدى الطويل إلى جيبوتي.

لكن يبدو أن الإمارات تتبني نهجا يقوم على قاعدة أوسع في القرن الأفريقي وشرق أفريقيا، ومنطقة المحيط الهندي.

كانت أبو ظبي منذ فترة طويلة متبرعا سخيا ومستثمرا رئيسيا في دول المحيط الهندي مثل جزر سيشل وجزر المالديف وموريشيوس ومدغشقر وجزر القمر.

وتهتم الإمارات بشرق أفريقيا مع الأخذ في الاعتبار أنشطة الغاز الطبيعي، والموانئ، والأمن الغذائي.

يهدف دعم تطوير سياسة المحيط الهندي وشرق أفريقيا الأوسع إلى توثيق علاقات التعاون الأمني مع مجموعة دول القرن الأفريقي، والتي تهدف إلى الحد من نمو التنظيمات الإسلامية في المنطقة.

والصومال هي مثال على ذلك, ففي أوائل مايو 2015، سعت الإمارات لتطوير شراكة مع الصومال لمكافحة الإرهاب، وفتح مركز للتدريب بتمويل من الإمارات في مقديشو لتدريب العديد من وحدات القوات الصومالية.

في أواخر مايو 2015، زودت الإمارات إدارة جوبا المؤقتة في كيسمايو بمجموعة من المركبات، وتلا ذلك في يونيو شحنة أخرى ثم شحنة ثالثة من ناقلات الجند المدرعة والشاحنات الناقلة للمياه، والدراجات النارية للشرطة.

وفي أكتوبر 2015، تعهدت الإمارات بدفع رواتب قوات الأمن الحكومية الاتحادية الصومالية لمدة أربع سنوات.

وفي مايو 2016، فازت موانئ دبي العالمية بعقد مدته 30 عاما لإدارة ميناء بربرة وتوسيعه ليصبح مركزا إقليميا للخدمات اللوجستية، ولكسر احتكار جيبوتي الظاهري لحركة سفن الشحن عبر محطة حاويات “دوراليه” من خلال التنمية المشتركة من قبل الصومال وإثيوبيا واعتبار ممر بربرة طريقا لوجستيا بديلا.

وقيل إن الإمارات تسعى أيضا للوصول إلى ميناء بربرة كمهبط للطائرات لدعم عملياتها في اليمن، ويمكن أن توفر الصومال ذلك مقابل حزمة المساعدات المالية والتدريب العسكري.

ويبدو أن الاستثمار الإماراتي السابق بأرض الصومال قد آتى أكله، بقطع ما يعرف بنقاط إعادة الشحن الإيرانية مثل بوساسو وبربرة.

تواجد إماراتي «غرب السويس»

جنبا إلى جنب مع تطوير علاقة عسكرية أوثق مع مصر والسودان، وبناء قاعدة نفوذ كبرى في إريتريا، فإن هذا النشاط سيعطي الإمارات دورا رائدا في حماية قناة السويس وباب المندب.

دولة الإمارات العربية المتحدة قد تبدأ في الظهور كلاعب قوي في منطقة القرن الأفريقي وشرق أفريقيا، وغرب المحيط الهندي.

ومثل الإمبراطوريات التجارية السابقة، تهدف الإمارات إلى أن تصبح لاعبا مهما في الساحل الشرقي لأفريقيا، والخلط الجدي بين القوة العسكرية مع نهج القوة الناعمة.

يشير تطور القوات اليمنية الكبيرة والمسلحة تسليحا جيدا في قاعدة عصب أيضا إلى أن دولة الإمارات قد تصبح ذات تأثير كبير على التوازن المحلي للطاقة.

خلال بضعة أشهر جهزت الإمارات ودربت بضعة آلاف من المشاة على مركبات تحمل أسلحة متقدمة مضادة للدبابات.

ونجحوا في كثير من المعارك بشكل منتظم تدعمهم القوة الجوية الخارجية والقوات الخاصة.

وهذا يمكن أن يكون له آثار كبيرة على النضال ضد الجماعات المحلية المتطرفة مثل حركة الشباب الصومالية، التي قد تتحول أنظار الإمارات إليها في المستقبل.

يمكن أن تؤثر الإمارات في الصراعات الإقليمية الأخرى والحروب الأهلية بفضل التعاون الأمني، ولاسيما تقديم طائرات وأعداد كبيرة من المركبات الحديثة والأسلحة كهدية لقوات تعمل لصالحها بالوكالة.

وقد تبدأ دولة الإمارات العربية بهذه الطريقة في لعب دور صانع الملوك في جميع أنحاء المنطقة بحسب مراقبين غربيين.

أما الأثر النهائي المحتمل فيمكن أن يكون تعزيز موقف إماراتي رادع ضد إيران.

فالتدخل في اليمن هو ضد إيران بشكل رئيسي، كما أن القاعدة البحرية والجوية الإماراتية في عصب حاسمة في محاصرة موانئ الحوثي على البحر الأحمر ومنع إيران من إعادة تزويد المتمردين.

على مدى العامين الماضيين، كان هناك لغط متزايد بشأن إمكانية القدرات البحرية لإيران التي قد تسمح لها باستعراض قوتها العسكرية في غرب المحيط الهندي والبحر الأحمر. في الواقع، فإن الإمارات هي التي حققت هذا أولا، وخلقت البنية التحتية الأساسية للحفاظ على العمليات التي تقوم بها.

بالإضافة إلى تحجيم التوسع البحري الإيراني، يمكن لقواعد مثل عصب أن تسهم في تقوية العمق الاستراتيجي لدولة الإمارات لو حدث اشتباك في نهاية المطاف مع إيران تهديدي أو فعلي.

وفي حين أن أرض دولة الإمارات بأكملها تقع ضمن مدى مجموعة من الصواريخ الإيرانية، فإن عصب توفر عمقا قد يسمح بوجود احتياطي للقوة من المقاتلين والطائرات، والغواصات، وتبقى أيضا نشطة وقادرة على اعتراض الساحل الإيراني والشحن خلال حرب موسعة.

وكان تورط الإمارات في عمليات التدخل السريع في الماضي ملفتا للنظر من ناحية غياب أي خارطة طريق استراتيجية أوسع نطاقا، لكن تطوير ميناء عصب قد يكون بداية أكثر من هادفة لمرحلة توسع عسكري إماراتي.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …